روايات وقصص

بنت عمي بقلم اماني السيد 2

كملت وهي بتبص لإيدها: “أنا هنا باخد ماهية بسيطة، بس باخد معاها دعوة حلوة من حد غلبان، وبنام وأنا راسي مرفوعة. الشقة اللي إنت جايبها لي دي، هعيش فيها إزاي وأنا كل ركن فيها هيذكرني بإنك “اشتركت” في ذلي؟”

مسكت طرف العباية بتاعتها وقالت بحدة: “لو عايزني أسامحك بجد، ابعد عن طريقي. كفاية عليا إني شوفتك وإنت مكسور المرة دي.. ده حقي وخدته. الفلوس دي روح اتبرع بيها للمستشفى اللي شوفتني فيها، يمكن تنضف الذنب اللي محاوطك”.

مقالات ذات صلة

لفت ضهرها ومشت، ورجعت قعدت جنب الراجل العجوز وكأنني مكنتش موجود. وقفت مكاني مش عارف أتحرك، المحفظة في جيبي تقيلة كأنها جمرة نار، وعرفت إن فيه بيبان لما بتتقفل بالوجع، مفيش مفاتيح دهب في الدنيا تقدر تفتحها تاني.

بقيت أروح دار المسنين كل أسبوع، بس من بعيد لبعيد. أركن عربيتي في ركن مداري وأقعد أراقبها وهي بتتحرك وسط العواجيز كأنها ملاك بعتته السما عشان يطبطب عليهم. كنت بشوفها وهي بتضحك معاهم، وهي بتأكل حد فيهم، وهي بتمسك إيد واحدة ست غلبانة وتسمع حكاويها.. ندى كانت بتنور المكان، وأنا كنت بضلم في مكاني وأنا شايف إن الجوهرة دي كانت في إيدي وضيعتها.

شيرين بدأت تلاحظ غيابي وسرحاني، بس كنت بتهرب منها بأي حجة. مكنتش طايق أسمع صوتها ولا طايق الرفاهية اللي إحنا عايشين فيها وهي متبنية على حساب كسر نفس ندى.

 

وفي يوم، رحت الدار كالعادة، بس لقيت المكان فيه حركة غريبة. زينة متعلقة، وصوت ضحك عالي، والناس لابسة أنضف ما عندها. قلبي قبضني، دخلت الدار المرة دي ومهمتنيش المظاهر، سألت الممرضة اللي على الباب: “هو فيه إيه النهاردة؟ حفلة؟”

الممرضة ضحكت وقالت لي: “حفلة إيه يا أستاذ.. ده النهاردة كتب كتاب ندى! ربنا سابها طول العمر ده عشان يرزقها بسيد الرجالة.”

الكلمة نزلت عليا كأنها جبل وقع فوق دماغي. دخلت الجنينة بخطوات مهزوزة، وشفت المشهد اللي عمره ما جه في خيالي. ندى كانت قاعدة لابسة فستان أبيض بسيط قوي، بس كانت زي القمر، وشها فيه نور مبيتمحيش. وجنبها شاب ملامحه هادية ومحترمة، باين عليه ابن ناس ومثقف.

الراجل العجوز اللي كانت ندى بتهتم بيه دايماً كان قاعد في النص، وحاطط إيده فوق إيديهم والدموع في عينيه. عرفت بعدها إن الشاب ده يبقى ابنه، كان مسافر برا يشتغل عشان يجهز نفسه، ولما رجع وشاف ندى وهي بتشيل أبوه في عينها، وشاف حنيتها وأصلها، مقدرش يفرط فيها.. قال لأبوه “دي اللي هتحافظ عليا وعلى بيتي زي ما حافظت عليك”.

المأذون بدأ يقول: “بارك الله لكما وبارك عليكما..”

وقفت ورا شجرة، والدموع مغرقة وشي. كنت شايفها وهي بتمضي على القسيمة، شفت الفرحة الحقيقية في عينيها، الفرحة اللي مكنتش هتشوفها معايا أبداً. وفي لحظة، ندى رفعت عينها وشافتني.. بصت لي نظرة طويلة، بس المرة دي مكنش فيها وجع، ولا عتاب، ولا حتى شماتة. كانت نظرة “وداع” أخيرة، كأنها بتقول لي: “شوفت؟ ربنا عوضني باللي يستاهلني، وباللي عارف قيمة الست اللي بتصون شرفها بلقمة حلال.”

العريس باس راسها، والكل بدأ يزغرد. خرجت من الدار وأنا حاسس إني عريان، مهزوم هزيمة مفيش بعدها قومة. ركبت عربيتي وبصيت في المراية، وشفت واحد ضيع جوهرة عشان يعيش مع “سراب”.

رجعت البيت، لقيت شيرين واقفة وبتقولي بنرفزة: “إنت كنت فين؟ واللانش بوكس بتاع ياسين ضاع في النادي، لازم تنزل تشتري واحد زيه فوراً عشان ميعيطش”.

بصيت لها ببرود وقلت لها: “ياسين مش محتاج لانش بوكس يا شيرين.. ياسين محتاج أب بجد، وأنا النهاردة بس عرفت إني كنت مجرد صورة.. واللانش بوكس والفلوس وكل اللي إحنا فيه ده، ميسواش ضفر واحدة زي ندى.”

سبتها ودخلت أوضتي، وقفلت الباب، وعرفت إن ندى النهاردة بدأت حياتها، وأنا حياتي انتهت في اللحظة اللي قولت لها فيها “اتصرفي

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى