
وقفت فريدة مكانها في نص السوق، الشنط البلاستيك المليانة طماطم وبطاطس كانت نازلة تقطع صوابعها، ووشها شايل هموم الدنيا. بصت لنا من فوق لتحت وهي مش مصدقة الشياكة والراحة اللي كنا فيها؛ أنا كنت لابسة عباية استقبال خفيفة ونظيفة، ونسرين لابسة دريس صيفي ألوانه تفتح النفس، وشنا رايق ومفيهوش نقطة عرق واحدة، وشايلين في إيدينا أكياس فيها تسالي وأسماك جافة وهدايا جايبينها للبيت في القاهرة.
-
فرحي بعد شهر ج 2منذ 4 ساعات
-
فرحي بعد شهر ج 1منذ 5 ساعات
-
سلفتي ج 3منذ 5 ساعات
-
سلفتي ج 1منذ 5 ساعات
فريدة سابت الشنط من إيدها على الأرض بتعب، ومسحت جبهتها بظهر إيدها وهي بتتنفس بصعوبة:
— “إيه ده؟ هدى؟ نسرين؟! انتوا لسه هنا في العجمي؟!”
هدى (ابتسمت بهدوء ورزانه وقربت منها خطوة):
— “أه يا فريدة، الحمد لله.. أسبوعنا خلص النهاردة ومروحين بكرة الصبح إن شاء الله. أنتِ مالك يا أختي طالعة عينك كده ليه؟ والشنط دي كلها شايلها لوحدك فين بقية الحريم والشباب؟”
فريدة بصت للشنط بصلافة وبقت عاوزة تعيط من كثرة القهرة والغل اللي جواها، وقالت بصوت مكسور ومحششر:
— “حريم مين وشباب مين يا هدى! سحر أختي خدت عيالها ونزلت البحر من الساعة 10 الصبح وسابوا لي البيت يكركب، وأمي قاعدة جوة ضهرها وجعها وبتقولي اعمليلي شوربة خضار، وأخويا قاعد في الصالة مأنتخ ومستني الأكل ينزل على الجاهز! بقالي ثلاث أيام ما شفتش المية ولا شفت البحر بسببتهم.. المطبخ مبيفضاش من المواعين، والهدوم المبلولة ريحتها طلعت والغسالة عطلت من كثرة المجهود!”
نسرين بصت لي وسكتت، بس عينيا كانت بتقول لها: “أهو ده العدل بتاع ربنا.. اللي حب يستغلنا اتدبس هو في الخدمة.”
هدى (رديت عليها بثبات وبدون الشماتة بس بدرس قاسي):
— “طب وليه يا فريدة؟ ما كنتِ خليتيهم يدخلوا المطبخ يطبخوا لنفسهم ويغسلوا كومات الهدوم بتاعتهم.. ولا هما جايين يرفعوا عن نفسهم وأنتِ اللي شغالة عندهم؟ مش أنتِ اللي قولتي لي امبارح اللي يقعد في الشقة يمشي بقوانينها؟ أهي دي قوانين شقتك بقى!”
فريدة وشها أحمر من الخجل، وأخدت نفس طويل وقالت بتوسل غير مباشر:
— “أنا ظهري اتكسر يا هدى.. والله اتكسر. الشقة بقت عاملة زي المولد، رملة في كل حتة ونكد وخناقات على الأكل. أختي سحر زعلت مني عشان قولت لها خدي العيال واغسلي لهم، وقالت لي أنتِ عزمانا ولا ذالانا؟ وطلعت هي وعيالها ودبت الخناقة في الشقة. أنا كنت فاكراكي لما تمشي هتعرفي قيمتي، طلعت أنا اللي دبست نفسي تدبيسة سوداء!”
هدى:
— “أنا أعرف قيمة نفسي وقيمة مرات ابني يا فريدة. تامر ابني رباهم على العز والشهامة، ولما اتصلت بيه ما ترددش لحظة إنه يحفظ كرامتنا. أنتِ اللي فاكرة إن الناس لما تجيلك تبقى خدامين عندك، وعزمتي العيلة كلها على حساب صحتك عشان تباني الكريمة، وفي الآخر بقيتي أنتِ اللي بتدفعي التمن.”
فريدة قربت مني وقالت بصوت واطي وهادي:
— “طب يا هدى.. ما تيجوا تقضوا معايا ليلة النهاردة؟ نسرين شاطرة في الترتيب والمطبخ، تلم معايا الشقة دي شوية ونعمل أكلة سمك مع بعض ونقعد ندردش بدل ما أنتِ دافعة إيجار على الفاضي.”
هنا نسرين مقدرتش تمسك نفسها، وابتسمت بتعجب من استغلال فريدة اللي مابينتهيش حتى وهي في قمة ضعفها!
نسرين (ردت بذكاء وأدب يقطع القول):
— “معلش يا طنط فريدة، الشقة عندنا متأجرة ومفروشة وجاهزة، والتكييفات شغال فيها من الصبح، واحنا خلاص جهزنا شنطنا وبكرة الصبح التاكسي هييجي ياخدنا على المحطة على طول. ربنا يقويكي ويعينك على أهلك وعزمتك.”
فريدة بصت لنسرين بصدمة، مكنتش متوقعة إن نسرين الطيب الهادية اللي كانت بتسكت على إهانتها امبارح تتكلم بقوة وثقة كده.
هدى:
— “يلا يا فريدة سلام، عشان التاكسي مستنينا تحت يرجعنا الشقة النظيفة يرتاح جسمنا قبل السفر.”
سبناها واقفة في نص الشارع شايلة شنط الخضار الثقيلة، بتنهد وبتبص لنا حسرة وندم. ركبنا التاكسي، ونسرين مسكت إيدي وقالت لي:
— “تعرفي يا طنط.. أنا اتعلمت منك درس عمري النهاردة. اتعلمت إن الطيب مش لازم يكون هبيط ولا يسيب حقه، وإن الكرامة أهم من أي مصيف وأي خروجة.”
— “صح يا بنتي.. تامر راجل ونعم الرجال، بس لو كنا سكتنا وبلعنا الإهانة في أول يوم، كانوا هيعودونا نكون خدامين طول العمر. العز مش بالفلوس، العز بأنك تعرفي قيمة نفسك وتوقفي أي حد عند حده.”
رجعنا شقتنا النظيفة الهادية اللي بتطل على البحر مباشرة. فتحنا التكييف، دخلنا استحمينا بمية دافية ونظيفة، وقعدنا في البلكونة ناكل آيس كريم وشيكولاتة، وبنتفرج على غروب الشمس لآخر مرة في العجمي.
الليل جه، وطلبنا عشاء فاخر من مطعم مشويات قبال البرج. قعدنا أكلنا بضحك وفرفشة، واتصلنا بتامر فيديو كول.
تامر أول ما فتح الكاميرا وشافنا قاعدين مبسوطين وفي مكان فخم ونظيف، وشها نور وابتسم من قلبه:
— “إيه الحلاوة دي يا أمي! إيه الروقان ده يا نسرين! يارب تكون المانجة والبحر عجبوكم؟”
هدى:
— “ربنا يخليك لينا يا تامر يا حبيبي، والله المصيف كانرد الروح، والشقة زي الفل، وكل جولة عملناها كانت على حسك ودعواتنا لك.”
نسرين (بابتسامة ورضا):
— “شكراً يا تامر.. ربنا يبعد عنك كل شر ويرزقك من حيث لا تحتسب، أنت كبرت بيا وبطنط وما خلتش حد يكسر بخاطرنا.”
تامر:
— “أنتوا عيني اللي ببص بيها، وأي حد يفكر يقل منكم، يبعد عن حياتنا فوراً. هدى يا أمي.. بكرة الصبح السائق اللي أجرته هيستناكم تحت البرج الساعة 9 بالدقيقة، عشان يرجعكم القاهرة في عربية مكيفة ومريحة، ولا تركبوا ميكروباصات عطلانة ولا تفكروا في الحر تاني!”
دموع الفرحة نزلت من عيني.. الفرق بين المعاملة اللي امتهنتنا فيها فريدة وبين الشهامة والرجولة بتاعة ابني، كانت زي الفرق بين السما والأرض.
ثاني يوم الصبح، الساعة 8:30، صحينا براحتنا على ريحة البحر والهواء العليل. شربنا القهوة في البلكونة، ولمينا شنطنا بالراحة. صاحب البرج “الحاج جابر” طلع لغاية الشقة، ودعنا بكل احترام وقالنا: “نورتونا يا هدى هانم، والشقة شرفت بيكم، وأي وقت تعوزوا تيجوا العجمي، الشقة دي بتاعتكم بالخصم اللي تتمنوه.”
نزلنا، لقينا العربية الملاكي النظيفة المكيفة مستنيانا تحت البرج. السائق نزل وأخذ مننا الشنط ورتبها في الشنطة وفتح لنا الأبواب بكل أدب.
ركبنا العربية، وتحركت بينا على طريق إسكندرية – القاهرة الصحراوي. وفي نص الطريق، ورقم فريدة يرن تاني على تلفوني!
فتحت الخط وسمعت صوتها، المرة دي الصوت كان منهار بالبكاء والصرخ:
— “أيوة يا هدى.. أنتِ فين؟! الحقيني يا هدى!”
هدى (باندهاش وبرود):
— “في إيه يا فريدة؟ خير مالك بتعيطي ليه؟”
فريدة (بصوت متقطع من البكاء):


