Uncategorized

بقلم نرمين عادل 2

سمعني اللواء حمزة بدون ما يقطعني بنقطة واحدة.. ولما خلصت، قال بصوت هادي يرعب من كتر ثقته:

– «سمعيني كويس يا ندى.. طارق وتوفيق الجبلي وأمه صفية، دول مش مجرد ناس طمعانين في بيت.. دول شبكة تزوير واستيلاء على أراضي الدولة والأوقاف في وسط البلد والمعادي من التسعينات.. أبوكِ عبد الحميد اكتشف إن العقود اللي توفيق الجبلي بيبني بيها أبراج هي عقود مزورة، وإن العقد الأصلي لأرض السوق كلها كان تحت إيده.. ولما رفض يبيعه أو يدخل معاهم في اللعبة، صفّوه.. وغطوا على الجريمة كأنها حادثة عربية عادية.»

دقات قلبي زادت، واللواء كمل:

– «أمك فاطمة أذكيك من إنها تبلغ وقتها وهي لوحدها ومعاها طفلة صغيرة اللي هي أنتِ.. آثرت الخفاء واستحملت الفقر وشقا الفول والطعمية وخبّت العقد والأوراق في مكان ما يوصلوش له، وحاطت طارق في طريقك عشان تشوفي بنفسك حقيقته وتكشفيهم وهم فاكرين إنهم بيلعبوا بيكي!»

– «طب والعمل يا سيادة اللواء؟» سألته بلهفة، «توفيق هدد إنه هيحرق البيت والمحل بكرة العصر لو ما سلمتلوش اللي تحت البلاطة!»

رد اللواء حمزة بضحكة واثقة:

– «بكرة العصر؟ ممتاز.. هما فاكرين إنك خايفة وقاعدة في البيت بتدوري على مخرج.. وده السر اللي هنلعب بيه! أنتِ مش هتستني بكرة العصر يا ندى.. أنتِ هتنزلي المطعم القديم النهاردة بالليل.. الفجر بالظبط! تفتحي بلاطة الفرن بالمفتاح الفضي، وتطلعي الصندوق اللي تحتيها.. وأنا هكون مستنيكي هناك مع رجالتي!»

– «المطعم؟» قُلت بدهشة، «المطعم مقفول من يوم وفاة أمي والمنطقة هناك بتنام من بعد نص الليل!»

– «ده المطلوب بالظبط.. حركة الفجر هي الحركة الوحيدة اللي مش هيتوقعوها.. هما مراقبين البيت هنا في المعادي وفاكرين الأوراق جواه، ومش حاطين في حساباتهم إنك معاكي المفتاح أو إنك عارفة مكان البلاطة الصح.. يلا يا ندى.. البسي هدومك، وانزلي من الباب الخلفي للبيت اللي بيطلع على الممر الجانبي.. عم سيد البواب مستنيكي هناك وعارف هيعمل إيه.»

قفلت مع اللواء حمزة، وحسيت بنار بتسري في جسمي.. الخوف المريض اتلاشى تماماً وحل محله رغبة قاطعة في إنهاء المهزلة دي وإرجاع حق فاطمة وعبد الحميد.

ارتديت عباية سوداء خفيفة، وربطت شعري، وحطيت المفتاح الفضي جوه إيدي، ومعاه تليفوني.. وطلعت من الباب الخلفي للجنينة في الظلام.. لقيت عم سيد البواب واقف مستنيني ومجهز تاكسي قديم تبع واحد صاحبه.

ركبت التاكسي.. وفي الطريق لوسط البلد، كانت شوارع القاهرة فاضية وهادية.. بس جوايا كانت حرب شتعلة!

وصلنا الشارع القديم.. شارع “المبيضة” في وسط البلد.. الدكاكين كلها مقفولة، والأنوار خافته، والمطعم بتاع أمي واقف كأنه شواهد شاهدة على السنين.. محفور على لافتته الخشبية القديمة: «مطعم الأمانة – فاطمة وعبد الحميد».

نزلت من التاكسي بحذر.. مسكت المفتاح الكبيرة وبدأت أفتح القفل المصدي للشراعة الحديدية للمحل.. صوت صرير الحديد كان بيتردد في الشارع الفاضي زي نداء البعث.. فتحت الباب ودخلت، وريحة الفول المحمص والبهارات القديمة والمكان المكتوم ضربت في مناخيري.. ريحة أمي!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى