
طلعت من العناية المركزة في مستشفى دار الفؤاد بعد ما الدكاترة عالجوا طنط صفاء علاج بسيط. كانت قاعدة على السرير، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد سنين طويلة من القهر. أول ما شافتني، إيدها المرتعشة مسكت إيدي.
سلمى.. طارق وأبوه مش يسكتوا. رؤوف واصل، وحازم ابن عمك مش فاهم هما ممكن يعملوا إيه.”
قبل ما أرد، باب الاوضة اتفتح وهجم منه “حازم”. كان لابس بدلة الشغل بس قميصه مفتوح من فوق ووشه مغرق عرق، ماسك في إيده ملف جلد أسود تقيل. بص لطنط صفاء بنظرة شفقة سريعة، وبعدين شدني لبرة الأوضة في الطاهية الهادية بتاعة المستشفى.
“سلمى، الوضع أقذر مما تتخيلي،” حازم قالها وهو بيهز الملف. “الكارثة الأولى إن شركة أبوه “الراوي للمقاولات” مديونة لبنوك وأشخاص بـ ٤٠ مليون جنيه، وميعاد سداد أول دفعة من الشيكات كان الأسبوع اللي فات.. هما كانوا مراهنين إن مؤخر صداقك والشبكة والشرك اللي كان أبوكي حاطط اسمه فيه هيغطوا البلاوي دي.”
شديت نفسي وسألته: “والكارثة الثانية؟ الرسالة اللي بعتهالي عن طارق؟”
حازم فتح الملف وطلع ورقة رسمية مختومة بختم أحمر من الطب الشرعي ومحكمة الأسر.
“طارق مش بس مفلس.. طارق كان متجوز قبلك من سنتين، جواز رسمي اتوثق واتفسخ في سرية تامة بعد ٦ شهور بس.”
بصيتله بذهول: “متجوز؟! طارق قال إنه عمره ما ارتبط قبل كده!”
“مش دي المصيبة يا سلمى،” حازم قرب مني وصوته نزل لوشوشة: “القضية اللي اترفعت عليه من مراته القديمة كانت “مشكلة كبيرة وتسبب في اذى شديد”.. ضربها في بيته بنفس الطريقة، والست دي خرجت من الجوازة دي بتعب شديد جدا. أبوه اشترى سكوت أهلها بـ ٣ مليون جنيه واتنازلوا عن القضية قبل ما توصل للنيابة.”
دمي اتجمد في عروقي. القلم اللي أكلته على وشي من ساعتين مكنش مجرد عصبيّة عابرة.. كان البداية لسيناريو مرعب محبوس جوه العيلة دي.
في اللحظة دي، شاشة موبايلي نورت.
اسم “طارق”.
حازم أشر لي أرد وأفتح السبيكر. فتحت الخط وحطيت الموبايل بيني وبين حازم.
صوت طارق مكنش فيه أي وجع من صوابعه الموجوعة، كان فيه نبرة فحيح حية مسمومة:
“فاكرة إنك لما تاخدي أمي وتهربي هتعرفي تلعبي معايا يا سلمى؟ صوابعي اللي اتوجعت دي هتدفعي تمنها غالي أوي.. ويا ريت تسألي أبوكي عن المحاضر اللي بتتعمل دلوقتي في قسم التجمع.”
رديت بثبات عكس الرعب اللي جوايا: “محاضر إيه يا طارق؟”
ضحك بصوت عالي: “سرقة يا حلوة. سرقة مجوهرات وساعات أصلية بقيمة ٥ مليون جنيه من دوبلكس التجمع، ده غير بلاغ بـ “مشكلة كبيرة” وإحداث اذى شديد منك ومن أبوكي اللي جاب ناس غريبة ودخلوا الشقة. أمي اللي معاكي دي؟ هترجع زاحفة لحد البيت، وإلا هتشوفي أبوكي وهو بيتربط بالكلبشات قدام شركته الصبح.”
حازم سحب الموبايل من إيدي وبصوت صارم زي السيف قال:
“أهلاً يا طارق.. معاك حازم الألفي، المحامي الخاص بعيلة سلمى. حابب أقولك إن بلاغ السرقة بتاعك بلّه واشرب ميته، لأن كاميرات المراقبة بتاعة الكمبوند ممرضة ومسجلة لحظة خروج سلمى مع أمك وهي بتتعب من غير ما تشيل كبريتة واحدة. أما بالنسبة للمحاضر.. فأنصحك تبص على الواتساب بتاعك دلوقتي حالا.”
حازم داس على زرار في موبايله وبعت للملف المترجم بالكامل لطارق، بما فيه تقرير الطب الشرعي لمراته القديمة، وصور الشيكات المفلسة، وتقرير طوارئ مستشفى دار الفؤاد اللي اتسجل فيه حالة طنط صفاء فور وصولها.
السكوت خيم على الناحية التانية من الخط. صوت تنفس طارق بيقى سريع وعالي.
حازم كمل بنبرة ثلجية: “قدامك ٨ ساعات يا طارق. لو طلاق سلمى يوصلها بكره الصبح مأذون رسمي، مع تنازل كامل عن أي حقوق مادية، ورقضة عدم تعرض.. الملف ده مش هيتوجه للنيابة العامة بتهمة التزوير والنصب وإعادة فتح قضية المشكلة الكبيرة القديمة. اختر يا إما تطلق في الهدوء.. يا إما تقضي خطوبتك الجاية في طرة.”
طارق قفل الخط في وشنا.
بصيت لحازم وأنا بنهج: “تفتكر هيستسلم؟”
حازم هز راسه بنفي: “طارق وأبوه زي الناس المتضايقة لما تتربط في زاوية.. مش هيستسلموا بسهولة. رؤوف الراوي عنده كارت أخير هيحاول يلعب بيه الصبح عشان يضغط على أبوكي.”
سألته برعب: “كارت إيه؟”
قبل ما حازم يرد، باب أسانسير الدور اتفتح، وخرج منه بابا.. وحواليه تلاتة من حراس الشركة بتوعه. بس ملامح بابا مكنتش خايفة، كان في عينه غضب ابدائي.
بابا قرب مني، مسك وشي بين إيديه وبص على الأثر الأحمر بتاع القلم على خدي، وشفايفه اترعشت من الغيظ.
“بابا..” همست.
“ولا كلمة يا سلمى،” بابا قالها بصوت صلب يهز الجبال. “رؤوف الراوي فاكر إنه بيلعب مع ناس طيبين.. هو نسى أنا بدأت ثروتي إزاي ومنين. حازم.. جهز العربيات.”
ازم اتفاجئ: “على فين يا عمي؟ المأذون مش هيفتح دلوقتي.”
بابا بص ناحية أوضة طنط صفاء، وبعدين بصلي وقال بكل حسم:
“على مقر شركة “الراوي للمقاولات”.. المخازن الرئيسية بتاعتهم في السخنة بتفتح الساعة ٤ الفجر.. والنهاردة عيلة الراوي هتعرف يعني إيه لما حد يزعل بنتي.



