Uncategorized

بنتي ج 3 بقلم اماني سيد

الدكتور دخل العنبر وشاف انهياري، قرب مني بهدوء وقالي إنها في غيبوبة كاملة من شدة النزيف وارتجاج المخ والصدمة العصبية اللي اتعرضت لها، وإن حالتها حرجة جداً وما بين إيدين ربنا. وقتها، عرفت كمان إن أهل الحارة عملوا اللي كان المفروض أعمله أنا من سنين؛ اتلموا كلهم على جوزها وأمه  وطلبولهم البوليس، ومسابوش القسم والنيابة غير لما اتعمل محضر شُروع في   كلهم ورا القضبان ينتظروا مصيرهم الأسود.
قعدت جنبها على الكرسي الخشبي المكسور في المستشفى أسبوعين كاملين، نسيت شغلي، ونسيت مراتي، ونسيت الدنيا كلها. كان يومي مقسوم ما بين مسكة إيدها الساقعة المجبسة وبين سجادة صلاة فردتها جنب ؛ بصلي بدموع معرفش كانت مستخبية فين، بدعي ربنا يمد في عمرها ويفيقها، بس علشان يديني فرصة واحدة أطلب منها السماح وأعوضها عن كل لحظة قهر وذل كنت السبب فيها.

ومع بداية الأسبوع التالت، حركت صوابعها الرفيعة، وفتحت عينيها بتثاقل وألم. أول ما شافت وشي، حسيت إن روحي ردت فيا، قربت منها ودموعي نازلة:
— حمد الله على سلامتك يا نور عيني، أنا جنبك أهو، متخافيش..
بصتلي بنظرة خالية من أي مودة، نظرة مليانة وجع وخذلان فاق كل طاقة العتاب، وبحركة بطيئة وضعيفة دارت وشها الناحية التانية وثبتت عينيها على الحيطة السادة، كأن رؤية وشي بتجدد كل  خدتها في ضهرها. فضلت قاعد جنبها بالساعات، أكلمها وأتحايل عليها ترد بكلمة، أبوس في إيدها السليمة وأقولها حقك عليا، وهي ساكتة.. خرس كامل كأنها قررت تدفن صوتها للأبد.
أول ما الدكتور سمح بخروجها، شلتها على إيديا كأنها عيلة صغيرة ملهاش وزن، وأخدتها ورجعت بيها على بيتي. أول ما فتحت الباب، وقفت مراتي وبنتها مصدومين من المنظر، وشوشهم اتخطفت لما شافوا البنت اللي كانت وردة مالية البيت بقت خيال مآتة وجلد على عظم وجبس يلف نص جسمها، والولد الصغير استخبى ورا أمه من الخوف.
الصدمة خلت مراتي تسكت تماماً وصعبت عليها بجد لأول مرة، حسوا هما الاتنين بالذنب والكسوف من نفسهم. دخلتها أوضتها القديمة، ونيمتها في سريرها اللي كانت بتتحرم من النوم فيه زمان علشان تخدمهم. مبقتش تقدر تقوم من السرير من كتر التعب وهدة الحيل، وبقى الأكل والراحة يجيلها لحد عندها، ومراتي وبنتها بيشيلوا الطبق ويحطوا غيره وهما باصين في الأرض، وأنا قاعد تحت رجليها مستني بس رمشة عين ترضى عني، لكن الصمت كان الحيطة العالية اللي بنتها بيني وبينها، ومش عارف إذا كان في أمل تتهد في يوم من الأيام.

مرت شهور والبيت عايش في حالة خرس تقيل. مراتي وبنتها كانوا بيتحركوا على طراطيف صوابعهم، مفيش كلمة زيادة ولا صوت عالي، نظرات الخجل والذنب مالية عيونهم، وكل طلب لبنتي كان بيتنفذ قبل ما تفكر تطلبه، كأن الكل بيحاول يشتري براءة ذمته من ذنب ملوش كفارة.
أما أنا، فكانت حياتي كلها اتلخصت في الكرسي اللي جنب سريرها. بقيت أرجع من الشغل جري، ماببصش في وش حد ولا بدخل أوضتي، أدخل عليها علطول، أقعد جنبها، أمسك إيدها، أحكيلها عن يومي، أحاول أضحكها، أجيبلها الفاكهة اللي كانت بتحبها زمان ومكنتش برضى أشتريها، بس الرد كان دايماً واحد: وشها داير للحيطة، وعينيها باصة للفراغ، ساكتة سكوت يقطع في عروقي أكتر من أي صريخ أو عتاب.

وفي يوم، دخلت عليها بعد ما الجبس اتفك وبدأت خطوتها تدب في الأرض بصعوبة، لقيتها واقفة قدام الشباك، شاردة في السما وضهرها ليا. قربت منها بالراحة، وحطيت إيدي المرتعشة على كتفها بحذر:
— عاملة إيه النهاردة يا حبيبتي؟ عملتلك الشوربة اللي بتحبيها بإيدي.. تاكلي معايا؟
حسيت بجسمها بيتصلب تحت إيدي، ولفت وشها ليا ببطء. كانت أول مرة تثبت عينها في عيني من شهور. وشها كان لسه باهت، والكدمات راحت بس سابت مكانها هالات سودة محفورة في ملامحها، عيونها كانت هادية هدوء مخيف، هدوء اللي مات ومبقاش فارق معاه حاجة.
نزلت عينيها لإيدي اللي على كتفها، وقالت بصوت واطي ومبحوح، لكنه نزل عليا زي الصاعقة:
— متلمسنيش.
شلت إيدي بسرعة كأني اتلسعت بنار:
— حقك عليا.. والله حقك على راسي، أنا عارف إني غلطت وغلطي ميتغفرش، بس والله العظيم فديتك بعمري، اطلبي أي حاجة، قوليلي اعمل إيه عشان تسامحيني وترجعي بنتي حبيبتي بتاعة زمان؟ هعمل أي حاجة ترضيكي!
ابتسمت ابتسامة باهتة ومكسورة، وهزت راسها بنفي يوجع القلب:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى