
انا متجوز اتنين ومراتي الأولى راضية عشان خاطر الولاد، وأنا وعدتها إني أعدل لكن غصب عني بميل لمراتي التانية. كنت اتحجج إني بغيب في الشغل وأروح أبات عند مراتي التانية، كنت أدي مراتي الأولى ثلث مرتبى والتانية الثلثين عشان تجيب اللي نفسها فيه وأعوضها عن عدم الخلفة.
الموضوع مكنش واقف بس على الفلوس والبيات، كان بيزيد من غير ما أحس أو يمكن كنت بحس وبغمض عيني. جه الصيف ومراتي التانية قالتلي نفسها تسافر تغير جو وتشوف البحر، ومكنتش قادر أكسر بخاطرها. حجزت أسبوع في فندق على البحر، ولما جيت أخرج من بيت مراتي الأولى، لميت هدومي في شنطة صغيرة وقلت لها: «عندي مأمورية شغل مهمة برة القاهرة مش هعرف أرجع منها طول الأسبوع، خلي بالك من العيال ومترنيش كتير عشان الاجتماعات».
هي صدقتني كالعادة، دعتلي ربنا يوفقني ويوسع رزقي، وسابتني أنزل وهي شايلة هم العيال ومصاريف البيت اللي يدوب مكفياهم أكل وشرب بالعافية.
ركبت العربية وطرت على مراتي التانية، وسافرنا، وهناك كنت عايش حياتي بالطول والعرض، بصرف من غير ما أحسب. بس التانية مكنش كافيها إني معاها لوحدها، كانت عايزة تحس بالانتصار. بدأت من تاني يوم تصور البحر، والعشا الرومانسي، والهدايا اللي بشتريها لها وصورنا مع بعض، وتبعتهملها على الواتساب مع رسايل ومقارنات: «الجو هنا يرد الروح، جوزي حبيبي مش مخليني عايزة حاجة من الدنيا ومفسحني في أحلى مكان».
مراتي الأولى كانت قاعدة في الحر مع العيال، تتفاجئ بالرسايل والصور تنزل عليها. اتصلت بيا كتير وأنا شايف اسمها بينور على الشاشة وكنت بكنسل عليها عشان “المأمورية متتعطلش”. هي عرفت إن السفرية كانت للتانية، وأنا كنت عارف أنها عرفت.. وبرضه كملت رحلتي ولا كأن في حاجة حصلت، وعملتلها بلوك عشان ماتتصلش لحد ما أرجعلها.
القسوة مكنتش بتقف عند الصور والرسايل، الموضوع وصل لمرحلة تانية خالص من كسر الخاطر. في ليلة واحنا سهرانين، قعدت تشتكي بمسكنة وتقولي: «أنا حاسة إنك لسه بتفكر في بيتك الأولاني، وإن قلبك مش معايا لوحدي».
ساعتها بقيت عايز أثبت لها بأي طريقة إنها كل دنيتي، فتحت قلبي على آخرة وقلت: «أنا عمري ما حبيت ولا هحب غيرك.. التانية دي مجرد أم لعيالي وبس، رابطني بيها المسؤولية والعيلين، لكن أنتي النفس اللي بتنفسه، ومستعد أبيع الدنيا وأضحي بأي حد في سبيل إنك تفضلي راضية ومبسوطة، حتى لو على حساب أي حد تاني».
مكنتش أعرف إنها فاتحة تسجيل الصوت وبتسجل كل كلمة، وبمجرد ما خلصت، داست إرسال للتسجيل في شات مراتي الأولى ومعاه رسالة مكتوبة: «اسمعي جوزك بيقول عليكي إيه يا أم العيال.. عشان تعرفي مكانتك ومكانتي».
لما التليفون رن بعد دقيقة وكان اسم مراتي الأولى على الشاشة، بصيت للتانية لقيتها بتبتسم ومسكت الموبايل من إيدي وقفلته خالص في وشها وقالتلي ببرود: «سيبك منها بقى، الليلة دي بتاعتي أنا وبس». والمصيبة إني طاوعتها، شفتها وهي بتبعت الرسايل وبتاثر على نفسية مراتي الأولى، ومفتحتش بؤي ولا حتى عاتبتها بكلمة.. بالعكس، ابتسمت وخدتها في حضني وكأن كرامة الست اللي صاينة بيتي وعيالي متسواش.
