روايات وقصص

حمل كاذب ج 2

بقلم رشا

تكشف حاجات ما يقدرش يمسحها بسهولة. دخلت الاجتماع، ولقيت مدير المستشفى، ومسؤول الشؤون القانونية، ومدير نظم المعلومات، وكريم قاعد على الناحية التانية من الطاولة. كان لابس بالطوه الأبيض، ووشه هادي، وكأنه جاي يناقش حالة جراحية عادية. أول ما شافني، بص لي بحزن مصطنع وقال مريم، أنا مش مصدق إننا وصلنا للحظة دي.

ما رديتش.
مدير المستشفى بدأ يتكلم
وصلنا بلاغ بوجود تعديلات غير موثقة على عدد من التقارير الطبية. وبعض التعديلات تمت باستخدام حسابات لها صلاحية مراجعة الملفات.
مسؤول الشؤون القانونية حط قدامنا مجموعة من الأوراق، وقال
إحنا لسه في مرحلة التحقق، ومفيش أي قرار نهائي اتخذ ضد أي شخص. المطلوب دلوقتي إن كل واحد يوضح دوره في الإجراءات محل المراجعة.
كريم سبقني بالكلام.
أنا مش عايز أتهم حد، لكن مريم كانت مسؤولة عن مراجعة جزء من الملفات دي. ومن الممكن إنها تكون استخدمت صلاحيتها بطريقة غير مقصودة، أو إن حد استخدم حسابها من غير علمها.
بصيت له.
كان بيتكلم بنبرة هادية، لكني كنت شايفة الحقيقة ورا كل كلمة.
الراجل اللي كان بيحضّر لي القهوة كل صباح، واللي كان بيبوس جبيني قبل النوم، كان بيحاول يحط اسمي في قضية ممكن تدمّر مستقبلي المهني.
قلت بهدوء
أنا مستعدة أتعاون مع أي مراجعة رسمية، ومستعدة أقدم كل المعلومات اللي تساعد في كشف الحقيقة. لكني بطلب إن المراجعة تشمل سجلات الدخول، والأجهزة المستخدمة، وتوقيت كل تعديل، مش مجرد الاعتماد على اسم الحساب اللي ظهر في النظام.

مسؤول نظم المعلومات هز رأسه وقال
ده إجراء طبيعي، وهنبدأ فيه بالفعل.
كريم حرّك إيده بعصبية بسيطة، كانت كفاية إني ألاحظها.
بعد الاجتماع، خرجت من القاعة من غير ما أتكلم معاه.
لكنه لحقني في الممر.
مريم، استني.
وقفت وبصيت له.
قرب مني وقال بصوت منخفض
إنتِ بتعملي إيه؟ إنتِ فاهمة إن الموضوع ممكن تدمّرنا إحنا الاتنين؟
قلت له
لو إحنا الاتنين مالناش ذنب، الحقيقة هتظهر.
شد فكه، وبعدها قال
إنتِ مش فاهمة كل حاجة.
رديت
يبقى وضّح لي.
بص حواليه، وبعدها قال
مش هنا. نتكلم في البيت.
قلت له
تمام.
ومشيت.
ما كنتش عايزة أواجهه في الممر، ولا أدي له فرصة يحوّل الموضوع لخناقة زوجية بدل ما يكون تحقيقًا رسميًا في مخالفات طبية.
بالليل، رجع كريم البيت قبلي.
لما دخلت، لقيته قاعد في الصالة، وعلى الترابيزة قدامه ملف كبير.
قال لي
اقعدي يا مريم. لازم ننهي الموضوع ده الليلة.
قعدت على الكرسي المقابل له.
فتح الملف، وطلع منه مجموعة من المستندات.
دي تقارير فيها توقيعك الإلكتروني. لو التحقيق استمر، إنتِ هتكوني في مشكلة كبيرة.
بصيت للأوراق، ولاحظت إن بعض التواريخ كانت متقاربة، وإن فيه تقارير اتعدلت في أوقات كنت فيها في نوبتجيات مختلفة تمامًا.
قلت له
إنت جبت الأوراق دي منين؟
رد بسرعة
من ملفات المستشفى.
إنت عندك حق تطلعها؟
اتوتر، لكنه حاول يخفي ده.
أنا رئيس قسم الجراحة، ومن حقي أراجع التقارير.

سألته
حتى التقارير اللي اتعدلت باستخدام حسابي؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
مريم، أنا بحاول أحميكي.
بصيت له باستغراب.
تحميني من إيه؟ من جريمة أنا ما عملتهاش؟ ولا من الحقيقة اللي إنت خايف إنها تظهر؟
وشه اتغير.
إنتِ بتتهميني؟
قلت
أنا بسألك.
قام من مكانه، وبدأ يمشي في الصالة بعصبية.
إنتِ مش عارفة أنا عملت إيه علشان أحافظ على حياتنا! أنا ضحيت بحاجات كتير علشان نوصل للمكانة اللي إحنا فيها.
قلت له
أنا ما طلبتش منك تزور تقارير، ولا تستخدم بيانات المرضى، ولا تحط اسمي في حاجة ما عملتهاش.
وقف فجأة.
مين قالك الكلام ده؟
السؤال خرج منه بسرعة، قبل ما يلحق يفكر فيه.
فضلت باصة له.
يعني فيه كلام فعلًا؟
حاول يتدارك الموقف.
أنا أقصد… مين اللي وصلك الفكرة دي؟

قلت
الحقيقة هي اللي بتوصل لصاحبها يا كريم.
في اللحظة دي، رن موبايله.
بص للشاشة، ولما شاف الاسم، اتحرك ناحية الشباك ورد
بصوت منخفض.
لكن قبل ما يبعد، سمعت صوت معتز من الناحية التانية.
كان بيتكلم بعصبية شديدة
إنت وعدتني إن مريم مش هتعرف حاجة! تيسير اتصلت بيا، وبتقول إنها هتروح للشرطة!

كريم اتجمد مكانه.
بص ناحيتي بسرعة، وكأنه افتكر فجأة إني موجودة.
وبعدين قال لمعتز
اقفل دلوقتي. ما تتصلش بيا تاني.
أنهى المكالمة، وحط الموبايل في جيبه.
قلت له
تيسير هتروح للشرطة؟
رد بعنف
إنتِ مالك بتيسير؟
ابتسمت بمرارة.
من يوم ما دخلت مكتبي وقالت لي إنها حامل منك، وإنت خليتني أعرف إن فيه حاجات كتير تخصني بيها.
قرب مني، وصوته بقى أكثر حدة.
اسمعيني كويس. لو إنتِ فاكرة إنك تقدري تدمّريني وتخرجي من الموضوع سليمة، تبقي غلطانة. عندي مستندات عليها توقيعك، وعندي ناس ممكن يشهدوا إنك كنتِ عارفة بالتعديلات.
وقفت من مكاني.
واللي عندي أنا، مش هيكون كلام مرسل. هيكون أدلة تتراجع رسميًا.
وشه شحب للحظة، لكنه رجع يبتسم بسخرية.
أدلة؟ عندك إيه؟ شوية رسايل؟ إنتِ فاكرة إنك تقدري تثبتي حاجة؟
ما جاوبتوش.
دخلت أوضة النوم، وقفلت الباب.
لأول مرة، ما كنتش عايزة أعيط بسببه، ولا كنت عايزة أسأله ليه خانني.
كنت عايزة أعرف عدد المرضى اللي اتضرروا بسبب اللي عمله، وأتأكد إن اسمي ما يتستخدمش لتغطية جريمة أكبر.
بعد حوالي ساعة، وصلني اتصال من داليا.

قالت
مريم، تيسير وافقت تقدم إفادتها رسميًا، ومعاها رسائل ومعلومات عن التحويلات المالية. لكن فيه حاجة تانية ظهرت في المراجعة الأولية لسجلات المستشفى.
قلبي دق بسرعة.
إيه هي؟
قالت
فيه تعديلات اتعملت من جهاز موجود في مكتب رئيس قسم الجراحة، في أوقات كان حسابك فيها غير نشط. وكمان فيه طلب رسمي لمراجعة تسجيلات الدخول، علشان نحدد مين استخدم النظام فعلًا.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن أول خيط من الحقيقة بدأ يظهر.
لكن قبل ما أقدر أستوعب الكلام، سمعت صوت كريم من بره الأوضة.
كان بيتكلم في التليفون، وصوته واطي لكنه واضح
لا، مش هنستنى التحقيق يخلص. لازم نتصرف قبل ما تيسير تفتح بقها. لو اتكلمت، كلنا هنضيع.
سكت لحظات، وبعدها قال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي
أنا مش خايف على نفسي… أنا خايف من الملف الأصلي. لو مريم وصلت له، محدش فينا هيقدر يخرج من القضية دي.
وقتها فهمت إن الرسائل اللي شفتها ما كانتش كل الحقيقة.
كان فيه ملف أصلي، فيه أدلة أخطر من كل اللي ظهر لحد دلوقتي.
والأغرب إن كريم كان مقتنع إن وصولي للملف ده هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنهي كل خططه.
ما كنتش أعرف الملف موجود فين، ولا إيه اللي جواه.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة.
إن الليلة دي مش هتكون نهاية جوازي من كريم وبس…
دي ممكن تكون بداية سقوطه بالكامل.
الجزء الرابع والأخير الحقيقة ظهرت… وكريم دفع تمن كل حاجة
فضلت واقفة ورا باب أوضة النوم، وقلبي بيدق بسرعة بعد ما سمعت كريم بيتكلم عن الملف الأصلي.

كنت عارفة إن أي تصرف متسرع ممكن يضيع الأدلة، أو يخليه يسبقني بخطوة جديدة.
علشان كده، ما خرجتش أواجهه، وما حاولتش أسمع مكالماته أكتر من كده. رجعت لسريري، واستنيت لحد ما صوته اختفى، وبعدها بعت رسالة لداليا وبلغتها باللي سمعته.
ردت عليّا فورًا
ما تحاوليش تدوري على الملف بنفسك، وما تواجهيهوش. لو فيه دليل مهم، لازم يتجاب بطريقة قانونية علشان محدش يقدر يطعن فيه بعد كده.
تاني يوم الصبح، روحت المستشفى كعادتي، لكن المرة دي كنت عارفة إن كل دقيقة ممكن تفرق.
وصلتني رسالة من تيسير بتقول فيها إنها مستعدة تقابل المحققين، وإنها تسلّمهم كل اللي معاها من رسائل وصور وتحويلات مالية.

بعدها بساعتين، اتصل بيا مسؤول الشؤون القانونية في المستشفى، وطلب مني أحضر اجتماع تاني بخصوص التحقيق.
دخلت القاعة،

ولقيت كريم قاعد في نفس المكان اللي كان قاعد فيه المرة اللي فاتت.
لكن المرة دي، ما كانش لوحده.
كان موجود مدير المستشفى، ومسؤول نظم المعلومات، ومحامي المستشفى، واثنين من المحققين المختصين.

كريم بص لي، وحاول يرسم على وشه ابتسامة هادية.
صباح الخير يا مريم.
رديت باختصار
صباح الخير.
بدأ أحد المحققين الاجتماع وقال
إحنا راجعنا جزءًا من سجلات النظام الإلكتروني، وظهرت اختلافات بين اسم المستخدم المسجل على بعض التقارير والجهاز اللي اتعملت منه التعديلات. لسه بنستكمل الفحص، لكن عندنا مؤشرات تستدعي التحقيق في استخدام الحسابات والصلاحيات.
كريم اتدخل بسرعة
أنا قلت من البداية إن الموضوع ممكن يكون خطأ غير مقصود. مريم كانت مسؤولة عن مراجعة بعض الملفات، وممكن تكون حصلت مشكلة تقنية.
المحقق بص له وقال
إحنا مش بنستنتج المسؤولية من اسم المستخدم وحده. بنراجع سجلات الدخول والأجهزة والصلاحيات، وبنقارنها بالتوقيتات الفعلية للتعديلات.
ولأول مرة، شفت كريم عاجز عن الرد بسرعة.
المحقق كمّل
كمان وصلتنا إفادة من شاهدة عندها معلومات عن تحويلات مالية ومراسلات متعلقة ببعض الملفات محل التحقيق.
كريم رفع رأسه فجأة.
شاهدة مين؟
المحقق ما جاوبش عن سؤاله مباشرة.
كل شخص هيتحدد دوره بناءً على الأدلة. وإحنا هنا علشان نسمع أقوالكم، مش علشان نصدر أحكام مسبقة.

بعد انتهاء الاجتماع، طلب المحققون من كريم الحضور لاستكمال التحقيق في وقت لاحق، وطلبوا من إدارة المستشفى الحفاظ على سجلات النظام والنسخ الاحتياطية وعدم السماح لأي شخص بتعديل الملفات محل المراجعة.
خرجت من القاعة وأنا حاسة إن أول خطوة حقيقية حصلت.
لكن كريم لحقني في الممر.
مسك ذراعي برفق، وقال بصوت منخفض
مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي لوحدنا.
سحبت ذراعي بهدوء.
لو عندك حاجة تقولها، قولها هنا.
بص حواليه، وبعدها قال
إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل. تيسير بتكدب، ومعتز بيحاول ينجو بنفسه. لو صدقتي كلامهم، هتدمري بيتنا بإيدك.
بصيت له طويلًا.
إنت لسه فاكر إن الموضوع بيتنا يا كريم؟
اتغيرت ملامحه.
كملت
أنا كنت فاكرة إن جوازي منك هو أكتر حاجة آمنة في حياتي. كنت بصحى كل يوم وأنا مطمنة إن الراجل اللي جنبي عمره ما هيستغل ثقتي فيه. لكن إنت استغليت الثقة دي علشان تحمّلني مسؤولية حاجة أنا ما عملتهاش.
قال بعصبية
أنا ما كنتش عايز أأذيكي!
سألته
أمال كنت عايز تعمل إيه؟
سكت.
قلت
كنت عايز تخليني أطلب الطلاق علشان تبعدني عن الملفات. وكنت عايز تستخدم اسمي علشان تغطي على اللي حصل. وبعدين لما اكتشفت إن خطتك ممكن تفشل، بدأت تهددني بالمستندات اللي معاك.
قرب مني، وصوته اتكسر شوية.
أنا غلطت، بس كان عندي أسباب.
ضحكت بمرارة.
كل الناس عندها أسباب يا كريم. لكن مش كل الناس بتختار إنها تدمّر حياة غيرها علشان تنقذ نفسها.
سيبته واقف في الممر، ومشيت من غير ما أستنى رده.
بعد يومين، حصل تطور مهم في التحقيق.
تيسير حضرت بإرادتها وقدمت للمحققين الرسائل اللي كانت محتفظة بيها، بالإضافة إلى معلومات عن تحويلات مالية بينها وبين معتز، وعن الاجتماعات اللي حضرها كريم.

لكن إفادتها لوحدها ما كانتش كفاية لإثبات كل حاجة.
وعلشان كده، طلب المحققون فحصًا فنيًا مستقلًا للأنظمة الإلكترونية، ومراجعة سجلات الدخول والنسخ الاحتياطية، ومقارنة التعديلات اللي حصلت على التقارير بالمستندات الأصلية.
النتائج الأولية كشفت إن فيه تعديلات اتعملت باستخدام صلاحيات مرتبطة بمكتب رئيس قسم الجراحة، وإن بعض التعديلات حصلت في أوقات ما كانش فيها أي تسجيل دخول لحسابي.
لكن المحققين ما اكتفوش بده.
راجعوا سجلات الأجهزة، وصلاحيات المستخدمين، وسلسلة الموافقات على التقارير، علشان يحددوا مين نفّذ كل تعديل، ومين طلبه، ومين حاول يخفيه.
وبعد أيام من الفحص، استدعوني علشان أطلع على مستندات تخصني.

دخلت غرفة صغيرة في الإدارة، ولقيت المحقق المسؤول قدامه ملف ورقي.
قال لي
دكتورة مريم، عايزين
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى