
“أنا صلاح الدين.. المهندس صلاح الدين اللي أمه وأخته النرجسيين حسدوه ودمروا حياته ونسبوا له الجنون لما رفض يمشوا كلامهم عليه ويسرقوا حقه! بقالي سنتين عايش وسطكم بتمثيلية المجذوب عشان أهرب من شر أهلي ومن حقد الناس، وعشان أكتشف أصل كل واحد في المنطقة دي! ولما شفت البنت الشريفة دي وهي بتعاملني برحمة وإنسانية وأنا في نظر الكل ‘كلب في الشارع’، عرفت إن ربنا بيجازيها بيّا.”
في اللحظة دي، دخلت حارتنا ثلاث عربيات جيب سودا أحدث موديل، وقفت عند أول الفرح. نزل منها راجل كبير في السن باين عليه الثراء والهيبة، ومعاه رجلين ببدل أنيقة، وقربوا من الكوشة بخطوات ثابته. الراجل الكبير قرب من صلاح وطأطأ رأسه باحترام وقال بصوت سمعوا الكل:
“باشمهندس صلاح الدين.. الشريحة والأوراق القانونية جاهزة، والشركة وأملاكك كلها اتجلت ورجعت لحضرتك بالقانون بعد ما أثبتنا أهليتك العقلية أمام النيابة اليوم، وقضايا النصب على أهلك صدر فيها أوامر ضبط وإحضار.”
المكان اتزلزل! الناس بقت تبص لبعضها وتهمس بذهول، وأم حمدي وشها بقى أصفر زي الليمونة، وأخته رجليها ما بقتش شايلاها.
صلاح بص لأبويا وقال بكل احترام وأدب:
“يا عمي.. أنت حلفت إنك تجوزها لأول حد يطلبها حتى لو كان ‘كلب’، وأنا قبلت ودخلت بيتك بشكلي ده عشان أوفي بحلفانك وما أكسرش كلمتك قدام الناس. بس ابنك صلاح الدين مهندس ديكور، ورجل أعمال، وفي كامل عقله، ومستعد أوزن نوال دهب وأخليها ست الكل، وأحميها بروحي من أي ندل يفكر بس يضايقها!”
أبويا عينيه اغرورقت بالدموع، وجري على صلاح حضنه بحرارة وهو بيستغفر ربنا ويقول: “يا كرمك يا رب.. يا فرجك بعد الضيق!”
لف صلاح لحمدي وأمه وأخته، اللي كانوا بيحاولوا ينسحبوا بالراحة من الفرح من كتر الخزي والكسفة، ونادى بعالي صوته في المايك:
“استنوا عندكوا! أصل العزومة لسه مخلصتش! أنتوا جيتوا عشان تتشمتوا وتتريقوا؟ طب شوفوا بقى العروسة اللي قلتوا هتشحت بيها عند الإشارة.. نوال من بكرة هتبقى شريكة في أكبر شركة تصميمات، وهتكون ست البنات وتاج رأسي.. أما أنت يا حمدي، فمن بكرة الصبح المحامي بتاعي هيفتح ملف القضايا اللي رفعتها على نوال عشان تتنازل عن حقوقها، وهتدفع كل مليم بالقانون، وهتدوقوا الذل اللي ذقتوهولها أضعاف!”
الشارع كله انفجر بالتسقيف والزغاريد، والناس اللي كانت بتضحك بقت تعاير حمدي وأهله اللي خرجوا يجروا أذيال الخيبة والكسفة وسط صيحات الاستهجان من أهل الحارة.
صلاح بصلي، وابتسم ابتسامة هادية مليانة حنية وأمان، وقال بصوت واطي ما حدشسمعه غيري:
“معلش يا نوال.. خضيتك وسيبتك تبكي، بس كان لازم الصدمة تكون في وقتها قدامهم كلهم عشان حقك يرجعلك مثلث.. من النهاردة مفيش دموع تاني، ولا فيه خوف.”
في اللحظة دي بس، حسيت إن ربنا ما بيضيعش حق حد، وإن الابتسامة والرحمة اللي كنت بسبق بيها لصلاح وأنا فاكراه محتاج، كانت هي السبب إن ربنا يبعتهولي نجدة وسند يغير مجرى حياتي كلها.


