
تغير كل شيء في البيت بعد رفع قضية الطلاق للضرر. خيم على الأرجاء جو من التوتر والترقب، ولم تعد الضحكات العالية تصدر من صالتنا كما كانت من قبل. كانت “نادية”، الضرة الجديدة، قد فرضت سيطرتها الكاملة؛ لم تعد تكتفي برفض الخدمة، بل أصبحت تتصرف بصفتها سيّدة البيت الجديدة والوحيدة، مستغلة وجود طفلها الذي طالما انتظرته حماتي.
-
جوزي مسافر ج 2منذ 4 دقائق
-
اول حاجة عملها جوزي 2منذ 55 دقيقة
-
اول حاجة عملها جوزيمنذ 55 دقيقة
-
بقلم زهره الربيعمنذ ساعتين
أما أحمد، فقد أصبح يتردد يومياً على المحامين والأقارب، يحاول إيجاد مخرج يحفظ له هيبته أمام الناس. كان كبرياؤه يمنعه من الاستسلام لطلبات شيماء، لكن الخوف من فضيحة الشهادات والقضايا كان يأكل قلبه.
وفي يوم الجلسة الأولى بالمحكمة، كان الموقف مهيباً وشديد القسوة على الجميع. حضرت حماتي مع أحمد لتسانده، وذهبتُ أنا وأخت زوجي بدافع الفضول والخوف مما قد يحدث. هناك، في ساحة المحكمة المزدحمة، رأينا شيماء.
لم تكن شيماء التي عرفناها. كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة ونظيفة، تقف بجوار أخيها “محمود” الذي كان يحيطها بذراعه بحماية واضحة. لم يكن على وجهها أي أثر للخوف أو الانكسار؛ كانت ملامحها هادئة، ونظراتها مستقيمة، وكأنها تخلصت من ثقل سنين الظلم بمجرد خروجها من باب بيت العيلة.
عندما وقعت عين حماتي عليها، حاولت الاندفاع نحوها وهي تصيح ناهرة: “يا بت أنتِ، فاكرة نفسك هتلعبي معانا في المحاكم؟ أنتِ نسيتي أصلك ولا إيه؟”
لكن أخاها محمود وقف حائلاً بينهما بصلابة، وقال بصوت حاسم أسمع الحاضرين: “الزمي حدودك يا حاجة! أختي خلاص بقت في حمايتي، والكلمة هنا للقضاء والقانون. اللي عملتوه فيها أربع سنين هتدفعوا تمنه بالقانون والشرع.”
دخل الجميع إلى قاعة المحكمة. وقف المحامي الخاص بشيماء يستعرض الأدلة وشهد الشاهدين؛ حيث حضرت الست “أم أمل” الجارة القديمة، وأدلت بشهادتها أمام القاضي بثبات، حكية عن الإهانات المستمرة، وعن طرد أكل شيماء في الزبالة علناً، وعن الصوت العالي والتريقة التي كانت تصل لإذني الجيران كل يوم.
حاول محامي أحمد الإنكار والتطاول، واصفاً الادعاءات بأحقد النساء ومشاكل الحموات العادية، لكن القاضي استمع بتمعن ونظر إلى شيماء وسألها مباشرة: “هل تطلبي الطلاق مع التنازل، أم تتمسكي بالضرر واسترداد كافة حقوقك؟”
وقفت شيماء أمام القاضي، وبلعت ريقها، ثم قالت بصوت واضح هز جنبات القاعة: “أنا يا سيادة القاضي ما ظلمتش حد، ولا اعتديت على حد. أنا دخلت البيت ده يتيمة، وأخلصت لهم وخدمتهم بعيني، بس هم استضعفوني عشان ماليش سند. أنا متمسكة بحقي كاملاً، مش عشان الفلوس، لكن عشان يعلموا إن اليتيم له رب يسند ويجيب له حقه لما البشر يظلموه.”
تأجلت النطق بالحكم للجلسة القادمة، لكن الجلسة كانت بمثابة ضربة قاضية لأحمد وحماتي. خرج أحمد من القاعة ووجهه شاحب كالموتى، بينما كانت حماتي تمتم بكلمات غير مفهومة من شدة الغيظ والذهول.
عند عودتنا إلى البيت، كانت تنتظرنا مفاجأة أخرى. كانت نادية قد استغلت غياب الجميع ونزلت إلى شقة شيماء مغلقة الأبواب، وحاولت فتحها بالقوة لضم بعض قطع الأثاث إلى شقتها، بحجة أن شيماء لن تعود وأن ابنها أولى بتلك الأغراض.
عندما علم أحمد بما فعلته نادية، اشتعلت بينهما مشادة كلامية حادة في منتصف الصالة. صرخ أحمد في وجهها: “انتِ اتجننتِ؟ القضايا شغالين علينا وأنتِ رايحة تفتحي الشقة وتعملي لنا مصيبة جديدة؟”
ردت نادية بصوت أعلى وأكثر قسوة: “أنا أعمل اللي أنا عايزاه! أنت فاكرني زي العبيطة اللي كانت هنا؟ لو مش عاجبك طلقني ووريني هتعمل إيه مع ابنك!”
وقفت حماتي تتفرج على الموقف وعيناها ممتلئتان بالندم والكسرة. لقد استبدلوا شيماء التي كانت تحمل الأذى بابتسامة وتطهو أشهى الطعام، بامرأة لا تراعي كبيراً ولا صغيراً وتستغل نقطة ضعفهم الوحيدة.
مرت الأيام ثقيلة، وبدأت الخلافات تأكل بيت العيلة من الداخل. أنا وسلفتي الثانية بدأنا نبتعد عن حماتي وأخت زوجي، خوفاً من أن يصيبنا جزء من الإهانة أو المشاكل التي أصبحت تطوق البيت. البيت الذي كان يجمعه الكبر والظلم، أصبح الآن مقسماً، يكره كل فرد فيه الآخر.
وفي صباح يوم الأحد، وردنا الاتصال المفصلي؛ أعلنت المحكمة حكمها النهائي في قضية شيماء.
وقع الخبر كالصاعقة؛ حكمت المحكمة لشيماء بالطلاق للضرر، مع إلزام أحمد بتأدية كافة حقوقها المالية من مؤخر صداق، ونفقة متعة، وتمكينها من كافة منقولاتها الزوجية المسجلة في القائمة. لم يكن الحكم مجرد قرار قانوني، بل كان شهادة رسمية أُثبت فيها أمام الجميع أن بيت العيلة الكبير كان سجنًا للظلم والقهر، وأن تلك السيدة اليتيمة خرجت منه منتصرة بالقانون والشرع.
في اليوم التالي للحكم، وصلت قوة من الشرطة برفقة محضر المحكمة لتنفيذ حكم استلام المنقولات. تجمهر أهل الحارة الشعبي أمام الباب الكبير، يقفون في صمت يتخلله الهمس والتهكم. كانت الشاحنات الكبيرة تقف بالخارج بانتظار تحميل العفش.
نزلت شيماء مع أخيها محمود وبعض أقاربها. لم تتلفظ بكلمة واحدة مستفزة، ولم تظهر أي علامات الشماتة. كانت ترتدي ثوبها الأسود البسيط، وتقف بوقار تتابع عملية نقل أثاث شقتها. وعلى الجانب الآخر، كانت حماتي تقف على الدرج تتآكل من الداخل، وعيناها تفيضان بالغل العاجز، بينما اختبأ أحمد داخل شقة أمه يرفض الخروج ومواجهة أعين الناس التي كانت تلاحقه بنظرات الخزي.
عندما بدأ العمال بنقل غرفة النوم، خرجت نادية من شقتها وهي تحمل طفلها، وصيحت بصوت مستفز: “خذي عفشك القديم وشبعي بيه! البيت ده جاله الخير الحقيقي وما أظنش القش ده كان مالي عين حد!”
توقفت شيماء عن متابعة العمال، والتفتت إلى نادية بهدوء تام. النظر إلى نادية لم يكن فيه أي غضب، بل كانت نظرة شفقة عميقة، وقالت بنبرة هادئة أسمعت كل الواقفين: “الأثاث بيمشي ويجي غيره يا نادية.. بس الكرامة وراحة البال لو راحوا ما بيرجعوش. افتكري دايماً إن الدايرة بتدور، والظلم اللي بنيتي عليه فرحتك مش هيسيبك تعيشي مرتاحة.”
سكتت نادية ولم تجد كلمة واحدة ترد بها، بينما انسحبت حماتي إلى الداخل بخطوات واهية وكأنها كبرت عشر سنوات في لحظات.
بعد إتمام نقل كل المنقولات، وقفت شيماء عند باب الشارع الكبير، نفس الباب الذي دخلت منه قبل أربع سنوات بقلب خائف وفستان عروس بسيط. رفعت رأسها ونظرت إلى الشباك الذي طالما بكت خلفه وهي ترقب ضحكاتنا. أخذت نفسًا عميقًا مطولاً، وكأنها تطرد آخر ذرة من الهواء المسموم الذي تنفسته في هذا البيت، ثم استدارت ومشت بجوار أخيها دون أن تتلفت وراءها.



