روايات وقصص

حكايه عمران وليلي الجزء الاول

بقلم سيلا وليد

على صوت المذياع، انساب صوتٌ عذب من محطة القرآن الكريم، تتخلله الصلاة على النبي ﷺ، حتى دقّت الساعة السادسة صباحًا. فتحت الجميلة عينيها على رنين المنبّه، ومدّت يدها تغلقه وما إن اعتدلت في فراشها حتى وصلها صوت والدتها من الخارج: _ليلى… قومي يا حبيبتي، علشان متتأخريش على درسك.

جمعت ليلى خصلات شعرها خلف رأسها، وردّت بصوتٍ ما زال يحمل أثر النوم:
_أنا صحيت يا ماما… ادعيلي، بكرة آخر يوم في امتحانات الثانوية. يا رب أجيب مجموع حلو يا ماما.
اقتربت والدتها منها، وفتحت نافذة الغرفة، فاندفع هواء الصباح البارد ينعش المكان. التفتت إلى ابنتها، وظلت تنظر إليها للحظات بنظرةٍ غامضة امتزج فيها الحنان بشيء من الحزن.
ثم قالت وهي تبتسم رغم ما تخفيه عيناها:
_يا رب يا بنتي… ربنا يكتبلك الخير ويفرح قلبك.
خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
وفي الخارج، كان زوجها يجلس أمام الطبلية الموضوعة على الأرض، ممسكًا مسبحته بين أصابعه، يحرّك حباتها في هدوء، ويردد الأذكار خلف صوت المذياع.
كان الصباح يبدو عاديًا تمامًا…
لكن شيئًا ما في قلب الأم كان يخبرها أن هذا اليوم لن يمرّ كغيره.
جلست بجواره، توزع اطباق الطعام على الطبلية، ثم نظرت اليه
_محمود بقولك، لسة مصر ليلى ماتكملش تعليمها، حرام يامحمود البنت شاطرة، يمكن ربنا يكرمها وتجيب مجموع حلو

مد يده يسحب كوب اللبن يرتشف بعضه، ثم نظر اليها
_احنا مش اتكلمنا في الموضوع دا ياوفاء، انا مكنتش عايز ادخلها ثانوي، البنت مالهاش غير بيتها ياوفاء
نظرت الام لطعام بحزن، خرجت ليلى بعدما ارتدت ثيابها
_صباح الخير يابابا
_صباح الخير يابنتي، عندك درس ولا ايه
_ايوة اخر يوم النهاردة، بكرة اخر مادة، ياه اخيرا هخلص الثانوية واروح الجامعة
_اقعدي ياليلى عايز اتكلم معاكي
جلست ليلى على ركبتيها، فقطعت الحديث والدتها
_بعدين يامحمود، البنت عندها درس، وبكرة اخر امتحاناتها ياابو فريد
_هو فريد لسة نايم ولا ايه
_لا صحي من بدري، وسافر القاهرة، بيقول عنده موعد شغل، ربنا يوفقه
_اللهم امين… تمتم بها وهو ينظر الى ابنته
_اقعدي يابنتي كلي بدل ماتنطشي في الاكل كدا
اعتدلت تنفض كفيها على صوت صديقتها بالخارج
_ليلى… ياليلى
_لا… الحمد لله، شبعت، عايزة فلوس الدرس اتأخرت
_يادي الفلوس ياليلى، هو كل كدا يابنتي
_خلاص يامحمود، البنت اخر يوم
تنهد اخرج محفظة نقوده ومد يده
_اديني ماشي وراكي ياوفاء، لما اشوف اخرتها انت وبنتك
انحنت ليلى تقبله على وجنتيه
_احلى اب في الدنيا
قالتها وتحركت الى الخارج، بينما نظر والدها الى والدتها
_وبعدهالك ياوفاء، انا مش عايز البنت تكمل، وانتي بتعشميها
نهضت وفاء من مكانها، تتمتم باعتراض
_سيبك من كلام محمد اخوك يامحمود، خلي البنت تحقق حلمها
رفع رأسه اليها
_لا حول ولا قوة إلا بالله، ايه اللي جاب سيرة محمد على الصبح
التفتت اليه تندد بافعاله
_لاني متأكدة انه هو ومراته اللي مش عايزين البنت تكمل علامها
_روحي ياوفاء هاتي الشاي، لازمن اشوف انفار للغيط، وبطلي هبل دا على الصبح
تأففت متحركة للداخل وهي تتوعدلهم انها لن تقبل بزيجة ابنتها

بمكانٍ آخر، وفي أحد الأحياء الراقية بمدينة القاهرة…
استيقظ بطلنا، ذو التسعة والعشرين ربيعًا، على رنين هاتفه المتواصل. مدّ يده بتثاقل، ثم أجاب دون أن يفتح عينيه بالكامل:
— صباح الخير يا أفندم.
أتاه صوت نعمة، مديرة منزله، من الطرف الآخر:
— صباح الخير يا عمران بيه… حضرتك هتروح الشركة النهاردة؟ أصل جالي إشعار من العضو المنتدب إن حضرتك مش هتيجي.
فتح عمران عينيه ، ثم اعتدل في جلسته ونظر إلى ساعته.
— أنا نازل، ثم قال:
— خليهم يجهزوا الفطار يا نعمة.
وضع الهاتف جانبًا، واتجه إلى الحمام.
وبعد دقائق، خرج وقد تبدلت ملامحه تمامًا؛ ارتدى بدلته الأنيقة، أنهى روتينه الصباحي، ثم التقط هاتفه وأجرى اتصالًا آخر.
— صباح الخير يا شهاب.
— صباح الخير يا عمران.
— جهزلي اجتماع لكل الأقسام على الساعة اتناشر الضهر.
رد شهاب متفاجئا
— هو إنت رجعت مصر؟
توقفت أصابع عمران للحظة وهي تعدل رابطة عنقه أمام المرآة.
— آه… رجعت.
لم يزد حرفًا، وأغلق الهاتف وألقاه فوق الفراش، ثم وقف أمام المرآة يتفحص هيئته.

بعد فترة، نزل إلى الطابق السفلي بخطوات ثابتة.
قابلته اخته ذات التسعة عشر عامًا،  برفقة ابنة عمه.
ما إن رأته حتى ابتسمت:
— صباح الخير يا موري.
التفت إليها، ولانت ملامحه قليلًا:
— صباح الخير يا حبيبتي.
اقتربت ابنة عمه منه بابتسامة تحمل فرحة واضحة:
— حمد الله على السلامة.
نظر إليها للحظة، ثم اكتفى بردٍ مقتضب:
— الله يسلمك.
أكمل طريقه نحو طاولة الطعام،
راقبته مبتسمة، حتى اقتربت منها ملك وهمست:
— على فكرة بقى… متحلميش أوي، عمران مش بيفكر فيكي أصلًا.
التفتت إليها الأخرى بضيق:
— ملك، مالكيش دعوة.
رفعت ملك كتفيها ببراءة مصطنعة:
— إنتِ حرة… بس متعشميش نفسك على الفاضي.
ثم ركضت إلى الأسفل، بينما تمتمت نيفين ابنة عمهما من بين أسنانها:
— بت باردة!
وصلت ملك إلى طاولة الطعام، وجلست بجوار والدتها.
— صباح الخير يا ماما.
ابتسمت والدتها:
— صباح الخير حبيبتي، صاحية من زمان؟
هزت ملك رأسها وهي تتناول طعامها:
— لسه صاحية… كلمت المستر، وقالي هييجي الساعة اتناشر، فقولت أحفظ اللي ورايا لحد ما ييجي.
أومأت والدتها دون تعليق.

اتجهت بنظرها الى عمران الذي  يجلس صامتًا، يتناول إفطاره بهدوء، وكأن كل ما يدور حوله لا يعنيه.
بعد لحظات، وصلت نيفين، وجلست بجوار والدته.
— صباح الخير يا طنط.
— صباح الخير يا حبيبتي.
ثم التفتت نيفين إلى عمران، وقالت بنبرة مترددة:
— عمران… أنا عايزة أنقل مكتبي اللي في الشركة.
رفع عينيه إليها بهدوء.
— ليه؟
— طلبت من “علي”، قالي مينفعش… بس أنا مش حابة الدور ده، وعايزة مكتبي يبقى في الدور اللي فوق.
ارتشف عمران من قهوته، وضع الفنجان أمامه، ثم قال ببرودٍ قاطع:
— مادام” علي “قالك مينفعش، ليه بتتكلمي معايا؟
ارتبكت قليلًا:
— بس أنا…
قاطعها دون أن يرفع صوته:
— كل واحد في مكانه يا نيفين. مش عاجبك، شوفي شركة تانية.
خفضت نيفين عينيها، بينما أكمل عمران إفطاره وكأن شيئًا لم يحدث.
أنهى قهوته، ثم نهض.
— أنا ماشي، ومش هرجع غير بالليل.
تحرك خطوتين، ثم توقف وكأنه تذكر شيئًا، والتفت إلى أخته:
— بكرة آخر امتحان، ركزي يا ملك. مش هتنازل عن هندسة.
ابتسمت ملك بتوتر:
— قول يا رب.
رفع حاجبه:
— أقول يا رب إيه؟
ضحكت بخفوت:
— أقول يا رب.
— بالضبط ياابيه
هز رأسه باقتضاب وقال
_مش هتكلم، هستنى النتيجة، قالها وخرج
تابعته ملك بعينيها حتى اختفى عن أنظارها، ثم عادت إلى طعامها.
لكن والدتها لم تترك لها فرصة للراحة.
— عارفة لو مجبتيش مجموع الهندسة هعمل فيكي إيه؟
تنهدت ملك بضيق:
— يوووه يا ماما! سديتي نفسي والله، خلاص مش واكلة، ارتاحي بقى.
اوقفتها نيفين
— وليه ما تجيبيش يا ست ملك مجموع الهندسة؟ كل حاجة متوفرة لك. عايزة إيه أكتر من كده؟ أقل حاجة تعمليها إنك تدخلي الكلية اللي أخوكي عايزها.
كانت ملك تحاول ابتلاع ضيقها، لكن كلمات نيفين جاءت كقطرة أخيرة فوق جرحٍ مفتوح:
— ممكن تخليكي في نفسك، ومتخفيش،انا مش زي ناس هدخل  بفلوس
توقفت يد ملك عن الحركة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى