
مسكت الورقة في إيدي وأنا حاسس إن السقف بيقع على دماغي. بصيت لأمي وإخواتي اللي قاعدين زي الا في الصالة، شفت في عيونهم نظرة انكسار ورعب خلوني لأول مرة أحس بحجم القرف والندل اللي عملته. أمي اللي كنت مأمل إنها “تزهّق مراتك”، بقيت هي اللي مقهورة ومكسورة ومفلسة، والبيت اللي كنت فاكر إني هبقى فيه “السي السيد” وأفرض سيطرتي، بقيت فيه مجرد كومبارس أتعصر لحد ما أفلست!
ما نمتش ليلتها.. فضلت طول الليل أتقلب على السرير وأنا سامع صوت نفسي ورجفة قلبي. الفجر أذن، قمت لبست هدمي وأنا مش قادر أبص في مراية الشقة.. ولا قادر أبص في عين مراتك اللي كانت نايمة جوة بكل ثبات وهدوء يقتل. طلعت من البيت وهدومي شكلها مبهدل وعيوني زاغية. ركبت المواصلات وأنا بستلف حق التكت من صاحبي في الشغل بكسرة نفس عمر ما راجل يتمناها لنفسه.
وصلت بيت خطيبتي الجديدة.. أبوها فتحلي الباب، وبصلي باستغراب من منظري:— “خير يا معلم؟ مالك جاي في النجمة وكأنك هربان من طار؟”بلعت ريقي بالعافية، وحاولت أجمع أي كذبة صايعة، بس لساني اتلجلج، واللقمة والكرامة كانوا خلاص ممسوحين:— “يا حاج.. أنا جاي أستأذنك أخد الشبكة الدهب والألماظ كام يوم بس..
أصل في حتة أرض معروضة عليا لقطة ومحتاج السيولة دي للتعرية والعربون، وأول ما البيعة تخلص هرد الدهب وزيادة عليه طقم تاني لبنتك.”أبوها بصل بحدية ونظرة شك، وخطيبتي طلعت من جوة ومسكت الشبكة وهي بتعيط ومش راضية تسيبها:— “يعني إيه يا معلم؟ الشبكة دي حقي! أنت بتاخدها مني بعد ما أعلنا وقرينا الفاتحة؟”كنت واقف قدامهم زي العيل الصغير، باصص في الأرض ومش قادر أرفع عيني.
. بين إني أصر على موقفي وآخد الشبكة بالذوق أو العافية، وبين إن مراتك تنفذ تهديدها وتيجي لحد البيت هنا تحني وتعرفهم إني شحات، ولا حيلتي شقة تمليك ولا معيا مليم أستر بيه بنتم!أخدت الشبكة والدهب بقلة قيمة، وسط نظرات قرف من أبوها، ودموع خطيبتي اللي حسيت إنها كانت بداية النهاية للفيلم الهابط اللي عشت فيه. سحبت نفسي ورجعت البيت.
. المشوار كله كنت حاسس إن الناس في الشارع شايفين خيبتي. فتحت باب الشقة بالمفتاح.. البيت كان هادي، أمي وإخواتي لموا هدومهم ومشوا من بدري بعد ما ذاقوا المر، والشقة فضيت عليا وعليها. كانت قاعد على سفرة المطبخ، بتشرب القهوة ومستنية. مشيت بخطوات تقيلة، وحطيت علبة الدهب والألماظ على الترابيزة قدامها.— “أدي الشبكة.. الدهب والألماظ كله أهو.. والخطوبة اتفضت خلاص.”رفعت رأسها بالراحة، وبصت للعلبة، وبعدين بصتلي فوق وتحت ببرود يح.
ما اتنططتش ولا فرحت، بالعكس.. نظرتها كانت نظرة القاضي اللي حكم بالنفاذ. سحبت العلبة، فتحتها وأتأكدت إن كل قطعة موجودة، وقفت وقالتلي بصوت واطي ومفهوم:— “كده الحساب الأولاني اتقفل يا معلم.. الفلوس والدهب رجعوا مكانهم. لكن عشان تصليح اللي اتكسر جوة البيت ده؟ قدامك مشوار طويل أوي.. وأول خطوة فيه إنك تنسى فكرة الورث دي تماماً، وتبدأ تشتغل وتعرف يعني إيه راجل بيصرف على بيته بحلاله، مش بالنذالة والخسة!
“سابتني واقف مسمار في المطبخ، ودخلت أوتها، وأنا بقيت واقف في بيت فاضي، مفلس، ومكسور العين.. وعرفت إن اللي يلعب مع ست أذكى منه، لازم يدفع الثمن غالي ومن كرامه قبل جيبه!عدت الأيام، والشقة بقت زي قبر مقفول عليا.. الهدوء اللي فيها كان أشد وأقسى من كل الدوشة والمواليد اللي عملتها أمي وإخواتي.
بقيت أدخل البيت زي الغريب، أمشي على أطراف صوابعي، خايف أعمل أي صوت أو أفتح بوقي بكلمة. هي ما كانتش بتتخانق، ولا بترفع صوتها، ولا حتى بتكشر في وشي.. كانت بتعاملني ببرود أبرد من التلج، تجيب الأكل وتحطه قدامي بسكوت، وتنضف البيت بسكوت، ولما أطلب حاجة ترد على قد الكلمة بالضبط، ومن غير ما عيونها تتقابل مع عيوني.
الكسرة اللي حسيتها قدام أبو خطيبتي القديمة والدهب اللي أخدته بقلة قيمة كانت لسه بتأكل في قلبي، بس القهرة الأكبر كانت إني حاسس إني صغرت قدام نفسي.. بقيت حاسس إني عيل ملوش كلمة ولا قيمة في بيته. في يوم، قعدت على الكنبة في الصالة بعد ما رجعت من الشغل مهدود، وكانت هي طالعة من المطبخ ومقاطعة السكة.
ناديت عليها بصوت واطي ومكسور:— “يا بنت الحلال.. لحد إمتى هنفضل عايشين كدا؟ أنا أهو سمعت الكلام، ورجعت الدهب والشبكة، ونهيت موضوع الجوازة التانية خالص، وأمي وإخواتي مشيوا وما بقاش حد يدخل بيتك.. مش كفاية بقى العقاب ده؟”وقفت مكانها، وبصتلي بنظرة طويلة، خالية تماماً من أي مشاعر.. لا فيها غضب، ولا فيها حزن، ولا حتى شفقة.
قربت خطوات هادية، وقفت قدامي وهي ساندة إيدها على سفرة الصالة، وقالت بنبرة حاسمة:— “عقاب؟ أنت فاكر إن اللي بيحصل ده عقاب يا معلم؟ لأ أنت فاهم غلط.. أنا مش بعاقبك، أنا بس بقيت بتعامل معاك على قد حجمك الجديد عندي. أنت كنت فاكر إنك لما تسلّط عليا أهلك، وتخنقني في بيتي، وتستغفلني عشان تاخد ورثي تجوز بيه واحدة تانية.
. إن كلمة (حقك عليا) أو رجوع الشبكة هيمحوا القرف ده في يوم وليلة؟”سكتت لحظة، ونظرتها كانت بتخترقني زي السكين:— “البيت ده أنا اللي شيلته يوم ما أنت كنت بتفكر إزاي تكسرني.. والفلوس اللي أنت حطيتها في الشبكة والهدايا، لو كنت استثمرتها في بيتك وعيالك كان زمانك في مكان تاني. بس أنت اخترت الخسة، والست لما تجرحها في كرامتها وتستغفلها، بت جواها حاجة اسمها ثقة.
. والثقة دي لو أتعجنت بمليون جني مش بترجع.”سحبت كرسي وقعدت قدامي، وحطت إيدها على الترابيزة:— “عايز العيشة ترجع؟ يبقى تبدأ من السفر.. تصرف على البيت من عرقك، وتقفل سيرة ورثي دي للأبد، ولا تحلم بقرش منه لو تموت.. وتعرف إنك لو فكرت مجرد تفكير تلعب من ورايا تاني، المرة الجاية مش هتبقى شبكة ولا عزومات.. المرة الجاية هتبقى ورقة طلاقك بيدك، وحق عيالك هتاخده بالقانون والقدم، وساعتها هسيبك للهوا.
“بلعت ريقي وأنا حاسس إن كل كبريائي اتبخر.. بصيت للأرض، وما لقيتش عندي رد واحد أدافع بيه عن نفسي.— “حاضر.. اللي تشوفيه يا بنت الحلال.”سابتني وقامت، ودخلت الأوضة وقَفَلت الباب. قعدت لوحدي في الضلمة، بصيت لحيطان الشقة اللي كنت عايز أطفش منها، وللأيام اللي ضاعت في العناد والخطة الغبية.
. وعرفت إن الراجل لما بيخسر كرامته ونخوته عشان قرشين أو نزوة، بيفضل طول عمره يدفع الفاتورة، وممكن يعيش تحت سقف واحد مع ست.. بس يعيش في نظرها مجرد خيال مَآتة!مرت الأيام والأسابيع، وأنا عايش في البيت زي “ضيف تقيل” مالوش أي كلمة. أروح الشغل الصبح وارجع بالليل، أدخل ألاقي الأكل محطوط بانتظام، والبيت متستف، ونضيف.



