روايات وقصص

لما حماتي عرفت إني اتنقلت إلى الصعيد ج 1

بقلم رشا

“إنتِ قلتي إيه؟! “. أحمد ونادية الاتنين اتجمدوا مكانهم. ملامحهم كانت مليانة صدمة وعدم تصديق. يمكن كانوا متوقعين إني أعيط. يمكن كانوا متوقعين إني أترجاهم. أو أوعدهم إني مش هروح الصعيد. أو أقول لهم إني هفضل طول عمري جنبهم وأهتم بيهم.

لكنهم ما توقعوش إني أوافق على الطلاق فورًا. كررت كلامي، بنفس الهدوء، لكن بنبرة واضحة جدًا: “قلت إني موافقة على الطلاق. خمس سنين كاملة وأنا كنت زي لعبة بتلف من غير توقف، بين ضغط الشغل وضغط البيت.

كنت فاكرة إن لو عملت كل حاجة صح، البيت هيهدى، والجواز هيستقر.
كنت بشيل الجزء الأكبر من مسؤوليات البيت.
وكنت بحاول بكل حرص أحافظ على شكل العلاقة الهادية قدام حماتي.
وكنت كل يوم بدور على نقطة توازن هشة بين حياتي المهنية وح حياتي الزوجية.
لكنني كنت غلطانة.
تنازلاتي ما خلتش البيت أهدى.
تنازلاتي خلتهم يتمادوا أكتر.
سكوتي واستسلامي خلّاهم يفتكروا إني ضعيفة وسهل السيطرة عليّ.
نادية كانت فاكرة إنها من حقها تحدد مصير حياتي.
وأحمد كان مستمتع بالراحة اللي بيحصل عليها بسبب كل التنازلات اللي بعملها.
قرار النقل كان زي شعاع نور قوي جدًا دخل فجأة على زواج كنت طول الوقت بخدع نفسي بخصوصه.
كشف لي الحقيقة.
كشف لي إن أحمد ما كانش بيحب مريم الحقيقية.
هو كان بيحب صورة الزوجة المطيعة اللي بتخليه يعيش مرتاح، من غير ما يضطر يواجه أمه، ومن غير ما يدخل في أي صدام.
أما أنا، مريم، فكنت إنسانة مستقلة.
عندي شغل.
وعندي طموحات.
وعندي أهداف خاصة بيا.
ومن الأساس، إحنا كنا مختلفين في جذور شخصياتنا”.

قال أحمد أخيرًا: “مريم، بلاش تقولي كده وإنتِ متعصبة”. وشه كان فاقد لونه تقريبًا. مد إيده علشان يمسك إيدي، لكنني تحركت بعيد عنه. وقلت: “أنا مش بقول الكلام ده وأنا متعصبة. أنا هادية جدًا”.

دخلت غرفة المكتب. فتحت درج المكتب، وطلعت ورقة وقلم. وقلت وأنا ببدأ أكتب: “بالنسبة للممتلكات، مفيش حاجة بينا تستاهل التقسيم. الشقة دي تبع جهة عملك، والعربية كانت ملكك قبل الجواز. فلوس التوفير والمبالغ الخاصة بالسكن اللي أنا جمعتها، هتعامل معاها بنفسي. وإحنا معندناش أطفال، فالموضوع بسيط”.

كنت بتكلم وأنا بكتب بنود اتفاق الطلاق بسرعة. هدوئي وحسمي خلو أحمد يدخل في حالة هلع حقيقية. قال وهو مرتبك: “لا… مريم، مش كده… أنا ما كانش قصدي كده”. وبدأ يشرح بطريقة متخبطة: “أنا كنت بس عايزنا نتكلم ونفكر سوا…”.

وقفت عن الكتابة، ورفعت عيني له. وقلت: “مش نتيجة الكلام بينا كانت هتبقى إيه؟ مش إن أنا اللي أتنازل؟”. فضل ساكت. فكملت: “أحمد، اسأل نفسك بصدق. خمس سنين، كل مرة كانت بتحصل مشكلة بيني وبين أمك، الكلام اللي كنت بتسميه مناقشة كان بينتهي بإيه؟”. بصيت له مباشرة وقلت: “مش كل مرة كنت أنا اللي بتنازل في الآخر؟”. وسكت لحظة، ثم تابعت: “من أصغر حاجة، زي هنأكل إيه على الغدا، لأكبر حاجة، زي هنقضي العيد عند مين… في مرة واحدة بس حصلت مشكلة وما كنتش أنا اللي اتنازلت؟”.

فتح بقه، لكنه ما قدرش يرد. لأن كل كلمة قلتها كانت حقيقة.

حتى نادية نفسها ما كانتش متوقعة إني أكون حاسمة بالشكل ده. هي أصلًا كانت عملت كل ده علشان تضغط عليّ وأتراجع. لكنها لما لقتني وافقت فورًا، كل حساباتها اتلخبطت.

بدأت عينيها تتحرك في المكان، وكأنها بتحاول تلاقي طريقة تانية تسيطر بيها على الموقف. وفعلًا، لقت طريقة. لفت لأحمد، وبدأت تعيط من جديد وهي بتقول: “يا ابني، إنت شايف؟! شايف مراتك بتعمل إيه؟! هي أصلًا كانت عايزة تسيبنا من زمان!”.

وبدأت تضغط عليه أكتر: “دي مهندسة كبيرة، وموظفة مهمة، وموهبة البلد محتاجاها! البيت الصغير ده عمره ما كان هيكفيها!”. وبعدين قالت وهي بتشهق من العياط: “هي بس استغلت حكاية النقل للصعيد كحجة علشان ترميك إنت وأمك وتخلص مننا!”.

كنت سمعت النوع ده من الاتهامات لحد ما بقيت ما بحسش بيها. ما اهتمتش بكلامها. خلصت كتابة الاتفاق. وقدمت الورقة لأحمد وقلت: “اقرأها. لو مفيش أي مشكلة، وقّع. الساعة تسعة الصبح بكرة، هقابلك قدام مصلحة الأحوال المدنية”.

مسك أحمد الورقة. إيده كانت بتترعش بشكل واضح. رفع عينيه لي. كان في عينيه توسّل وحيرة، ومعاهم حاجة شبه الغضب، كأنه هو اللي اتظلم واتخدع. وقال: “مريم، لمجرد شغل؟! لمجرد شغل إنتِ عايزة تهدي بيتنا بإيدك؟! هو قلبك معمول من إيه؟! “.

بصيت له في عينه مباشرة. وقلت كلمة كلمة: “اللي هدم بيتنا مش شغلي”. وسكت لحظة. ثم أكملت: “اللي هدم بيتنا هو ضعفك قدام أمك، ورغبتها اللي ملهاش حدود في السيطرة على حياتنا”. وبعدها ما استنيتش رده. لفيت ودخلت غرفة النوم. قفلت الباب ورايا.

ومن الناحية التانية للباب، سمعت صوت نادية وهي بتصرخ وتتأثر بشكل أعنف. وسمعت صوت أحمد وهو بيحاول يهديها بصوت ضعيف ومهزوز. سندت ضهري على الباب. وأخدت نفس طويل جدًا.

لأول مرة، ما كانش جوايا الوجع اللي كنت متخيلة إني هحسه. ولا كان فيه حنين. ولا رغبة في الرجوع. كان فيه إحساس واحد بس… الراحة. راحة شخص أخيرًا اتحرر من حاجة كانت بتخنقه من سنين. يمكن الجواز ده كان المفروض ينتهي من زمان.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى