روايات وقصص

حكايات مني السيد 1

أخت جوزي بتيجي تزور مامتها يوم الأربعاء وتبات لحد السبت، وكنت بعتبر الموضوع عادي جدًا، لحد ما بدأت تطلب إنها تبات في شقتي. وكل حجتها إن عندي تكييف. بس التكييف موجود في أوضة نومي، اللي بنام فيها أنا وجوزي وابني الصغير!

الموضوع في الأول بدأ بعشم زيادة، رنت جرس الباب يوم أربع في عز حر الصيف، ومعاها شنطتها الكبيرة وعيالها التلاتة وراها، وضحكت وقالت بحسن نية ظاهري:

“الجو تحت عند ماما يخنق يا مرات أخويا، والعيال هيتعبوا من الحر، اطلع أنام عندكم شوية في الطراوة؟”

طبعًا من باب الذوق والكسوف، وشنا جاب ألوان، وجوزي بص في الأرض بقلة حيلة وقال لها:

“البيت بيتك يا أختي.”

دخلت الأوضة، وأنا وجوزي طلعنا برة، ولمينا حاجتنا على عجل وروحنا رمينا نفسنا في الصالة، واضطرينا نسيب لها أوضتنا بسريرنا وخصوصيتنا كلها ليها ولعيالها.

الحكاية مكنتش مرة وخلاص، دي شكلها أخدت عليها وبقت عادة أسبوعية، ولا حاطة في دماغها أبدًا إننا بنتنقل من مكان لمكان في شقتنا، مرميين في الصالة على الكنب اللي بيكسر الضهر!

ولا حاطة في بالها إن جوزي الشقيان التعبان، اللي شغال من الفجرية لحد المغرب وراجع جسمه مهدود وعايز يرتاح ساعتين عشان يقدر يصحى تاني يوم من بدري يروح شغله، بيقضي الليل يتقلب ومش عارف يغمض عينه.

لا بيعرف ينام من الجو الحر اللي يخنق من جهة، ومن جهة تانية عيالها الصغيرين اللي طول الليل بيعيطوا ويصرخوا ويجروا في الطرقة، غير تفتيشهم في أدراج كومودينو الأوضة ولعبهم بكل تفصيلة في خصوصياتنا.

أنا ذنبي إيه بجد؟

عايزة تيجي لوالدتك وتبري أمك، فوق راسي، لكن إيه الداعي تطلعي تباتي عندي في شقتي وتعمليلي قلق وتبوظي راحتنا بالشكل ده؟

كل أربع بقيت أصحى على كابوس، وأول ما الساعة تدق تلاتة العصر قلبي يتقبض وأعرف إن الباب هيخبط دلوقتي وتبدأ أيام التعب لحد السبت.

جوزي ساكت ومغلوب على أمره، مكسوف يكسر خاطر أخته ويقولها متطلعيش، وخايف على زعل أمه تحت لو اشتكينا، وأنا طاقتي خلصت تمامًا، ومبقاش عندي صبر ولا ذوق أتحمل بيه أكتر من كده.

كنت قاعدة ليلة الأربع اللي فات على طرف الكنبة بعد ما دخلت الأوضة وقفلت الباب، وشغلت التكييف على آخره، وسامعة ضحكتها هي وعيالها في سريري، وجوزي نايم جنبي على الأرض غرقان في عرقه وبيتأوه من وجع ضهره.

في اللحظة دي بالذات حسيت إن صبري خلص، وقلت لنفسي:

خلاص، الكسوف والأدب مش هيجيبوا حقنا، ولازم أتصرف بنفسي عشان أخليها تراجع نفسها ومتبقاش تيجي تبات عندي.

مسكت تليفوني وأنا بفرك إيدي من التوتر والغيظ، وفتحت الجروب وكتبت مشكلتي بحرقة، وقولت للبنات يدوني فكرة تبعدها عن الشقة من غير ما أعمل مشكلة علنية مع جوزي.

الأفكار كانت كتير، بس في فكرة واحدة لفتت نظري، وقررت أنفذها حرفيًا يوم الأربع الجاي أول ما رجلها تعتب عتبة الباب.

وفعلًا، جه يوم الأربع المنتظر، وخبطت الباب بنفس الابتسامة وقالت:

“يلا يا مرات أخويا، جهزي الأوضة عشان نازلين من غير غدا وعايزين ننام.”

أنا ابتسمت لها ابتسامة هادية جدًا، ابتسامة وراها خطة، وقلتلها:

“من عيوني يا حبيبتي، اتفضلي ادخلي الأوضة جاهزة ومستنياكي.”

دخلت وقفلت الباب عليها هي وعيالها.

ومفيش نص ساعة بالظبط وعدت، وفجأة الصمت اتقطع، وسمعت صوت خوف وصراخ من جوة أوضة النوم، وراها صوت حاجة بتقع على الأرض، والباب بيتخبط عليه عشان يتفتح.

الصرخة شقت سكون البيت، وراها صوت كرسي بيتقلب، والأطفال بدأوا يصرخوا بخوف.

أنا كنت واقفة في المطبخ بعمل نفسي بصب مية، والابتسامة الهادية اللي كانت على وشي اتقلبت لملامح خضة مصطنعة مجهزة نفسي ليها كويس.

طلعت أجري على الطرقة، والباب كان مقفول من جوة بالمفتاح، وصوت رجليها بتخبط على الخشب:

“افتحي يا شيماء! افتحي الباب، البتاع ده مش راضي يلف في الكالون! هيموتنا من الخوف! يا ناس ألحقوني!”

فضلت واقفة برة ثانية واحدة، أخدت نفس عميق عشان أثبت، وقلتلها بصوت باين فيه القلق:

“فيه إيه يا منى؟ بتصرخي كده ليه يا أختي؟ افتحي المفتاح على الشمال، مش على اليمين، بالراحة!”

أخيرًا الكالون طق، والباب اتفتح بقوة، وطلعت منى تجري، وشها مخطوف، لونها أصفر، وطرحتها معووجة، وعيالها متعلقين في هدومها ومفزوعين.

وقفت في نص الصالة وقالت وهي بتتنفس بسرعة:

“حاجة بتتحرك! يا شيماء، حاجة غريبة كانت ماشية تحت رجلي جنب السرير! دخلت تحت الكومودينو! أقسم بالله حسيت بحاجة لمست رجلي وسمعت صوت خربشة تخوف!”

أنا مسكت كتفها وأنا بهديها بكل برود مستتر:

“يا ساتر يا رب! حاجة إيه يا منى بس؟ إحنا في الدور الرابع وسط البلد، هيجيلنا إيه من الحاجات دي؟ استهدي بالله كده، تلاقيكي اتخضيتي عشان لسه صاحية من قيلولة أو النور كان مطفي.”

ردت بصوت بيرتجف وعينيها بتدور في أركان الصالة:

“والله ما اتخيلت! أنا كنت لسه مريحة على السرير وبمد إيدي أجيب الشاحن من ورا الكومودينو، لقيت حاجة بتتحرك بسرعة غريبة وصوت خربشة مرعب، ده غير إن الأوضة ريحتها مقلوبة، ريحة زفارة وعفونة تخنق الصدر! إنتي رشة إيه هنا؟ ولا مخبية إيه تحت السرير؟”

هنا بقى الخطة اللي قريتها على الجروب بدأت تشتغل بالحرف.

السر مكنش حاجة حقيقية، ولا كنت هخاطر أأذي حد بأذى بجد، لكن الفكرة اللي اقترحتها عليا واحدة من المتابعات كانت تعتمد على ريحة نفاذة مع شوية أشياء تعمل صوت خفيف، ومع لعبة أطفال ميكانيكية سريعة كنت حطاها ومظبطة تايمر ليها يشتغل بعد نص ساعة من قفلة الباب.

قولتلها وأنا بوشوشها وموطية صوتي خالص وببص حواليا كأني خايفة حد يسمعنا:

“بصي يا منى.. أنا مكنتش عايزة أقولك ولا أفتح الموضوع ده خالص عشان متخافيش.. بس الشقة دي من أسبوعين كده بدأ يحصل فيها حاجات غريبة، والريحة اللي شمتيها دي مش ريحة عادية، دي ريحة بتطلع فجأة وتختفي فجأة.. حتى حسام جوزي بقاله كذا يوم بيصحى كأنه تعبان جدًا، وبيقولي بيشوف حاجات بتتحرك جنب السرير، وأنا كنت فاكراه من التعب، بس طالما إنتي كمان حسيتي بكده.. يبقى الموضوع غريب فعلًا!”

منى بلعت ريقها بصعوبة، وعيالها مسكوا فيها أكتر، وبقت تبص لأوضة النوم بخوف.

قالت:

“يعني إيه فيه حاجة؟ إنتي قصدك إن شقتك فيها حاجة غريبة؟ لا يا أختي، أنا أخاف، أنا معايا عيال، أنا مالي بالكلام ده!”

كنت خلاص حسيت إني كسبت المعركة وإنها هتاخد عيالها وتنزل عند مامتها ومش هتطلع تاني، وفرحة النصر بدأت تظهر في عيني.

لكن فجأة، الباب الخارجي بتاع الشقة اتفتح بمفتاحه، ودخل حسام جوزي بدري عن معاده بساعتين، هدومه معفرة من الشغل، ووشه باين عليه الإرهاق.

أول ما شاف المنظر اتخض:

“فيه إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كده ليه بالشنط والعيال؟ في مشكلة حصلت ولا إيه؟”

منى أول ما شافت أخوها، راحت عليه وبدأت تحكي:

“تعالى شوف يا حسام! شقتكم فيها حاجات غريبة وريحة قوية، وحاجة خوفتني جوة ، ومراتك بتقول إن فيه حاجات بتتحرك!”

حسام بصلي بذهول:

“حاجات إيه؟ أنا عمري ما قولتلك إني شفت حاجة يا شيماء! إنتي بتجيبي الكلام ده منين؟”

الأرض حسيتها بتلف بيا، وقلبي دق بسرعة، لأني نسيت خالص إني ورطت حسام في جملة هو مقالهاش.

وده طبيعي لجوزي اللي مبيفهمش التلميحات ولا بياخد باله من ألاعيب الستات، هو راجل صريح ودوغري زيادة عن اللزوم ومبيعرفش اللف والدوران.

قولتله وأنا بحاول أغمزله بعيني عشان يستوعب أو يسايرني:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى