
نزلت على بيت أهلي، وأول ما الباب اتفتح وشافوني بالشنطة والدموع في عيني، ابويا اتخض وأمي خدت البنت من حضني. حكيتلهم كل حاجة من أول دموعه عليها لحد سرقة الدهب والفلوس وصوره اللي مالية النت. أبويا وشه اتغير وبان عليه الغضب، قالي بكلمة واحدة: “حقك وحق بنتك مش هيضيع منه مليم، والراجل اللي يمد إيده على مال مراته ويجحد فضلها ميتأمنش عليه لا عرض ولا بيت”. ثاني يوم الصبح من النجمة، كنت عند محامي شاطر ومعايا كل الأدلة: كشوفات الحسابات والتحويلات اللي بالدقيقة والثانية لحساب سمية، وفواتير الدهب المسروق بصورها، وشهادات إثبات الدخل لمشروعه اللي كبر وخيره عمّ على غيري.
في نفس اليوم اترفعت ضده قضايا تبديد، وتمكين من مسكن الزوجية بحكم إني حاضنة، ودعوى رد مبالغ مسروقة ونفقة محترمة للبنت تكسر ضهره. غيرت باسوردات حساباتي البنكية، وقفلت كل كارت كان معاه، ولغيت البصمة تماماً من على جهازي. بعد يومين اتنين، بدأ التليفون يرن وما بيبطلش. منير كان بيكلمني وهو مرعوب، التحويلات وقفت، والفيزا بتاعته اتجمدت بعد ما اتسحبت منها مبالغ لتسديد الديون، والإنذارات بالقضايا نزلت على عنوان بيته وعنوان مشروعه زي الصاعقة.
الهانم سمية أول ما حست إن الفلوس وقفت وإن داخل على حوارات محاكم ومشاكل، بدأت وشها الحقيقي يبان، ومطالبها مبتخلصش، والشبكة اللي كانت فرحانة بيها بقت مهددة إنها تتحرز أو يدفع تمنها من لحمه الحي. فتح عليا في مكالمة وصوته مليان غل ممزوج بذل: “إنتي بتعملي فيا كده ليه؟! عايزة تخربي بيتي وتفضحيني قدام الناس وعيلتي وعيلة عروستي؟! اتقي الله ده أنا أبو بنتك!”.
رديت عليه ببرود مكنتش متخيلة إنه عندي، قلتله: “أنا مكنتش بخرب بيتك، إنت اللي خربته لما سرقتني ورخصتني.. اللي اتدلع بشقايا يدفع تمنه، وسمية اللي كنت بتعيطلي عليها خليها تنفعك وتدفعلك للمحاكم، دهبي وفلوسي وحق بنتي هيرجعوا بالقانون مليم مليم.. وخلي العروسة تفرح بالراجل اللي على الحديدة”. قفلت السكة في وشه وعملتله بلوك، لأول مرة من سنين أتنفس وأحس إني مش مكسورة، وإن الضعيفة اللي كانت بتطبطب عليه ماتت، وطلعت مكانها واحدة تانية خالص هتاخد حقها تالت ومتلت.
الأيام اللي بعدها كانت عبارة عن كابوس بيلف حوالين رقبته لوحده. الإنذارات القضائية وصلت لشغله وشركائه، والمحامي بتاعي حاصر كل مليم يملكه بحجوزات قانونية عشان النفقة والتبديد والسرقة المثبتة بالتحويلات البنكية. منير مبقاش ملاحق، مشروعه اللي افتكر إنه كبر بيه بدأ يتهز بسبب القضايا وسمعته اللي بقت في الأرض قدام الموردين والعملاء، والفلوس اللي كان بيغرق بيها حبيبته فجأة نشفت تماماً.
وهنا بقى ظهر المعدن الحقيقي للحب القديم؛ “سمية” أول ما لقت الحنفية اتقفلت، ومبقاش فيه فسح في مطاعم غالية، ولا شوبنج بآلاف، ولا قاعة فخمة للفرح، وسمعت إن عليه قضايا تبديد وممكن يتحبس، انقلبت عليه 180 درجة. عرفت من ناس قرايبنا إنها عملتله فضيحة في وسط الشارع ورمتله الشبكة في وشه، وقالتله: “أنا مخدش واحد مديون وعليه قضايا ومحاكم وهيجرجرني معاه للفقر.. أنا أتجوز سيد سيدك!”.
وسابته للمرة التانية، بنفس القسوة والندالة اللي سابته بيهم زمان، بس الفرق المرة دي إنه خسر كل حاجة معاها: خسر بيته، وبنته، والست الأصيلة اللي سندته، وسمعته وفلوسه. بعد أسبوعين اتفاجئت بيه واقف تحت بيت أهلي في عز الظهر، شكله مبهدل، دقنه طالعة، وعينيه مكسورة ووارمة من العياط بجد، مش دموع التماسيح بتاعت زمان. كان واقف مستني بالساعات في الشارع زي الشحات لحد ما نزلت مع أبويا عشان نروح مشوار.
أول ما شافني جرى عليا ورمى نفسه على الأرض قدام رجلي ورجل أبويا، وعياطه سمع الشارع كله: “أبوس إيدك سامحيني.. أبوس إيدك يا أم بنتي متخربيش بيتي، سمية دي شيطان وراحت لحالها، أنا اتعميت واتغفلت، والله العظيم هدفعلك كل قرش وهرجعلك الدهب وفوقه راسي، بس بلاش حبس، بلاش تبعدي بنتي عني، أنا ماليش غيركم!”.
بصيتله من فوق لتحت بجمود مكنتش أتخيله في نفسي، مبقاش جواه أي ذرة شفقة أو تعاطف مع دموعه اللي زمان كانت بتقطع في قلبي. رديت عليه بصوت واطي وثابت هزه: “دموعك دي وفرها للمحكمة، إنت مسرقتش دهبي وفلوسي بس يا منير.. إنت سرقت أماني وكسرت بنتك، وسمية مكنتش شيطان لوحدها، إنت اللي خنت وبعت اللي صانتك برخيص. اللي انكسر ميتصلحش، والقانون هو اللي هيحكم بينا.. والفلوس والدهب هتدفعهم غصب عنك، مش كرم منك”.



