
سكتت منى للحظة، وبصت في عيني أوي وكأنها بتاخد قرار هيغير حياتنا كلها، وقالت بنبرة هادية بس واضحة:
“الشقة الجديدة دي يا طارق.. خطوة كويسة منك، بس الحيطان مابتداويش القلوب اللي اتكسرت. أنا مش هرفضها عشان دي حق بنتك وأمانها، بس مش معنى كده إننا رجعنا. أنا هروح بيت ماما دلوقتي، والوقت هو اللي هيثبتلي إذا كنت اتغيرت وبقيت راجل تقدر تحمي بيتك وتدير حياتك بنفسك، ولا لسه طارق القديم. بنتك تقدر تشوفها في أي وقت، بس حياتنا سوا.. لسه قدامها اختبارات كتير.”
كلامها مكنش الرفض القاطع اللي يخليني أيأس، ولا كان الموافقة السهلة اللي تنسيني الغلطة.. كان فرصة تانية، فرصة مشروطة بـ “الوقت والأفعال”.
خالها المستشار هز راسه بالموافقة وقال:
“كلام عاقل يا بنتي.. ياللا بينا عشان البت متشمش هوا ساقع.”
مشوا، وأنا واقف مكاني، بس المرة دي مكنتش واقف زي المغفل ولا المكسور، كنت واقف وعندي أمل، حاسس إن ربنا أداني فرصة تانية عشان أصلح خيبتي.
أمي قربت مني، حطت إيدها على كتفي وقالت بدموع ونبرة كلها ندم وصوت واطي:
“أنا السبب يا طارق.. أنا اللي جيت على مراتك وعميت عيني الغيرة والجهل.. أنا من بكرة هلم هدمي وأرجع البلد يا ابني.. اقعد في شقتك الجديدة، وابدأ حياتك، وعمر بيتك، وصالح مراتك.. أنا مش عايزة أكون السبب في خراب بيتك.. بس ابقى خليني أشوف ليلى من وقت للتاني، ومتحرمنيش من ريحتك.”
بصيت لأمي، وعلى قد الوجع اللي عيشتهوني، مكنش ينفع أقسى عليها.. بوست راسها وإيدها وقلت لها:
“أنتِ أمي يا حاجة، ومقامك هيفضل كبير.. بس كل واحد فينا لازم يعرف حدوده فين.. هترجعي البلد ترتاحي، وأنا كل أسبوع هاجي أزورك، بس حياتي وبيتي ومراتي خط أحمر ومحدش هيدخل فيهم تاني.”
عدى شهر ورا شهر.. حياتي اتقلبت 180 درجة.
نقلت حاجتي وعفشي الجديد في شقة التجمع، وبقيت بشتغل ليل نهار في المعرض عشان أسدد الأقساط وأوفر لـ منى وليلى كل اللي يحتاجوه. كنت بروح بيت حماتي في المعادي تلات مرات في الأسبوع.. مكنتش بدخل غير بـ إذن، ومكنتش بفتح أي موضوع للرجوع. كنت بقعد مع ليلى، ألاعبها، أأكلها، وأشيل عنها شوية.. ومنى كانت واقفة من بعيد، بتراقب تصرفاتي، بتشوف طارق وهو بيتحمل المسؤولية لأول مرة كـ أب وكـ راجل بيت.
حماتي، طنط هدى، بدأت تلين معايا.. وبقت تعملي الشاي، وتقعد تتكلم معايا في الشغل وأحوال الدنيا، وأمي في البلد كانت بتكلم منى في التليفون كل أسبوع، تسأل على البنت بـ أدب شديد وبصوت مكسور، ومنى كانت بترد عليها بـ أصول واحترام وبدون قسوة.
لحد ما جه يوم.. ليلى كملت فيه أول سنة من عمرها.
عملنا حفلة عيد ميلاد صغيرة في بيت حماتي، اقتصرت عليا وعلى حماتي وخالها، ومنى.. البنت كانت زي الملاك، بتتحرك وتمشي خطوتين وتقع، ولابسة فستان منفوش. وأنا واقف بصورها بالموبايل، لقيت منى قربت مني، كانت واقفة جنبي وريحتها اللي وحشتني مالت الأوضة.
بصت لـ ليلى وقالت بصوت واطي:
“ليلى بقى عندها سنة يا طارق.. وبقت بتفهم.. وبتناديك ‘بابا’ لما بتشوف صورتك.”
لفيت وشي ليها وقلبي بيدق زي الطبل: “منى.. أنا بقالي سنة كاملة عايش في شقة كبيرة لوحدي.. مفيهاش غير روحك وروح بنتك.. أنا اتعلمت الدرس ودفعت تمنه من دمي وأعصابي.. مش حان الوقت نرجع ليلى لـ بيتها؟”
منى بصت في عيني طويلة.. نظرة مكنش فيها التلج بتاع زمان، كان فيها لمعة دافية، سكتت للحظة وطلعت من جيبها مفتاح.. حطته في إيدي وقالت:
“ده مفتاح شقة التجمع اللي أنت ادهولي في المستشفى.. أنا روحت هناك الأسبوع اللي فات مع ماما، وفرشت الأوضة الباقية لـ ليلى، ونظفت الشقة.. إحنا هنرجع يا طارق.. بس هنرجع بـ شروط جديدة، وبـ كتاب مفتوح.. مفيش فيه سر، ومفيش فيه حد له كلمة علينا.. موافق؟”
بست إيدها قدام خالها وحماتي وأنا مش مصدق نفسي من الفرحة، ودموعي نزلت.. “موافق يا منى.. موافق على أي حاجة.”
بعد أسبوع، كنا بننقل الهدوم لشقتنا الجديدة.. الشقة كانت منورة بوجودهم. رجعنا سوا، وبدأنا صفحة جديدة خالص.. بس الدنيا مابتسيبش حد في حاله، وفي أول ليلة لينا في الشقة الجديدة، وإحنا قاعدين بنتعشى وبنضحك مع ليلى، الباب خبط بقوة وفزع.
جريت فتحت الباب.. لقيت جاري من البلد واقف، وشه أصفر وبيعرق، وأول ما شافني مسك فيا وهو بيترعش وقال بصوت مرعوب:
“ألحق يا طارق! الحاجة فاطمة أمك.. جالها جلطة مفاجئة في المخ وهي لوحدها في البيت، والبلد كلها مقلوبة عليها ونقلوها مستشفى المحلة العام، والدكاترة بيقولوا أيامها معدودة ولازم تيجي حالاً!”
حسيت إن الدنيا اسودت في وشي تاني.. لفت وجسمي بيترعش وبصيت لمنى اللي كانت واقفة ورايا وسامعة كل كلمة، وعينيها برقت بالصدمة..
الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة.. جلطة في المخ؟ وأيامها معدودة؟
بصيت لجاري وأنا مشلول، ورجلي مش شايلاني. أمي.. الحاجة فاطمة اللي شقيت عليا وعملت مني راجل، الست اللي رغم كل اللي عملته كانت دايماً شايفة إنها بتعمل الصح لمصلحتي.. بتموت لوحدها في البلد؟ الندم أكل قلبي في ثانية؛ لأن السنتين اللي فاتوا كنت ملهي في تصليح بيتي ورضا مراتي، ومكنتش بروح لها البلد غير خطف، وهي كانت دايماً بتكلمني بصوت مكسور وتقولي: “تعال يا طارق نفسي أشوفك”، وأنا أقولها: “الشغل يا أمي وأقساط الشقة”.
لفيت وشي وأنا منهار ودموعي مغرقة وشي وبصيت لمنى. منى كانت واقفة وشايلة ليلى على حجرها، ملامح الصدمة كانت على وشها. كنت خايف من رد فعلها.. خايف تقول لي “متجيبش سيرتها” أو “دي ذنوبها وربنا بيخلص منها”.
قربت منها وأنا برتعش وقلت بصوت ضايع: “منى.. أمي بتموت.. أنا لازم أسافر المحلة حالا.. مش هأخرك معايا، هسيبك هنا في الشقة مع البت، بس ادعي لها.. بالله عليكِ ادعي لها بالرحمة.”
منى بصتلي نظرة طويلة، مكنش فيها أي شماتة، بالعكس.. شفت في عينيها نظرة الست الأصيلة اللي بتبان وقت الشدة. حطت ليلى بالراحة على الكنبة، وقامت وقفت قدامي، وحطت إيدها على كتفي وقالت بحسم وقوة:
“أنت بتقول إيه يا طارق؟ أسيبك تسافر لوحدك في الظرف ده؟ أمك تعبت وغلطت في حقي اه، بس هي في الأول والآخر الست اللي كبرتك وعملت منك الراجل اللي أنا واقفة معاه دلوقتي.. والرسول وصى على الأم تلات مرات. أنا هلبس وهلم هدوم ليلى، وهنسافر معاك المحلة حالا.”
مبقتش مصدق وداني.. منى؟ منى اللي انضربت واتهانت من أمي، هي اللي بتقول نسافر حالا؟ بوست راسها وأنا ببكي: “ربنا يخليكِ ليا يا بنت الأصول.. عمري ما هنسالك الموقف ده طول ما أنا عايش.”
في ظرف نص ساعة، كنا في العربية، وطايرين على طريق المحلة. الطريق كله كان عبارة عن كابوس، وأنا سايق وببكي وبدعي: “يارب ألحقها.. يارب متموتش وهي زعلانة مني.. يارب متموتش وحاسة إنها لوحدها.” ومنى كانت قاعدة جنبي، ماسكة إيدي وبتهديني، وبتقرأ قرآن بصوت واطي يطمن القلب، وليلى نايمة في الكرسي الوراني مش دارية بالدنيا.



