روايات وقصص

بنتي وهي بتولد ج 2

وقف آدم فجأة في نص الصالة، اتجمدت رجليه لما شاف الراجل الغريب اللي قاعد على الكرسي المتحرك وبيبصله بدموع بتلمع، ونظرة عين آدم فجأة اتحولت من الفرحة لحالة استغراب غريبة، بص لطارق، وبعدين بص للكرسي، وبعدين بصلي وسأل بصوت واطي ومرتعش:— تيتة… مين دول؟ وعمو ده بيبصلي كده ليه؟الهوا كأن اتسحب من الصالة فجأة، السكوت اللي خيّم على المكان كان تقيل لدرجة إن صوت عقارب الساعة القديمة المتعلقة عالحيطة كان بيضرب في دماغي زي المطرقة.

آدم كان واقف في مكانه، صوابعه الصغيرة ضاغطة على أطراف ورقة الرسمة لحد ما اتكرمشت شوية، عينيه كانت بتتحرك بسرعة وحيرة بيني وبين طارق وبين الست اللي شافها من ساعات عند قبر أمه. طارق أول ما شاف وش آدم قصاده بنور الصالة، عض على شفته التحتانية بكل قوته عشان يمنع شهقة كانت طالعة من صدره، شفت عروق رقبته بتبرز وإيديه الاتنين قابضين على عجل الكرسي المتحرك لحد ما مفاصل صوابعه ابيضّت، كان باصص لآدم كأنه مش مصدق إن حتة من روحه وروحة سارة واقفة قدامه بلحم ودم بعد سنين الضياع.

قربت من آدم خطوتين، حطيت إيدي الدافية على كتفه وضغطت عليه برقة عشان أهدّي رعشته اللي حسيت بيها:— تعالى يا حبيبي متخافش… دول، دول ضيوف جايين يسلموا علينا… مش أنا قولتلك من شوية إني بقابل ناس أصحاب؟ وطنط مريم أنتي شوفتها في المقابر، وعمو ده… يبقى طارق، صاحب قديم أوي لماما من أيام دراستها.

آدم مرفعش عينه من على طارق، قرب خطوة واحدة لقدام بحذر شديد، عينه البريئة نزلت على رجلين طارق المتغطية بالبطانية الخفيفة، وبعدين طلعت لعينين طارق اللي كان بيحاول يبتسم وسط الدموع المحبوسة، الولد بذكائه وفطرته حس بإن في حاجة مش طبيعية، الأطفال عندهم قدرة غريبة يشموا ريحة الوجع والمشاعر الصادقة. طارق بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع واطي ومبحوح جداً، مليان خوف إنه يكسر اللحظة:— أهلاً يا.

.. يا بطل. آدم رد بصوت هادي وخجول:— أهلاً بحضرتك… أنت تعبان يا عمو؟ عشان كده قاعد على الكرسي ده؟الكلمة قطعت قلب طارق، مسح طرف عينه بطرف صباعه بسرعة وهز راسه:— عملت حادثة زمان بالعربية… من سنين كتير أوي، بس الحمد لله… ربنا كريم. آدم فضل باصصله شوية، وفجأة بص للورقة اللي في إيده، ومشي كام خطوة لقدام، مريم كانت حاطة إيدها على قلبها وبتتنفس بالعافية، وطارق أنفاسه وقفت تماماً لما لقى الولد بيقرب منه لحد ما بقى واقف جنبه بالظبط، آدم مد الورقة لطارق وقال ببراءة أربكتنا كلنا:— تيتة قالتلي إنك كنت صاحب ماما.

.. ماما كان اسمها سارة، صح؟طارق أخد نفس مرتعش، مد إيده ببطء شديد، كأنه خايف يلمس الورقة فتطير زي الفراشة، ومسكها بطراف صوابعه:— صح… كان اسمها سارة… وكانت أطيب وأجمل إنسانة في الدنيا كلها.— طب شوف الرسمة دي… أنا كنت برسم فيها لما تيتة نزلت. طارق بص في الرسمة، وفجأة شهق شهقة مكتومة خلت كتفه كله يتهز، في الورقة، آدم كان راسم بيت صغير وشمس طالعة فوق جبل، وعلى جنب كان راسم تلات أشخاص ماسكين إيد بعض: ست عجوزة شعرها أبيض ولابسة نضارة ومكتوب فوقيها “تيتة”، وولد صغير بيلعب كورة ومكتوب “أنا”، وست شابة لابسة فستان أبيض وعندها جناحات ملاك ومكتوب فوقيها “ماما”.

.. لكن الغريب، واللي خلاني أنا نفسي أقف مصدومة، إنه كان راسم على الكنبة جنب البيت راجل قاعد وظله باهت ومكتوب فوقيه بخط مكسر: “بابا الغايب”.طارق حط كفه التاني على بؤه وبدأ يرتجف، الدموع نزلت من عينيه شلال على خده ومقدرش يمسكها أكتر من كده، عينه اتعلقت بكلمة “بابا الغايب”، حسيت بقلبه بينزف قدامي، رفع راسه وبص لآدم اللي كان باصصله باستغراب شديد وسأله:— أنت بتعيط ليه يا عمو؟

الرسمة وحشة؟طارق هز راسه بنفي سريع وهو بيشهق:— لا… والله العظيم أجمل حاجة شفتها في عمري كله… أجمل من الدنيا وما فيها… أنتي فنان يا آدم… فنان وشاطر أوي. آدم ابتسم بخجل، ومد صباعه الصغير ومسح دمعة كانت نازلة على خد طارق، الحركة دي بالذات خلت مريم تنهار في البكا وتلف وشها للحيطة عشان صوتها ميطلعش، وطارق غمض عينيه للحظة كأنه بيحفر لمسة صباع ابنه في ذاكرته وروحه.

— متعيطش يا عمو طارق… تيتة بتقولي لما نزعل نفتكر الحاجات الحلوة، ماما عند ربنا في مكان جميل أوي، وهي شيفانا دلوقتي وأكيد فرحانة إنك جيت تزورنا. طارق مسك كف آدم الصغير وباسه، باسه بلهفة وبطء كأنه بيعتذرله عن كل ليلة نام فيها وهو ملوش أب يحميه، وقال بصوت متقطع:— أنا آسف يا آدم… آسف إني اتأخرت عليك كل السنين دي… كان نفسي أكون هنا من بدري أوي. آدم قطب حواجبه شوية، وبصلي بحيرة:— اتأخرت عليا أنا؟ هو أنت كنت مسافر وجاي علشاني يا عمو؟

الجو اتكهرب، وطارق اتفاجئ بالكلام اللي طلع منه بالغلط، بصلي طارق بعينين كلها اعتذار وخوف إني أطرده أو أنفذ تهديدي، قربت منهم بهدوء، سحبت كرسي وقعدت قصاد طارق بالظبط، وبصيت لآدم اللي كان واقف بيننا محتار:— آدم يا حبيبي… فاكر لما كنت بتسألني كل سنة في عيد ميلادك عن عيلة ماما، وعن بابا؟الولد اتسمر مكانه، ونظرة عينيه اتغيرت في ثانية، عينه وسعت، ونبضات قلبه كأنها بقت مسموعة، بص لطارق تاني بتركيز أعمق، بص لملامح وشه، لشكل مناخيره، للرعشة اللي في إيديه:— أيوة.

.. فاكر… كنتي بتقوليلي إنه مسافر بعيد، وإنك متعرفيش مكانه. حطيت إيدي على إيد طارق اللي كانت ساندة على عجل الكرسي، وغمضت عيني لحظة عشان استجمع كل قوتي، سارة بنتي كان نفسها اليوم ده يجي، بس كان لازم يجي صح، قولت لآدم بصوت هادي وثابت:— طارق مكنش مجرد صاحب لماما يا آدم… طارق مكنش مسافر بمزاجه، طارق كان محبوس في ظروف صعبة وظلم كبير، واتحرم إنه يعرف مكانك… لكن هو عمره ما نسي، وعمره ما رماك.

آدم فضل باصص لطارق، لسانه تقل، والورقة وقعت من إيده على الأرض، طارق نزل لمستوى الولد على قد ما قدر، وطلع من جيبه السلسلة الفضة اللي فيها القلب المشروخ، حطها في كف آدم المفتوح:— دي كانت لمامتك… ويوم ما سابتني، كان قلبي مشروخ زي القلب ده… أنا أبوك يا آدم… أنا أبوك اللي عاجز يقوم يقف يحضنك، بس والله العظيم مكنتش أعرف إنك عايش، والله لو كنت أعرف لكنت زحفتلك على بطني من أول الدنيا لآخرها.

الصالة اتملت بسكون مرعب، آدم كان باصص للسلسلة في إيده، وباصص لوش طارق، شفاه كانت بتترعش، وعينيه اتملت دموع فجأة، بس رد فعله مكنش حضن ولا فرحة زي ما طارق كان متوقع… آدم رجع خطوتين لورا بسرعة، وشه اتملى غضب وكسرة طفل حاسس إنه اتخدع، وبصلي بعتاب وصراخ خرق صدري:— أنتي كدبتي عليا يا تيتة؟! قولتيلهم في المدرسة إني مليش أب عشان مات! قولتولي كلكم إني لوحدي! جاي دلوقتي ليه؟! بعد عشر سنين جاي تقولي أنا أبوك وأنت مشلول ومكنتش بتسأل عني؟

!آدم لف ضهره وجري على أوضته ورزع الباب وراه بكل قوته، وصوت نحيبه المكتوم ورا الباب كان بيقطع نياط القلب. طارق قعد يبص على الباب المقفول ودموعه بتنزل بصمت رهيب، كأنه انضرب بسكين في نص قلبه، ومريم ركعت جنبه تبكي، وفجأة… رن تليفون طارق في جيبه برنة عالية ومزعجة، مريم طلعت التليفون بلهفة من جيبه وبصت في الشاشة، وشها بهت فجأة واتحول للون الكفن، وهمست برعب وهي بتبص لطارق:— طارق.

.. ده المحامي بتاع عمك في سويسرا… المستشفى بتبلغ إن التحاليل اللي عملتها قبل ما نيجي هنا… طلعت نتيجتها، والعملية مش هينفع تتأجل يومين حتى… لازم تسافر الطيارة دي الفجر، يا إما

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى