منوعات

سلفتي ج 1

بقلم روماني مكرم

— “في إيه يا طنط؟ صوتك كان عالي.. هي طنط فريدة زعلت؟ أطلع أنا أعمل الفطار والله مش مهم.. التعب بيروح بس بلاش مشاكل عشان خاطري.”

مسكت إيدها بين إيديا الاثنين، ولقيت صوابعها الخشنة من كثرة المساحيق بتاعة امبارح وغسيل الرملة. قلبي وجعني عليها أكتر، وقيلت لها بنبرة حاسمة:

مقالات ذات صلة

— “اقعدي يا نسرين.. لمي الشنط يا بنتي. احنا مش قاعدين هنا دقيقة واحدة كمان.”

نسرين بصلت لي بذهول:

— “نلم الشنط ونرجع القاهرة في الحر ده؟”

— “نرجع إيه! ابنك “تامر” راجل وبن راجل. قالنا نصيف وننزل البحر ونرتاح على حسابه، وأجر لنا شقة أحسن من دي مية مرة. لمي حاجتك ولا تخلي فريدة ولا أهلها يشوفوا ظفرنا.”

في الأثناء دي، الباب اتفتح بقوة وجمهرت فريدة ومعاها أختها “سحر” بقميص النوم، وأمهم وهي بتتسوك، وأخوها واقف وراهم بملابس البحر.

فريدة (وهي بتحاول تلم الموضوع بعد ما سمعت كلام تامر بس بصلافة):

— “جرى إيه يا هدى؟ هو أنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ يعني عشان بتقولي لمرات ابنك ساعدينا في الفطار تروحي تشككي ابنك فينا وتعملي هيصة؟ هو احنا غرايب؟ ده بيت عيلتكم برضه!”

سحر (أخت فريدة بلواية بوز وغمزة لأختها):

— “سيبيهم يا فريدة، شكله الفلوس حرقاهم وعاوزين يصرفوا! فاكرين المصيف الفنادق.. بكره يروحوا يدوروا على شقق يلاقوا الأسعار ناطحة في السماء ويرجعوا يبوسوا إيدك عشان يقعدوا في المطبخ!”

هدى (وقفت قصادهم ورصيت الشنط بكل هدوء):

— “لا يا سحر، المصيف مش فنادق ولا حاجة، بس المصيف أصول ونظافة وإحساس. المصيف لما تعزمي حد بتستقبليه بلقمة نظيفة وبابتسامة، مش بتجيبيه يخدم على حماة أختك وعيال أخوكي ويغسل زفر البحر بتاعهم! الشقة دي أنتِ عزمتينا فيها يا فريدة، وجوزك لما يسافر الشقة مش بتتحول لورشة سخرة للناس. احنا مش خدامين عند حد، وتامر ابني ما يرضاش أمه ومراته يتهانوا.”

أم فريدة (دخلت بصوتها العالي):

— “جرى إيه يا حُرمة أنتِ؟ جاية تعملي علينا أستاذة في شقة بنتي؟ بتعلي صوتك في بيتنا؟ يلا من غير مطرود، الشارع يلمكم!”

نسرين كانت هتتكلم بكسوف، بس أنا مسكتها من دراعها وقلت لها: “ولا كلمة يا نسرين.. المعاملة مع اللي شبه دول خسارة.”

شيلنا شنطنا، وكانت فريدة متوقعة إننا هنترجاها أو نتردد، بس أنا مشيت وخطوتي جادة. أول ما فتحت باب الشقة ونزلنا على السلم، سمعت فريدة بتصعّق من فوق: “والله ما هتلاقوا شقة قريبة من البحر في بوابات العجمي بالسعر ده ولا بالخدمة دي، وهتردوا قفاكم يقمر عيش!”

رديت عليها وأنا بنزل السلم وراسي مرفوعة: “اللي معاه ربنا وراجل زي تامر، ما بياكلش عيش قمر من إيد حد!”

خرجنا للشارع الساعة 7 الصبح. الشمس كانت لسة بتشرق والأرض حرارتها بتبدأ تعلى، ونسمة البحر طالعة خفيفة. نسرين كانت بتنهد وبتبص لي بقلة حيلة:

— “هنروح فين دلوقتي يا طنط؟ الشوارع فاضية والدنيا زحمة في الصيف، والأسعار هنا نار في العجمي.”

— “تعالي بس يا نسرين.. تامر حول لي المبلغ على فودافون كاش، نروح لأقرب فرع أو كشك نفتح المحفظة ونسحب الفلوس، وبعدين ربنا الميسر.”

مشينا في الشارع الرئيسي لحد ما لقينا كشك كبير شغال. سحبت المبلغ اللي تامر بعته، وبصيت في المبلغ اتفاجئت! تامر كان بعت مبلغ محترم جداً يكفينا وزيادة لأسبوع كامل، وكاتب لي في رسالة: “يا أمي اتفسحوا، أجروا أحسن مكان، وكلوا من أحسن مطعم، ومتخليش نسرين تمسك معلقة ولا تمسح بلاطة واحدة. الفلوس دي عشان راحتكم.”

دموعي نزلت من الخشوع والحمد. ركبت أنا ونسرين تاكسي، وقلت للبلديات:

— “يا أسطى، ودسنا منطقة هادية ونظيفة على البحر مباشرة تكون شققها مفروشة سوبر لوكس.”

الريس التاكسي، راجل كبير وشكله ابن أصول، بصلنا في المراية وقال:

— “والله يا أختي العجمي والبيطاش زحمة وهيصة وعيال، لو عاوزين نظافة وروقان وبحر نضيف وشقق على العائلات، أوديكم البيطاش عند شارع شهر العسل أو نطلع على منطقة الهانوفيل في الشوارع المقفولة اللي على البحر، هناك فيه أبراج جديدة شققها فندقية.”

— “ودينا المكان النضيف يا أسطى، ربنا يبركلك.”

وصلنا عند برج حديث جداً يطل مباشرة على شاطئ “شهر العسل”. الشارع نضيف ومفيهوش الزيطة ولا الهيصة بتاعة شقة فريدة. نزلنا، ولقينا أمن وصاحب البرج، راجل محترم اسمه “الحاج جابر”.

طلبت منه شقة، فقالنا: “عندنا شقة في الدور السادس، أسانسير شغال 24 ساعة، تطل على البحر مباشرة، فيها تكييفات في كل الأوض ومطبخ أمريكاني متقفل ألوميتال وأجهزة حديثة كلها جديدة.”

طلعنا نشوف الشقة.. أول ما فتح الباب، الهواء البارد بتاع التكييف ضرب في وشنا، والشباك الكبير بتاع الصالة مفتوح على البحر، المية الزرقاء والموج بينور تحت شمس الصباح. الصالة فيها أنتريه مريح وأرضيات سيراميك بتلمع زي المراية، والحمام نضيف زي الفل بريحة المعطرات، والمطبخ فيه ثلاجة حديثة وبوتاجاز مسطح ومايكروويف.

نسرين بصت للشقة وعينيها وسعت من الفرحة:

— “يا الله يا طنط! دي أجمل بكتير من شقة طنط فريدة الزحمة المليانة رملة وبقسومات!”

صاحب الشقة قالنا: “الإيجار هينزل لكم عشان عائلة ومفيش شباب، واليوم بسعر معقول.” دفعت له إيجار 5 أيام مقدم، وأخذنا المفاتيح.

أول حاجة عملناها، دخلنا أخدنا دش مية باردة نزلنا بيه تعب السفر وتعب وقفة المطبخ بتاعة امبارح. طلعت نسرين وهي بتضحك ولابسة دريس صيفي خفيف، ولأول مرة من يومين أسمع ضحكتها من قلبها.

— “يلا يا نسرين.. مفيش طبيخ ولا تقشير بطاطس النهاردة! ننزل على الشارع نجيب فطار الملوك.”

نزلنا الشارع، دخلنا محل فول وطعمية ونظافة وفرن آلي، جبنا علب علب: فول بالزيت الحار، طعمية محشية كيري، فطير مشلتت سخن طالع من الفرن، وعسل ونحل وقشطة، وعصير قصب من المحل اللي جنبه.

طلعنا الشقة، قعدنا في البلكونة اللي على البحر، المفرش مفروش، الهواء بيرد الروح، وبدأنا ناكل بفتح شهية وتلذذ. نسرين كانت بتاكل وتقول:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى