
أنا طلقت مراتي الأولى اللي كنت بحبها عشان أمي مش طايقاها، ونزلِت دموعها عشان تخليني أرمي عليها اليمين. أنا جيت خطبتك عشان أرضي أمي وبس، وقلبي مش معايا. هعيشك في خير وفي بيت كبير، بس مش هكدب عليكي.. روحي لسه هناك. فكري يا هند، ولو قلتي لأ، هقول لأبوكي إني غيرت رأيي ومش هجيب سيرتك بكلمة واصل.
“كان مستني تبكي، تصرخ، أو حتى تطرده من المندرة.هند كانت بتفرك إيديها في قماش فستانها البسيط، عينيها كانت مليانة هدوء غريب. رفعت راسها وبصتله بعيونها العسلية وقالت بنبرة هادية: “وأنا قابلة وموافقة يا حسن بيه.”حسن.. ابن عيلة الجبالي، أكبر تجار القماش في المحلة. من سنة واحدة بس، حسن اتجوز “نهى”، البنت اللي اختارها قلبه وزيملته في الجامعة. الجوازة دي كانت شوكة في ضهر أمه، الحاجة “فاطمة”، ست صعبة، كلمتها سيف على رقبة الكل، وكانت شايفة إن نهى “بنت بندرة” ومش من توبهم، ولا هتعرف تمشي على عجين ما تلخبطوش في بيت الجبالي.
السنة كلها عدت في نكد. الحاجة فاطمة ما سابتش نهى في حالها، خناق على الطبخ، على اللبس، على دخلة حسن وخرجته. لحد ما جت الليلة الكبيرة.. الحاجة فاطمة عملت مشكلة من مفيش، وقعدت في وسط الصالة تصرخ وتلطم: “يا تطلق البت دي يا أنا غضبانة عليك ليوم الدين، لا شربت من لبني ولا أعرفك ولا تعرفني، وورث أبوك كله يحرم عليك!
“حسن اتسمر في مكانه. الدنيا لفت بيه. بص لأمه اللي بتعيط وبتقطع في هدومها، وبص لنهى اللي واقفة بتبكي وبتترعش. البر بالوالدين صرع عقل حسن، والضعف عماه.بص لمراته وقال والدموع في عينه: “انتي طالق يا نهى.”نهى ما صدقتش، لمت هدومها في شنطة واحدة ومشيت في نص الليل، وحسن من يومها عايش زي الجثة. وشه ما بتزورهوش الضحكة، وشغله في المحلات بدأ يبوظ.
الحاجة فاطمة ما همهاش حزن ابنها، المهم كلمتها مشيت. بعد شهرين بالظبط، ندهت عليه وقالتله: “الحزن ده مش لايق على راجل من عيلة الجبالي. أنا نقيت لك “هند” بنت عمك صابر، البت مؤدبة، وبوها راجل على قد حاله وهيسمع الكلام، والجمعة الجاية كتب كتابك.”حسن صرخ: “أتجوز؟ انتي لسه مبردتِش ناري؟ أنا مش عايز أظلم بنات الناس معايا!”ردت أمه بنظرة حادة: “هتتجوز وتكسر كلام البلد اللي بتقول إنك مكسور بعد طليقتك. ورجلك فوق رقبتك.”حسن لقى نفسه مجبر يروح بيت عم صابر عشان ما يكسرش كلمة أمه قدام الناس، بس ضميره كان صاحي. طلب يقعد مع هند.
هند، 21 سنة، كانت بنت هادية جداً، ملامحها رقيقة بس باين عليها الشقا. أمها ماتت وسابتها لـ “مرات أب” كانت بتصحاها من النجمة عشان تخبز وتغسل وتخدم البيت كله، ولو غلطت غلطة صغيرة، تتحرم من الأكل. هند كانت بتشوف حسن من بعيد، من ورا شيش البلكونة لما كان بيجي يزور عمه في الأعياد. كان بالنسبة لها زي البطل اللي بيجي في الروايات؛ هيبة، وأدب، وطيبة.لما حسن قعد معاها في المندرة، وقالها الحقيقة المرة؛
إنه بيحب طليقته، وإنه طلقها بس عشان يرضي أمه، وإنه مش هيقدر يديلها قلبه.. حسن كان فاكر إنها هترفض.بس هند ما فكرتش في قلبه.. هند فكرت في “النجاة”.بالنسبة لبنت بتدوق الذل كل يوم في بيت أبوها، حسن -حتى بقلبه المكسور- كان هو الأمان. كان الراجل اللي هيخرجها من جحيم مرات أبوها لبيت محترم يحميها.قالتله بصوت ثابت: “أنا موافقة يا حسن بيه. البيوت بتتبني بالاحترام، والمحبة بتيجي مع العشرة. وأنا هصون بيتك وأمك.”حسن قام وقف، وبص لها بنظرة فيها شوية احترام وشوية شفقة، وقال: “كتب الكتاب الجمعة الجاية في دوار العيلة.
لو رجعتي في كلامك، بلغيني.”يوم الجمعة، الدوار كان منور بأنوار زاهية، والطباخين دبحوا العجول، والمعازيم مالين المكان. الحاجة فاطمة كانت قاعدة في صدر المكان، لابسة عبايتها القطيفة السودا ومبتسمة ابتسامة نصر، بتبص للحاضرين وكأنها بتقول: “أنا اللي كلمتي بتمشي في الآخر.”وفي الركن البعيد، كانت هند لابسة فستانها الأبيض البسيط، بتبص لحسن من ورا الستارة، وعارفة إن السكة مش سهلة، بس جواها يقين إن اللي صبرت السنين دي كلها، قادرة تخلي البيت ده مملكتها.. ولو بعد حين.الحاجة فاطمة كانت قاعدة وعينيها بتلف في الصوان زي الصقر، مفيش فوتة ولا همسة بتعدي من تحت إيدها. أول ما المأذون قال: “بارك الله لكما وبارك عليكما”، الزغاريد قطعت نفس المكان، بس حسن مكانش سامعها.



