
فات شهر، وشهر جاب شهر، وحالتي كانت بتسوأ. شيرين كانت عايشة حياتها عادي، خروجات وعزومات، وأنا كنت عايش في سجن جوه نفسي. كل ما أبص لرجلي وهي ماشية على سجاد بيتي الغالي، أفتكر إيد ندى وهي بتمسح البلاط المبلول.
قررت إني لازم ألاقيها، مش عشان أرجعها لي -لأني بقيت عارف إني مستاهلهاش- بس عشان أريح ضميري اللي مبيسبنيش أنام. بدأت رحلة التدوير من نفس المستشفى. رحت لمسؤول العمال وضغطت عليه بشوية فلوس عشان يديني أي بيانات من “صورة البطاقة” اللي قدمت بيها عشان تشتغل اليومية دي.
-
سمعت صوت من المطبخمنذ ساعتين
-
حماتي اتريقت عليامنذ ساعتين
-
البيت بيتيمنذ 3 ساعات
-
اماني السيد ج ٢منذ 4 ساعات
بص لي المسؤول وقال لي: “يا أستاذ، هي كانت ساكنة في منطقة عشوائية ورا القلعة، بس العنوان اللي في البطاقة قديم قوي، غالباً عزبة منسية هناك”.
أخدت العنوان ورحت. شوارع ضيقة، ريحة فقر، وبيوت حيطانها بتصرخ. فضلت ألف وأسأل: “حد يعرف ندى؟ ندى اللي كانت بتشتغل في مستشفيات؟”. لحد ما دلتني ست عجوزة قاعدة قدام باب بيت مهدود: “قصدك ست البنات ندى؟ يا ضنايا دي سابت الحتة من شهرين، بعد ما جالها شغلانة تانية في دار رعاية مسنين، قالت المكان هنا بيفكرها بناس باعت لحمها”.
عرفت اسم دار الرعاية ورحت لها. قلبي كان بيدق كأنه هيقف وأنا داخل. سألت عنها، الموظفة قالت لي: “ندى؟ أيوه موجودة، هي دلوقتي مع الحالات في الجنينة ورا”.
مشيت بخطوات تقيلة لحد ما شفتها. كانت قاعدة على كرسي خشب، وجنبها راجل عجوز قوي، ماسكة إيده وبتحكي له حكاية عشان يهدى وينام. مكنتش لابسة اليونيفورم الأزرق، كانت لابسة عباية سودة بسيطة بس نظيفة جداً، ووشها
كان فيه هدوء غريب، هدوء حد اتصالح مع وجعه.
قربت منها، خيالي جه عليها، رفعت راسها وشافتني. مكنش في عينيها صدمة المرة اللي فاتت، كان فيه “شفقة”.
قلت بصوت مرتعش: “ندى.. أنا قلبت الدنيا عليكي”.
قامت وقفت براحة، وبصت للراجل العجوز تطمن عليه، وبعدين بعدت خطوتين وقالت ببرود: “قلبت الدنيا ليه يا ابن عمي؟ محتاج حد يمسح لك الأوضة تاني؟ ولا شيرين هانم نسيت خاتمها في حتة وعايزة تتهمني بيه؟”
نزلت راسي في الأرض: “أنا جاي أعتذر.. جاي أقولك إني غلطت في حقك وفي حق أبوكي. ندى، أنا جهزت لك شقة، وكتبت لك مبلغ في البنك يعيشك هانم طول عمرك.. مش عايز منك حاجة، بس تقبلي ده وتسامحيني”.
ندى ضحكت ضحكة خفيفة، بس كانت توجع أكتر من العياط: “شقة؟ وفلوس؟ إنت فاكر إن كل حاجة بتتحل بالفلوس زي ما شيرين فاهمة؟ يا ابن عمي، أنا لما خرجت من بيتك، خرجت ومعايا كرامتي، ودي الحاجة الوحيدة اللي الفلوس متبنيهاش لو اتهدت”.




