
قلت له:
ـ أنا مش هحكم على كلامك النهارده، هحكم على أفعالك بعد كده.
مرت أسابيع، وبدأنا نتعامل مع موضوع الديون بشكل واضح، وكل واحد بقى عارف التزاماته، وأنا حافظت على شقتي، ومضيتش على أي ورقة قبل مراجعتها قانونيًا.
لكن علاقتنا ما رجعتش زي الأول بسهولة؛ لأن فيه جروح مش بتتقفل بمجرد الاعتذار، والثقة اللي بتتهد في سنين مش بترجع في يوم وليلة.
وفي يوم، كنت قاعدة مع ابني آدم، فقال لي:
ـ ماما، هو إنتِ هتفضلي مع بابا؟
بصيت له وقلت:
ـ يا حبيبي، أنا بحاول أفهم إذا كان ممكن نصلح حياتنا ولا لأ، لكن اللي يهمني إنك إنت وأخوك تعيشوا في أمان، ومتحسوش إنكم مسؤولين عن مشاكل الكبار.
حضنني وقال:
ـ أنا كنت خايف تبيعي الشقة وتسيبينا.
دموعي نزلت، وقلت له:
ـ أنا عمري ما هسيبكم، وإنتوا مش السبب في أي مشكلة بيني وبين بابا.
وفي اللحظة دي، فهمت إن أكبر غلطة كنت ممكن أعملها إني أبيع أماني وأنا خايفة، من غير ما أعرف حقوقي أو أفكر بهدوء.
لكن المفاجأة اللي مكنتش متوقعاها حصلت بعد شهر!
كنت راجعة من الشغل، ولقيت جوزي قاعد في الصالة، وقدامه ملف، ووشه متغير.
قال لي:
ـ شيماء، أنا محتاج أقولك حاجة، ومش عارف هتسامحيني عليها ولا لأ.
قلبي اتقبض، وقلت له:
ـ فيه إيه تاني؟!
فتح الملف وطلع ورقة، وقال:
ـ أنا روحت النهارده أتكلم مع المحامي بخصوص الديون، واكتشفت إن فيه حل ممكن يخليني أسدد جزء كبير منها على أقساط، من غير ما أبيع شقتك ولا شقتي.
بصيت له باستغراب وقلت:
ـ طب ما كان ممكن تعمل كده من الأول!
قال:
ـ كان ممكن، بس أنا كنت عاوز الحل السريع، ومكنتش مستعد أعترف إني غلطت.
وبعدين مد لي ورقة تانية وقال:
ـ ودي ورقة كتبت فيها التزاماتي تجاه البيت والعيال، عشان نبدأ من جديد، لو إنتِ لسه عندك استعداد.
خدت الورقة وقريتها، لكني مردتش عليه على طول.
لأن الحقيقة إن المشكلة مكنتش ديون وبس، ولا شبكة وجواز تاني، المشكلة كانت في إنه وقت ضعفي اختار يضغط عليّا بدل ما يرحمني.
قلت له:
ـ أنا مش هقدر أوعدك إن كل حاجة هترجع زي الأول، لكن لو عاوز تصلح، لازم تثبت ده مع الوقت، وتحترم حقي، وتبطل تستخدم خوفي على ولادي ضدي.
هز راسه وقال:
ـ موافق.
وهنا كانت المفاجأة الحقيقية بالنسبة لي… مش إنه لقى حل للديون، لكن إني اكتشفت إني كنت أقوى مما كنت فاكرة، وإن مرضي مش معناه إني ضعيفة، وإن خوفي على ولادي مش معناه إني أفرط في حقي.
أنا لسه مش عارفة مستقبل جوازي هيكون إيه، لكن بقيت عارفة حاجة واحدة: لا هبيع شقة أبويا تحت التهديد، ولا هاخد قرار مصيري وأنا مرعوبة، ولا هسمح لحد يقنعني إن مرضي يقلل من قيمتي.
والسؤال اللي محيرني لحد النهارده: هل أدي جوزي فرصة جديدة بعد كل اللي عمله، ولا التهديد بالطلاق وحرماني من ولادي كفاية إن الثقة بينا تنتهي؟
لو إنتوا مكاني، هتعملوا إيه؟ وهل الاعتذار وحده يكفي بعد ما الإنسان يكتشف إن أقرب الناس ليه ممكن يضغط عليه وقت ضعفه؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