جه اليوم اللي حصل فيه الموقف الصعب. كانت الساعة داخلة على اتنين بالليل، وتليفوني رن برقم مراتي الأولى. رديت بنفخة وزهق، لقيت صوتها منهار وبيترعش وهي بتصرخ في السماعة: «إلحقني، ابنك جسمه مولع نار وبيتشنج بين إيديا، مش قادرة أسيطر عليه والحرارة مش راضية تنزل، تعالى بسرعة نوديه المستشفى مش عارفة أتصرف لوحدي!».
قومت مفزوع من على السرير وبدأت أدور على هدومي عشان أنزل، بس مراتي التانية قامت وقفت قدامي وسدت الباب بجسمها، وقالت بصوت عالي واصل بوضوح لمكالمة مراتي الأولى: «على فكرة دي حركات، أقصاها دور برد صغير والعيال كلها بيجيلها برد.. خليك هنا ومترروحش واقفل التليفون في وشها».
مراتي الأولى على الخط كانت سامعة كل كلمة، صوت بكاها ورجاها اتقطع بذهول وكسرة: «ابنك هيموت في إيدي.. بتقولك دور برد وأنت سامعها وساكت؟».
وقفت ثواني بين نارين، وضعفت قدامها.. رديت ببرود على أم ابني وقلت لها: «ادي له خافض حرارة وأعمليله كمادات وبطلي مبالغة، الولد مفيهوش حاجة ومش مستاهلة أقطع المشوار ده كله بنصاص الليالي عشان شوية سخونية»، وقفلت السكة في وشها وهي بتستنجد بيا.
رميت التليفون على السرير ورجعت نمت، وسبت ابني يصارع التشنجات، وسبت أمه تجري بيه لوحدها في الشوارع بنصاص الليالي تدور على دكتور مكسورة ومتبهدلة، كل ده عشان أرضي غرور مراتي التانية وأثبتلها حبي.
الصبح طلع، وصحيت على صوت مرفت وهي بتحضر الفطار بمزاج رايق وبتغني، ولا كأن في كارثة حصلت امبارح. مسكت تليفوني ببرود، مكنش في أي رنة ولا رسالة تانية من سوسن، فقلت لنفسي: «أهو شوفت؟ كان فيلم هندي منها عشان تنكد عليا وخلاص، والواد زمانه بقى زي الفل».
شربت قهوتي مع مرفت ونزلت على الظهر، وقررت أعدي على شقتي الأولى أشوف في إيه ومنها أثبت لنفسي إني مكنتش غلطان. فتحت باب الشقة بالمفتاح، الهدوء كان مرعب، ريحة البيت مطفية وكئيبة. دخلت الصالة لقيت سوسن قاعدة على طرف الكنبة بهدوم الخروج المتبهدلة، عينيها وارمة من البكا والكمادات مرمية على الترابيزة.
أول ما شافتني، متكلمتش.. ولا صرخت.. ولا عاتبت زي كل مرة. بصتلي بنظرة خلت الدم يتجمد في عروقي، نظرة واحدة مفيهاش ذرة عشم، مفيهاش غير قرف وانسحاب تام.
اتنحنحت وحاولت أبان تقيل وواثق من نفسي، وقلت: «أهو جيتلك أهو يا سوسن، الولد ماله؟ مش قلتلك دور برد تافه ومكنش مستاهل دراما نص الليل؟».
قامت وقفت بهدوء يخوف، وطلعت من جيبها كارت تقرير المستشفى وورقة العلاج، ورزعتهم على الترابيزة قدامي وقالت بصوت ميت، صوت خارج من واحدة خلاص قطعت آخر خيط كان رابطها بيا: «ابنك كان عنده التهاب رئوي حاد وحرارته عدت الأربعين، الدكتور في الطوارئ قالي لو كنتِ اتأخرتي ربع ساعة كمان كان دخل في غيبوبة تشنجية ومكناش هنلحقه.. جريت بيه في الشوارع زي المجنونة بمد إيدي للناس عشان ألحق تاكسي ينقذ ابني، وأنت نايم في حضن الست مرفت».
سكتت ثانية، وبصت في عيني مباشرة وابتسمت بمرارة كسرتني من جوة: «مبروك يا عاطف.. أنت ومرفت كسبتوا الرهان، أثبتلها إنك راجل معندوش ريحة الدم ولا النخوة، وأثبتلي أنا إن وجودك في حياتنا زي قلته.. من اللحظة دي، ابنك أمانته عند ربنا مش عندك، وأنت مالكش عندي عتاب.. عشان العتاب ما بيتقالش إلا للغاليين، وأنت رخصت نفسك أوي». سابتني ودخلت قفلت باب أوضة الولاد بالمفتاح من جوة، وقفت مسمر في مكاني في الصالة، الورق في إيدي بيترعش، ولأول مرة أحس بطعم الهوان والذل.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



