روايات وقصص

بنتي وهي بتولد ج 2

جمد في عروقي وأنا بسمع صوته المكسور في السماعة، “تحت البيت؟!” بصيت على شباك الصالة الموارب، وقفت براحة من غير ما أعمل صوت، قربت من الستارة وزحتها بطرف صباعي، شفت نفس العربية السودة الكبيرة راكنة في الضلمة تحت شجرة الكافور القديمة اللي قصاد العمارة، النور الداخلي بتاع العربية كان منور، ومريم كانت قاعدة على كرسي السواق، باصة لفوق ناحية بلكونتي وعينيها مليانة لهفة وخوف.

قفلت التليفون في وشه من غير ما أنطق ولا كلمة زيادة، رجعت خطوتين لورا وأنا حاسة إن الهوا في الصالة بقى تقيل وخانق، بصيت لآدم، كان مندمج في التلوين، ماسك القلم الرصاص وبيظلل شمس طالعة بين جبلين، بريء لدرجة تقطع القلب، ميعرفش إن أبوه اللي قعد عشر سنين يدور على طيفه واقف على بعد أمتار منه، متداري في ضلمة الشارع. قربت من آدم، وطيت عليه وبوست راسه بحنية، سألني وهو عينه على الكراسة:— مين اللي كان بيكلمك يا تيتة؟ وشك أصفر أوي.

حاولت أبتسم وقولتله بصوت هادي قدر الإمكان:— دي واحدة صاحبتي قديمة يا حبيبي، محتاجة أساعدها في حاجة ضرورية، ادخل أوضتك كمل رسمك، وشغل التلفزيون شوية، أنا هنزل مشوار صغير عند مدخل العمارة ومش هتأخر عليكي، متفتحش الباب لأي مخلوق مهما خبط، فاهم؟بصلي باهتمام، وهز راسه بطاعة:— حاضر يا تيتة، مش هتأخر، صح؟ عشان عايزاكِ تشوفي الرسمة لما تخلص.

— مش هتأخر يا روح قلب تيتة. دخل آدم أوضته وقفل الباب وراه، أخدت نفس عميق، حطيت سلسلة سارة اللي فضلت محتفظة بريحتها في جيبي، ولبست طرحتي ونزلت على السلم خطوة خطوة، كل درجة كنت بنزلها كانت بتفكرني بيوم ما سارة نزلت وهي تعبانة وبتتألم وراحت المستشفى ومامشتش معايا بعدها، كنت حاسة إني نازلة أقابل شبح الماضي اللي هربت منه عشر سنين.

فتحت باب العمارة الحديد، البرد لسع وشي، أول ما طلعت على الرصيف، باب العربية السودة اتفتح، مريم نزلت بسرعة وجريت نحوي، كان باين عليها الإجهاد والتوتر، وقفت قدامي وعينيها بتترجاني:— شكراً إنك نزلتي… طارق هيموت من القلق جوه، صدقيني هو مظلوم زي بنتك بالظبط. شاورتلها بإيدي تسكت:— متتكلميش أنتي خالص يا مريم، أنتي وجوزك السبب في كل اللي حصل، سكوتك زمان كان شراكة في الجريمة، ابعدي عني دلوقتي. مريم بلعت ريقها ونزلت راسها، رجعت لورا وفتحت الباب الخلفي للعربية، قربت بخطوات بطيئة، ولما وقفت قصاد الباب المفتوح، شفت طارق.

الراجل اللي كان في خيالي صورة شاب متمرد وقوي، مكنش موجود، اللي كان قاعد قصادي راجل في أول التلاتينات، بس ملامحه تدي خمسين سنة، دقنه مهملة وشاحب، جسمه هزيل متغطي ببطانية تقيلة على رجليه، عينه كانت حمرا ووارمة من العياط، وأول ما اتقابلت عيني في عينه، كأني شفت نظرة سارة قبل ما تدخل أوضة العمليات، نفس الكسرة، نفس الرجاء.

طارق حاول يتحرك، مد إيديه الاتنين اللي كانوا بيترعشوا وسند بيهم على الكرسي كأنه بيحاول يقوم عشان يركع قدامي، بس رجليه خانته ووقع تاني في الكرسي وصدرت منه أنة وجع وذل:— متقفيش بعيد كده يا أمي… تعالي اضربيني، اشتميني، دوسي على رجلي العاجزة دي، بس متحرمنيش إني أشم ريحة سارة اللي سيباهالي في ابنها.

لساني اتعقد، مكنتش قادرة أصرخ فيه زي ما كنت ناوية، الغضب اللي كان جيمي اتبخر وحل محله ألم مميت، مديت إيدي جوه جيبي، وطلعت السلسلة الفضة، حطيتها في كفه المفتوح. طارق أول ما شاف الدلاية، شهق شهقة حسيت إنها هتخلع روحه من مكانه، قفل صوابعه عليها بقوة كأنه بيمسك آخر أمل في حياته، رفع السلسلة وباسها وحطها على صدره وهو بينهار تماماً:— كانت لسه محتفظة بيها؟

سارة كانت لسه فاكراني؟ أنا مسبتهاش بمزاجي والله العظيم ما سبتها! أبويا حبسني، وأنا كنت غبي وضعيف، لما خدت المفاتيح وجريت في المطر كنت رايح آخدها وأمشي، قلتلها في التليفون قبل الحادثة بنص ساعة ‘أنا جاي يا سارة، جهزي نفسك، مش هسيب ابننا يتربى من غيري’، بس العربية لفت بيا على الكوبري، صحيت لقيت نفسي متكتف في سراير المستشفيات، مش قادر حتى أحرك صباع رجلي!سألته بصوت متحشرج:— ولما فوقت؟ لما فوقت وعرفت إنها ماتت، ليه مجتليش؟ ليه سيبتني عشر سنين أشيل العيل ده لوحدي وأنا ست على باب الله وبجري بيه في المستشفيات؟

بصلي طارق ودموعه نازلة على شفايفه:— أبويا حلفلي بالمصحف إن سارة الولد في العملية، قالي إن العيل مات معاها! أبويا مات من ست شهور بس، وقبل ما يموت بيوم واحد، اعترفلي وهو على فراش إنه كدب عليا، وإنه دفع رشوة لواحد في المستشفى عشان يقنعني إن الطفل مات، وإنه كان بيبعت ناس يراقبوكي من بعيد ويتأكد إنكم مش هتقربوا مننا! أمي مكانتش تعرف حاجة غير بعد موت أبويا لما لقت ورق التحريات اللي كان عامله عليكم في خزنته!

التفتت لمريم بصدمة، مريم هزت راسها وهي بتعيط بحرقة:— جوزي كان طاغية يا أم سارة، كان مريض بالتحكم، أنا لما سارة سلمتني الجواب في المستشفى كنت فاكراها هتنجو، بعد ما ماتت، جوزي قالي لو فتحتي بوقك هرمي ابنك المشلول ده في أي مصحة ومش هتشوفيه تاني، عشت عشر سنين ميتة بالحيا بين راجل ظالم وابن مشلول بيتعذب!

طارق مسك طرف عبايتي برجاء، كأنه طفل متعلق بأمه:— أنا مش جاي أخد آدم منك، أنا أصلاً معنديش القدرة إني أكون أب كامل، أنا راجل عاجز، بس آدم ابني، حتة من سارة ومني، أنا كتبت كل الأملاك والفلوس اللي ورثتها عن أبويا باسم آدم وباسمك أنتي، كل اللي بتمناه… نظرة واحدة، يسمع صوتي، يعرف إني مكنتش ندل ومرميتوش، أنا بتعالج في ألمانيا بعد شهرين وعندي نسبة نجاح للعملية عشان أقدر أقف تاني على عكاز، نفسي أسافر وأنا عارف إنه عارفني.

بصيت لطارق، وبصيت لفوق لشباك شقة آدم، حسيت بتقل الدنيا كله فوق كتافي، الولد عاش عشر سنين ميعرفش غيري، متعلق بيا وفاكر إن أبوه مات أو غايب وميعرفش عنه حاجة، إزاي فجأة أدخله على راجل على كرسي متحرك وأقوله ده أبوك اللي كان غايب بسبب مؤامرة عائلية وسلسلة من الكدب والانتقام؟قلت لطارق بنبرة حاسمة وصوتي بيترج:— الفلوس والأملاك دي متلزمنيش، آدم اتربى على اللقمة الحلال اللي جبتها بعرق جبيني، بس مش هحرمه من حقه، ولا هحرمك من إنك تسمع منه كلمة بابا.

.. لكن مش بالطريقة دي، مش هرميه في صدمة تكسر نفسيته. طارق مسح دموعه وقال بلهفة:— اللي تؤمري بيه، أي حاجة أنتي شايفاها، بس متمنعنيش.— هتستنى هنا، مريم تركن العربية بعيد شوية، وتطلعوا معايا الشقة… آدم هيدخل يشوفكم كأصحاب سارة اللي كانوا مسافرين، هتقعد معاه، تتكلم معاه، تلمس إيده، بس من غير ما تقوله مين أنت… لحد ما أمهده بنفسي، لو اتكلمت بحرف واحد قبل ما أقولك، أقسم بالله هاخد حفيدي ومش هتشوفوا وشنا تاني.

طارق وافق فورا وهو بيحلف بإخلاص، مريم ساعدته وسندته على الكرسي المتحرك اللي طلعته من شنطة العربية، ركب طارق على الكرسي، وطلعنا في أسانسير العمارة في صمت رهيب مبيقطعهوش غير صوت تنفس طارق المتوتر والمكتوم. وقفنا قدام باب الشقة، قلبي كان بيدق زي الطبل، طلعت المفتاح وفتحت الباب ببطء، دخلت طارق بالكرسي ووراه مريم، أول ما قفلنا الباب، باب الأوضة اتفتح… وخرج آدم وهو ماسك الرسمة في إيده وفرحان:— تيتة! خلصت الرسمة وشوفي حطيت مين جنبنا…

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى