
رجلي اتسمرت مكانها وأنا ببص للشنطة المحطوطة جنب الباب. كان شكلها زي التابوت اللي بيدفن فيه كل أمل فضلي في الحياة دي. الشنطة دي مكنتش مجرد قماش وسوستة، دي كانت إعلان صريح ومباشر إن سمر بتتخلى عن السقف اللي جمعنا، وإن النهاية اللي كنت بتهرب منها وصلت خلاص.
رفعت عيني بالعافية وبصيت في وشها. كانت واقفة وثابتة، ملامحها إنتحى منها الغضب والصراخ، وحل مكانه هدوء بارد ومخيف.. هدوء الست اللي اتخذت قرارها الأخير بعد ما أستنفذت كل طاقتها. الولاد مكنوش في الصالة، حسيت إنها دخلتهم الأوضة عشان ما يحضروش اللحظة المهينة دي.
قربت منها خطوة، وحسيت بصوتي بيطلع مكسور ومخنوق: “سمر.. الشنطة دي إيه؟ أنتِ رايحة فين؟”.
ردت عليا بصوت هادي وزي الثلج، صوت مفيش فيه أي نبرة حزن ولا عتاب: “أنا رايحة بيت أبويا يا إبراهيم. خلاص.. دوري هنا انتهى”.
جيت أقدم خطوة ثانية، ورفعت إيدي وأنا بترجاها: “سمر اسمعيني باللّه عليكِ! المصيبة انزاحت.. الحاج حسنين وقّفهم عند حدهم، والورق اتقطع كله، والنصابين غاروا في ستين داهية وما بقاش في تهديد على البيت ولا على الفلوس! كل حاجة رجعت زي الأول!”.
هنا سمر بصتلي، وارتسمت على شفايفها ابتسامة حزينة ومكسورة، وقالتلي: “رجعت زي الأول؟ أنت شايف إن كل حاجة رجعت زي الأول يا إبراهيم؟ أنت بجد فاكر إن المشكلة كانت في شوية الورق والبلطجية اللي كانوا على الباب؟”.
سكتت لحظة، ونفسها بدأ يعلى، وكأن الكلمات بتطلع بصعوبة من وسط جرحها المفتوح: “المشكلة مكنتش في الفلوس ولا في النصابين.. المشكلة كانت فيك أنت! المشكلة إن الراجل اللي أنا سلمته عمري، ووقفت معاه في الفقر قبل الغنى، وارتضيت بظروفه وشيلت اسمه وصنته في غيابه، طلع أول واحد يبيعني في أول منحنى. المشكلة إنك جريت ورا كلام صاحبك الرخيص، وعينك زغت على جمال صور، وبعت بيت كامل بمراته وعياله عشان شهوة يومين!”.
نزلت دموعها ببطء شديد على خدها، بس مسحتها بسرعة بظهر إيدها وهي بتكمل: “أنا حميتك من البلطجية ورجالة خالو وقفت معاك عشان ولادنا ما يتفضحوش وعشان اسم العيلة ما يطينش بالتراب، وعشان ما أشوفش أب ولادي مكسور أو محبوس.. ده حق العشرة وحق الولاد عليا. لكن حقي أنا؟ كرامتي أنا اللي أنت دوست عليها برجلك؟ وجع قلبي لما عرفت إنك بتنام في حضن واحدة ثانية ومفهمني إنك في شغل؟ ده مين يرجعه زي الأول يا إبراهيم؟”.
قعدت على ركبي قدامها على الأرض، ومسكت طرف جلبابها وأنا ببكي بحرقة مكنتش بكيتها في حياتي كلها: “سامحيني.. والله العظيم اتعميت، شيطاني ركبني وغفلت! أنا بقرف من نفسي كل ما بفتكر اللي عملته.. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أردلك كرامتك، مستعد أعيش خدام تحت رجليكي أنتِ والولاد، بس ما تهديش البيت وما تسيبيش الشقة.. اضربيني، اهينيني، اعملي اللي أنتِ شايفاه بس ما تبعديش!”.
سحبت طرف جلبابها من إيدي ببطء وبقسوة، ورجعت خطوة لورا: “اللي بيننا اتقطع يا إبراهيم.. والرباط اللي كان بيجمعنا اتكسر. أنت ما خنتنيش بس، أنت سرقت مني الأمان. أنا بقيت ببص في عينك وبشوف شخص غريب، مبقيتش بأمنلك ولا بأمن أعيش معاك تحت سقف واحد. كل ما هبص في وشك هافتكر خيانتك، هافتكر كذبك عليا وأنت بتبوس الولاد وبتقولي طالع شغل ورايح للعروسة الجديدة.. العيشة دي هتتحول لجحيم لينا إحنا الاثنين”.
في اللحظة دي، خرجوا الولاد من الأوضة، كانوا شايلين شنطهم الصغيرة. بصوا ليا وأنا قاعد على الأرض ببكي، وبصوا لأمهم. الولد الكبير قرب مني وقال ببراءة وكسرة: “بابا.. هي بابا وماما هيمشوا ويسيبوك؟ أنت زعلت ماما في إيه عشان نمشي؟”.
السؤال كان زي خنجر ثانٍ اترشق في صدري. مكنتش قادر أرد، مكنتش قادر أقوله إن أبوك هو اللي هد البيت بيده وخان الأمانة.
سمر وطت على الولاد، ومسكت إيديهم، وبصتلي النظرة الأخيرة قبل ما تمد إيدها وتاخد شنطتها الثقيلة. وقالتلي وهي واصلة عند باب الشقة: “أنا مش هحرمك من ولادك.. تقدر تشوفهم في أي وقت، والبيت ده هيفضل مفتوحلك لأنك أبوهم. بس حياتي أنا معاك كزوجة انتهت النهاردة. أنا هقعد في بيت أبويا، والمحامي هيتواصل معاك عشان نتفق على المصاريف ونرتب أمور الطلاق بالهدوء والستر، من غير فضايح عشان خاطر الولاد”.
فتحت الباب، وخرجت هي والولاد، وسمعت صوت خطوتهم وهي نازلة على السلم ببطء، لحد ما باب العمارة تحت اتقفل برزعة شديدة هزت أركاني.
فضلت قاعد على أرض الصالة لوحدي. الشقة اللي كانت مليانة ضحك ودفا وصوت ولاد وبوصلة بيت مليان حركة، بقت فجأة واسعة زي الصحراء، باردة ومظلمة وضلمة.
بصيت حوليا، لقيت بقايا لعب الولاد مرمية في الزاوية، وكوباية الشاي اللي كانت سمر صباهالي الصبح لسه فاضية على الترابيزة. حسيت بحجم الفراغ والدمار اللي صنعتوا بإيدي. عشان نزوة ورغبة طايشة وكلام صاحب خاين، خسرت مراتي الأصيلة، وبيتي الدافي، وضحكة ولادي في الصبحية.
قمت وقفت بالعافية، ومشيت بخطوات تقيلة ناحية أوضة النوم، رتّبت السرير اللي كان شهد على كذبي وخيانتي، وقعدت على طرفه وأنا حاطط رأسي بين إيديا.
تليفوني رن على الترابيزة. بصيت للشاشة ببطء.. كان رقم غريب مش متسجل عندي، بس النمرة كانت من بلد العروسة القديمة. مسكت التليفون وإيدي بترتعش، وفتحت الخط وأنا مش عارف المصيبة الجديدة اللي مستنياني في الرقم ده هتكون إيه…
مسكت التليفون وإيدي بترتعش، وحطيت السماعة على وذني وأنا حابس نفسي ومستني الصدمة اللي جاية عبر الخط. جه صوت نسائي متقطع ومبحوح، صوت كان باين فيه الخوف والكسرة، وميزته على طول رغم التوتر.. كانت “العروسة الجديدة”.
قالت بصوت بيرتعش وبيقطع في الكلام: “إبراهيم.. أنا آسفة، عارفة إنك بتكرهني ومش عايز تسمع صوتي، وعارفة إنك بتعتبرني مصيبة وخدعة في حياتك، بس أنا ماليش حد أكلمه غيرك بعد ما الدنيا كلها قفلت في وشي”.
رديت عليها بصوت مليان قهر وغل مكنتش قادر أكتمه: “أنتِ لسه فيكي بجاحة تتصلي بيّ؟ أنتِ وأخوكي والعصابة بتاعتكم ما كفاكمش اللي عملتوه فيّ وفي بيتي؟ أنتِ جيبتيلي خراب العش ودمّرتي حياتي وخلّيتي مراتي تسيبني وتطفش بولادي! عاوزة مني إيه تاني؟!”.
بدأت تبكي بحرقة وصوت عالي، وبكاءها مكنش تصنّع، كان فيه نبرة ضياع حقيقية: “والله العظيم أنا ماليش ذنب في كل اللي حصل! أنا كنت لعبة في إيد أخويا وأبوي وصاحبك فلان.. صاحبتك هو اللي خطط لكل حاجة من الأول، هو اللي اقترح عليهم يجوزوني لواحد ميسور زيّك عشان ياخدوا شبكة ومؤخر يسددوا بيه ديون أبوي لتاجر في البلد كان مهدد يحبسه! أنا اتغصبت على الجوازة دي تحت الضرب والتهديد، وكانوا بياخدوا مني التليفون ويخلوني أقول الكلام اللي سمعته عشان أثبت إن الشقة والورق يتكتبوا باسمي!”.
سكتت لحظة وكملت وهي بتتنفّس بالعافية: “أنا باتصل أقولك إن صاحبتك الخاين جه البلد النهاردة، ومسكت في أخويا بعد ما القعدة العرفية فضّت وعرف إن المخطط فشل وإنك قطّعت الورق. اتخانقوا مع بعض ضرب وشتائم، وصاحبتك بيهددهم إنه هيبعت للتاجر اللي عليهم فلوس يعرفه مكانهم، وأخويا ضربه وسابه ينزف في الشارع! أنا هربت من البيت النهاردة الصبح وجيت القاهرة عند واحدة صاحبتي، لأنهم كانوا عاوزين يجبروني أروح لراجل تاني كبير في السن في بلد مجاورة بنفس الطريقة! أنا حبيت أحرّك ضميري وأقولك خلي بالك من نفسك.. صاحبتك ناوي على شر، وبيقول إنه مش هيسيبك في حالك بعد ما أخد علقة وبوظت له السابوبة اللي كان هيطلع منها بفلوس!”.
الكلمات نزلت عليا زي المطرقة. الصورة اتضحت أكتر وأكتر، وعرفت إن القذارة مكنتش مجرد كذبة جوازة، دي كانت شبكة نذالة متكاملة غرق فيها صاحب عمري اللي امنته على سري ودخلته بيتي، وأنا بغبائي وشهوتي فتحت له الباب عشان يدمرني.
قلت لها بنبرة جافة وخالية من أي رحمة: “أنا مش عاوز أعرف عنك ولا عنهم أي حاجة تاني.. أنتِ وهما وصاحبي تروحوا في ستين داهية. أنا بيتي اتخرب، ومراتي سابتني، وولادي اتشتتوا، ومش فاضي لحواديتكم ولا لمشاكلكم. غوري من حياتي وما تتصليش بالرقم ده تاني أبداً!”.
قفلت الخط في وشها، ورزعت التليفون على السرير وأنا بجيب نفسي بالعافية. كان جسمي كله بياكلني من الغل. صاحبي الخاين مش بس نصب عليا وجابلي البلطجية لحد باب بيتي، ده كمان لسه ناوي على شر وبيخطط ينتقم مني بعد ما خطته المريضة فشلت في القعدة العرفية!
الغيظ والحرقة عموني. مكنتش قادر أقعد في الصالة الفاضية المظلمة دي وأنا شايف بقايا لعب ولادي وريحة سمر لسه في المكان. نزلت السارع زي المجنون في نص الليل، ومشيت في الشوارع مش عارف أنا رايح فين ولا بعمل إيه. كنت كأنني بواجه خيال صاحب الخاين في كل زاوية، عاوز ألاقيه وأطحن في عظمه وأخليه يدفع ثمن كل دمعة نزلت من عين سمر، وكل شهقة بكاء خرجت من صدور ولادي وهم ماشيين بالشنط.
فضلت ألف في الشوارع لحد الفجر، لحد ما رجلي أخدتني لبيت “الحاج حسنين”، خال سمر. وقفت تحت العمارة في البرد، ورنيت عليه من التليفون، ورغم الوقت المتأخر، الراجل رد عليا بصوت هادي ووقور.
نزلي تحت العمارة، وبص في وشي الشاحن وعيني المفهومة من العياط والسهر، وقال بصرامة: “إيه اللي جابك في الوقت ده يا إبراهيم؟ أنت مش قلت لك حسابك مع بيتك وبس؟ جاي تعوي تحت بيوت الناس ليه في الفجر؟”.
حكيت له كل حاجة، حكيت له عن مكالمة البنت، وعن اللي حصل بين صاحبي وأخوها في البلد، وعن تهديدات صاحبي الخاين إنه ناوي ينتقم مني ومن بيتي.
الحاج حسنين سمع بتركيز، وضغط على عصايته بصلابة وقال: “الندل لما ينكشف بيعض في كل اتجاه يا إبراهيم.. أنت فتحت باب القذارة بنفسك، والوسخ مش بيمشي بسهولة. بس طالما جه لحد عندي ولحد سمعة عيلتي، يبقى الحساب مش هيكون قعدات عرفية تاني.. صاحبك ده لازم يتربى ويكون عبرة، عشان يفهم إن رجالة القاهرة مش هفأ يتلعب بيهم ولا يتهددوا من عيّل بياع كلام!”.
كمل الحاج حسنين وهو بيحط إيده على كتفي بقوة، بس المرة دي كانت نبرته فيها تحذير أخير وصارم: “أنا هخلصك من التعلب ده للأبد وهخليه يختفي من حياتك وحياة المنطقة كلها بالقانون والأصول.. بس سمر وولادك قصة تانية خالص. سمر رافضة تبص في وشك، والمحامي بتاعنا بيجهز ورق النفقة والطلاق. لو أنت راجل بجد وعاوز تسترد بيتك اللي هدمته، لازم تظهر لها إنك اتغيرت، إنك بقيت راجل بيحمي بيته مش راجل بيجري ورا شهوته.. قدامك فرصة أخيرة يا إبراهيم، يا إما تجيب حق بيتك وتصلح النذالة اللي عملتها، يا إما تسلّم بالواقع وتعيش طول عمرك مكسور وعايش في الصالة الفاضية!”.
الكلمات كانت زي الوقود اللي اتصب في عروقي. بصيت للحاج حسنين وقلت له بنبرة مليانة إصرار ووجع: “أنا مستعد أعمل أي حاجة يا حاج.. مستعد أدخل الحرب دي وأطلع منها ميت أو أسترد كرامتي ورضا سمر وولادي. قل لي أعمل إيه وأنا تحت أمرك!”.
الحاج حسنين ابتسم ابتسامة خفيفة ومحسوبة، وقال بصوت واطي وهو بيبص ناحية السلم: “بكرة الصبح.. هنعمل فخ للندل ده، وهنخليه يجيب آخره برجله لحد عندنا!”.
طلع الصباح بحمل ثقيل وقاتم، لكنه كان مصحوباً بوهج غريب من الإصرار لم أعرفه في حياتي من قبل. لم أعد ذلك الرجل الضعيف الذي يساق بخيوط الشهوة والوهم؛ كنت رجلاً أدرك أنه في معركته الأخيرة، إما أن يسترد شرفه وكرامته وبيته، أو يندثر كلياً في ركام أخطائه.
اجتمعت مع الحاج حسنين ومحامٍ كفء من معارفه في مكتبه الصغير بالحي. الخطة كانت محكمة ولا تحتمل الخلل: استخدام نقطة ضعف صاحب الخائن الوحيدة، وهي الطمع والجشع. أرسلنا له رسالة نصية عبر المحامي، نبلغه فيها بأنني تحت ضغط الفضيحة والخوف من محاكم التبديد، وافقت على تسليمه مبلغاً مالياً كبيراً نقداً كـ “ترضية ووساطة” مقابل تسليم كافة الأوراق والمستندات وإمضاء إقرار قانوني بإنهاء أي مطالبيات، بشرط أن يتم التسليم يداً بيد في مكتب المحامي بالقاهرة لضمان السرية.
الخبر نزل على عقله المريض كالشهد. لم يفكر مرتين، ورأى في العرض فرصة لتعويض خسارته في البلد واقتطاع غنيمة باردة مني قبل أن يختفي. اتفقنا على الموعد في ساحة المكتب في خفايا الظهيرة.
قبل ساعة من الموعد، وقفت سمر على باب المكتب. كانت تحضر بناءً على طلب خالها الحاج حسنين لترتب بعض الأوراق الرسمية، ولم تكن تعلم أنني هناك. عندما التقاطعت أعيننا، ارتبكت وعادت للوراء خطوة، ملامحها ما زالت جداراً من الجليد الحزين. لم أنطق بكلمة، ولم أقترب؛ اكتفيت بنظرة انكسار ورجاء، وقفت بعيداً في الزاوية كمتهم ينتظر القصاص.
في تمام الموعد، دخل الخائن بخطوات متبجحة، عينيه تطوفان في المكان بحثاً عن صرة المال. كان يحمل في يده حقيبة سوداء صغيرة بها بقايا الأوراق المتبقية وبعض التهديدات المكتوبة. دخل وقال بابتسامة صفراء مليانة لؤماً: “أهلاً يا إبراهيم.. كويس إنك عقلت وعرفت إن شراء دماغك بالفلوس أرخص بكثير من الفضايح والسجون!”.
في تلك اللحظة، خرج الحاج حسنين من الأوضة الداخلية، وخلفه ضابط شرطة واثنان من رجال المباحث بالزي المدني.
تأرجحت الألوان في وجه الخائن، وتجمدت الابتسامة على شفتيه كأنها قناع من الشمع المنصهر. جف حلقوم كلامه وسقطت الحقيبة من يده. قرب الضابط منه وواجهه بتسجيلات الصوت الموثقة، وبلاغ رسمي مقدم




