
قبل ما سامح يلحق يرد، ونتيجة للضغط العصبي والخوف الرعب إنها تتفضح قدام ابنها وتظهر حقيقتها، نطت حماتي من على الكنبة بسرعة غريبة جداً لست “عجوزة وتعبانة وبتموت”! وقالت بصوت عالي وهي بتدعي التعب:
“أنا رايحة أوضتي.. أنا مش هقعد في مكان فيه ريحة السم دي.. سبوني في حالي!”
وسابتنا ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح بقوة.
مفاجأة تحت السرير
سامح بص لي بغضب وقال: “عاجبك كده يا نيرة؟ أمي هيموتها القهر بسبب طريقتك دي! إنتِ ليه مصرة تعانديها؟”
بصيت لسامح بعيون كلها ثقة وتحدي، وقربت منه خطوة:
“يا سامح.. أمك مش تعبانة، أمك بتكدب.. وعشان تثبت لنفسك إني مش بتبلى عليها، تعالى معايا الأوضة جوه.”
“أوضة إيه وجنون إيه؟ سيبيني في حالي!”
“لو مخدتش خطوة معايا دلوقتي وفتحت عينك، هتعرف أنا ليه عملت كده.”
سحبته من إيده غصب عنه ودخلنا أوضة النوم بتاعتها (اللي كانت مقفولة دائماً بحجة إنها خلوة عبادتها وتعبها). قربت من الدولاب ومن السرير، وقلت لسامح:
“افتكر كده.. زمان لما رميت قطتي ‘سمسم’ في الشارع عشان أمك قالت إن شعرها بيموتها… أنت صدقتها فوراً، صح؟”
“أيوه، طبعاً صدقتها، أمي عمرها ما تكذب!”
“طيب شوف كده إيه ده تحت السرير!”
نزلت على ركبي، وشديت كرتونة كبيرة كانت مخبأة بعناية تحت سرير حماتي. فتحت الكرتونة قدام عيون سامح اللي اتسعوا من الصدمة لحد ما كادوا يطلعوا بره راسه!
الصدمة الكبرى
الكرتونة مكنتش فاضية، دي كانت مصنع أسرار:
* زجاجات البرفان الغالية اللي أنا اشتريتها زمان وقالت إنها جابت لها أزمات ربوية، لقيتها سليمة ومقفولة ومرصوصة جوه الكرتونة.
* كريمات البشرة الغالية اللي اتخانقنا بسببها، موجودة برضه بنفس اللزقة اللي أنا حطيتها.
* حتى “ملايات السرير” القديمة اللي ادعت إنها عملت لها حساسية بقع وحكة، لقيتها متطبقة ونضيفة ومخبأة تحت هدومها!
سامح وقف مذهول، عينه تروح للكرتونة وتروح لي، ومش قادر ينطق بحرف واحد. صوته طلع مكسور:
“إيه… إيه ده؟ إيه اللي جاب الحاجة دي هنا؟”
قلت له بصوت حازم مفيش فيه أي تراجع:
“الحاجة دي يا سيدي، اللي أمك كانت بتمثل إنها بتموت منها، كانت بتسرقها وتخبيها هنا عشان تاخدها لنفسها أو تبيعها، وكل ده عشان تطلعني أنا الشريرة وتطفشني من البيت زي ما عملت قبل كده مع قطتي ومع حياتي كلها! ها.. لسه مصدق إن أمك غلبانة وعيانة؟”
سامح سكت تماماً، ووشه اتقلب للون الأصفر. الحقيقة نزلت عليه كالصاعقة، وبان على وجهه الندم والكسرة.
الجزء الاخير
سامح كان واقف متسمر مكانه، عيونه مثبتة على الكرتونة اللي مليانة بكل الحاجات اللي أمه ادعت إنها بتموت منها. شفايفه كانت بتترعش مش عارف ينطق بكلمة واحدة، والصدمة كانت أثقل من إنه يستوعبها. سنين وهو بيزعق لي، ويجيش عليا، ويسمع كلام أمه ويصدق دموعها، وفي الآخر يطلع كل ده “تمثيلية رخيصة” لهدف واحد: طردي من البيت!
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه بحزم وقبل ما ينطق بحرف قلت:
“شايف يا سامح؟ دي الست الطيبة العيانة اللي كنت بسبسب لي عشانها.. دي اللي رمت قطتي ‘سمسم’ في الشارع وخلتني أعيش سنين مقهورة عليها.. دي اللي خلتنا نطلق ورجعت تاني تكرر نفس اللعبة عشان تزهقني!”
سامح دموعه نزلت غصب عنه، حس بقهر وعار من نفسه، وبصوت مكسور قال:
“أنا.. أنا كنت غبي.. كنت أعمى.. أنا أسف يا نيرة.. أسف.”
قبل ما أرد عليه، سمعنا صوت خربشة خفيفة بره الأوضة، وصوت “نعيمة” وهي بتدحرج على الأرض وبتصرخ بصوت عالي:
“الحقوني.. بموت.. قلبي بيتقطع يا سامح!”
المواجهة الكبرى في الصالة
خرجنا إحنا الاتنين بسرعة على الصالة. لقينا نعيمة واقعة على الأرض، ماسكة صدرها وبتتلوى كأنها في سكرات الموت. بس المرة دي، مكنش فيها أي خوف من التمثيل، دي كانت صدمة إن خبيئتها اتكشفت وإننا خرجنا من أوضتها فجأة.
سامح وقف قدامها، مبقاش نفس الابن المطيع اللي بيجري يخاف عليها وهو مرعوب. بص لها بعيون كلها غضب ووجع، وقال بصوت عالي هز الشقة كلها:
“بطلي تمثيل يا ياما.. خلاص.. اللعبة انتهت!”
نعيمة فتحت عينها بصدمة، ووقفت فجأة من على الأرض وكأن مفيهاش أي حاجة، وقالت بغضب وبرود غير مألوف:
“إنت بتكلم أمك كده يا سامح؟ عشان خاطر الست الهانم دي؟ ما هو أنا عملت كل ده عشان أعرفك إنها مابتنفعكش.. دي بتكرهني وعايزة تاخدك مني!”
قربت منها وأنا باصص في عيونها مباشرة، وبكل ثقة قلت لها:
“أنا مخدتش ابنك منك يا طنط.. هو اللي كان مغمض عينه عن حقيقتك.. بس للأسف، مسرحيتك خلصت، والستار انزلق للأبد.”
سامح بص لأمه وقال لها بكلمات قاطعة كالسيف:
“مينفعش اللي عملتيه ده يا ياما.. ظلمتي نيرة سنين، وضحكتِ عليا، وخلتيني أظلمها وأطلقها زمان.. أنا أسف، بس كفاية لحد هنا.”
نهاية اللعبة وبداية جديدة
نعيمة لقت نفسها اتكشفت تماماً، فبدأت تلعب ورقة الدموع الحقيقية: “يعني هتعطوا ظهركم لأمكم عشان حتة بت؟ طيب أنا ماشية، هسيب لكم البيت وامشي في الشارع!”
بصيت لسامح واستنيت رد فعله. هل هيقع في الكدبة الجديدة، ولا هيقف في صف الحق لأول مرة في حياته؟
سامح أخد نفس عميق، وبص لأمه وقال:
“البيت ده بيتك يا ياما، بس مش على حساب ظلم مراتي.. ولو ناوية تكملي في الحركات دي، يبقى لازم تشوفي حل مع نفسك، لأن أنا ونيرة هنفتح صفحة جديدة مبنية على الصدق وبس.”
نعيمة دخلت أوضتها وهي بتبرطم بغضب، وقفلت الباب وراها بخبطة شديدة.
أما أنا.. فوقفت جنب سامح، وحسيت إن تمن الوجع اللي عشته سنين، وغياب قطتي “سمسم” اللي مكنش له عوض، أخيرًا جاب نتيجة.. قدرت أفك قيود “الحساسية المزيفة” وأعالج البيت كله من مرض الكذب والتمثيل.
بعد اليوم ده، البيت اتقلب 180 درجة. نعيمة (حماتي) لزمت حدها تماماً؛ الصدمة وإن ابنها كشفها قدام عينه كسرت شوكة التمثيل عندها، وبقت تكتفي بالسكوت والبرطمة من بعيد من غير أي صراخ أو ادعاء للحساسية الوهمية. سامح من ناحيته، مبطلش اعتذار ومحاولات عشان يرضيني ويعوضني عن سنين الظلم والوجع اللي عشتها معاه بسبب أمه.
بس في حاجة جويا مكنتش بتنطفئ بسهولة… “سمسم”، قطتي القديمة اللي اتربت في حضني عشر سنين واترمت في الشارع بليلة ضلمة من غير ذنب. الوجع ده كان لسه سايب غصة في قلبي.
مفاجأة سامح الكبرى


