
طول طريق السفر راجعين للقاهرة، الطريق كان ساكت، مفيش غير صوت أنفاس العيال وصوت الطريق.. بنتي ساندة راسها على كتفي وبتعيط بسكات، وابني ماسك في دراعي التاني وكأنه خايف أسيبه هو كمان. كنت بمسح على روسهم وبهمس لهم: “ماتخافوش.. ماما معاكم ومش هتسيبكم أبداً”. الدموع اللي نزلت مني في التاكسي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع غسيل لكل ذكرياتي معاه، لكل السنين اللي ضيعتها وأنا ببرر بخله وبروده وقسوته على إنها “طبيعة راجل”.
وصلنا البيت متأخر، غيرتلهم ونيمتهم في حضني، وأول ما اطمنت إنهم ناموا، التليفون بدأ يرن.. اسمه منور على الشاشة بمكالمات ورسايل ورا بعض، وبعدها رسايل من حماتي وأخته: “انتي اتجننتي؟ فضحتِينا قدام الناس وخربتي الإجازة”
، “ارجعي لعقلك يا بت وبلاش حركات عيال”. قفلت التليفون تماماً، وحسيت براحة وهدوء غريب عمري ما حسيته وأنا معاه في بيت واحد.
تاني يوم الصبح، مكنتش مستنية يرجع عشان يبدأ مسلسل التبرير والزعيق المعتاد.. صحيت بدري، لميت أوراقي المهمة، شهادات ميلاد ولادي، وقسيمة الجواز، وقررت أبدأ أول خطوة صح في حياتي. نزلت مباشرة على مكتب محامي أعرفه، قعدت قصاده وحكيتله كل حاجة بنبرة ثابتة وصوت مفيش فيه تردد: “عايزة أرفع للضرر، ونفقة لولادي، وكل حقوقهم متقلش مليم واحد.. هو مرتاح مادياً جداً ومستخسر فيهم، والقانون لازم ياخد حقهم.”
-
بقلم اماني 1منذ 4 ساعات
-
حكايه فرح وزياد 3 بقلم ملك إبراهيممنذ 3 أيام
-
بعد فرحي بساعات 2منذ 3 أيام
-
بعد فرحي بساعات 1منذ 3 أيام
المحامي طمني وكتب المحضر بالوقائع، ورجعت قعدت مستنياه، لأني المرة دي مش ولا هسكت.
العصر، الباب اتفتح .. دخل يزعق وشكله مبهدل من السفر، وبصلي بغل: “انتي فاكرة نفسك مين عشان تسيبينا وتمشي؟ فاكرة إنك ليكي قيمة من غيري؟ هترجعي تبوسي رجلي عشان أرجعك!”
وقفت قصاده وبصيت في عينيه ببرود تام، من غير ما أرمش: “اللي يتباس رجليهم هما ولادك اللي حرمتهم من ضحكتك وصرفت فلوسك على غيرهم.. لكن أنا؟ أنا من اللحظة اللي شوفتك فيها شايلها في المية، اعتبرتك مت في نظري. المحامي رفع دعوى الطلاق، والمحكمة بيني وبينك.”
وشه اتخطف، والكلمة شلت حركته.. مكانش متخيل إن الست المطيعة الصابرة اللي كانت بتلم وراه سنين، ممكن تكسر الدايرة في لحظة واحدة وتقف على حيلها.
فضل باهت مكانه، عينه بتتحرك بيني وبين أوراق المحامي اللي كانت محطوطة على ترابيزة الصالة. لجمت لسانه لدقيقة، وبعدين انفجر في ضحكة سخرية مهزوزة: “محكمة ؟ انتي بتهوشي يا حبيبتي.. فاكرة نفسك هتعرفي تعيشي من غير قرش مني؟ ده انتي والعيال هتشحتوا، ومفيش محكمة هتديكي اللي انتي بتحلمي بيه!”
قربت خطوة واحدة منه، وبصيتله بهدوء مستفز: “اللي بيصرف على بنت خالته وعزايم البحر بالآلاف، حسابه في البنك وعقاراته معروفين بالورقة والقلم. والمحامي جاب بيان بكل دخلك وممتلكاتك.. المحكمة هتاخد حق عيالك غصب عنك، ومستواهم مش هينزل مليم، لكن إنت وجودك هو اللي نزل للصفر.”
وشه احمر وعروق رقبته نطت، مد إيده يمسك دراعي، بس قبل ما يلمسني رفعت صباعي في وشه وصوتي كان حاسم كالسيف: “إيدك متلمسنيش.. البوليس هيتعمله بلاغ عدم تعرض في ثانية، والمرة دي مش هسكت على قشة.”
في اللحظة دي، جاله اتصال من أمه. فتح الاسبيكر وهو فاكر إنها هتدعمه، بس صوتها جه عالي ومذعور: “إلحق يا ابني، المحامي باعت إنذار على البيت وعايز يعمل حصر تركة ونفقة ومصاريف مدارس بالشيء الفلاني، انت عملت فيها إيه؟ دي وبتطلب تحريات دخل من شغلك!”
بصلي وهو بيبلع ريقه بصعوبة، شاف في عيني ست تانية تماماً غير اللي كان دايس على كرامتها سنين ومطمن إنها مش هتنطق. لف وشه وخرج ورزع الباب وراه بكل غل، وهو مش مستوعب إن السجادة اتسحبت من تحت رجليه بالكامل.
أول ما الباب اتقفل، دخلت ولادي، لقيتهم قاعدين على السرير باصينلي بترقب. نزلت لمستواهم وفتحت دراعاتي الاتنين، جريوا عليا وحضنوني بقوة. همستلهم والدموع مخلطة بابتسامة راحة: “من النهاردة مفيش تكشيرة، ومفيش حد هيكسر فرحتكم.. من النهاردة إحنا هنبدأ نعيش بجد.”
الأيام اللي بعد خروجه من البيت كانت أهدى أيام عشتها من سنين طويلة، البيت اللي كان دايمًا مشحون بنكد وبرود وخوف من ردود أفعاله، فجأة بقى فيه نفس وهوا نضيف يدخل الصدور.
بدأت ألملم خيوط حياتي بنفسي؛ مكنتش ناوية أقعد حاطة إيدي على خدي أستنى حكم المحكمة، نزلت دورت على شغلي القديم ورجعت أشتغل وأثبت نفسي، عشان أحس بقيمتي وكياني اللي اتدفنوا سنين تحت مسمى “استحملي عشان البيت والعيال”. الولاد نفسهم ضحكتهم رجعت تملى الصالة، مفيش أب قاعد مبرطم بيزعق على أقل لعبة تقع على الأرض، ولا نظرات لوم وعتاب على علبة عصير أو خروجة بسيطة.
بعد كام شهر، جه يوم الجلسة الأولى في محكمة الأسرة.


