
صوت تكة الكالون الجديد وهو بيقفل كان عامل زي طلقة رصاص نزلت قطعت كل حبل كان رابط طارق بالبيت ده.
طارق فضل متسمر في مكانه لثواني، عقله عاجز يستوعب إنه بره الشقة، في مدخل السلم، بفوطة مبلولة على وسطه وشعره بينقط مية على كتفه السقعان. البرد لسع ضهره، بس لسعة الفضيحة كانت أشد ميت مرة من برد أمشير.
مد إيده بتردد مسك أوكرة الباب المصفح وهزها بكل عزم ما فيه، الأوكرة كانت حديد ميت مابتتحركش. بسمة! افتحي يا مجنونة! افتحي الباب ده وبطلي هبل، سامعة؟! افتحي بدل ما أكسر الباب ده على نفوخك ونفوخ عيالك!
ما كملش جملته ولقى باب شقة الحج فتحي في الوش، في الدور الرابع، بيوارب بالراحة. الحج فتحي، راجل على المعاش مابيعديش هفوة في العمارة، طلع نضارته من جيب جلابيته الصوف ولبسها، وبص لطارق من فوق لتحت بذهول: لا حول ولا قوة إلا بالله.. خير يا باشمهندس طارق؟ إيه اللي موقفك كده بحالتك دي على السلم بعد المغرب؟ هدومك فين يا بني؟!
طارق وشه احمر وبقى زي دم الغزال، سحب حتة من الفوطة يغطي بيها صدره اللي بيترعش، وصوته طلع متهدج ومشروخ: لا يا حج فتحي.. مفيش حاجة.. الباب رد عليا بالغلط وأنا بنشر حاجة في البلكونة.. قصدي بطرد قطة.. بسمة جوة نايمة بس ومسمعتش..
باب مين اللي رد يا بني والكراتين دي كلها مرمية على بسطة السلم؟! دي عزال كامل أهو! الشنط دي إيه يا طارق؟
في اللحظة دي بالظبط، تليفون طارق، اللي مرمي في جيب الجاكيت الكحلي فوق واحدة من الكراتين، صرخ برنته العالية بنغمة مخصوص عاملها لأمه. الشاشة نورت في العتمة باسم ست الحبايب.
طارق وطى على الكرتونة زي الحرامي، كتم الموبايل بسرعة في إيده، وبص للحج فتحي وقال بصوت واطي ومخنوع: ثواني يا حج بعد إذنك.. مكالمة شغل مهمة.
دخل طارق اتحشر في الزاوية اللي جنب ماسورة الغاز عشان يداري لحمه من عينين الراجل، وفتح الخط بصوت بيترجف: أ.. ألو.. أيوة يا ماما. صوت مديحة طلع من السماعة فج، عالي ومستعجل وفيه نبرة الأمر المعتادة: إنت فين يا طارق؟! السواق بتاعي مستني تحت بيتك بقاله نص ساعة! إنت نسيت إن عزومة بكرة دي هيبدأ تجهيزها من الليلة؟ الأجبان لازم تترص واللحمة تتبل! إنت لسه ما نزلتش ليه يا بني بالحاجة؟! الضيوف هيجوا الضهر، عايز تفضحني؟!
طارق بلع ريقه اللي كان ناشف زي الحطب، عينه جت على باب الشقة اللي جوه منه تلاجة متقفلة بالمفتاح فيها شقى دمه وفلوس السلفيات اللي استلفها من معارفه عشان المنظرة: يا أمي.. اسمعيني بس.. حصل ظرف كده.. العربية.. العربية عطلت وأنا مروح.. مديحة قاطعته بحزم وزعيق هز ودنه: عربية إيه وزفت إيه؟! إنت بتهزر؟! أنا قايلة للهوانم إن ابني مهندس كبير وجايب بوفيه مستورد مخصوص لصالون الثقافة! اتصرف، خد تاكسي، أجر عربية نص نقل، المهم الحاجة تكون في تلاجتي قبل ما الساعة تدق عشرة، وإلا لا إنت ابني ولا أعرفك!
الخط قطع في وشه.
طارق حس إن الدنيا بتلف بيه. قعد على كرتونة من الكراتين وهو ماسك راسه بإيديه الاتنين، الفوطة بدأت تفك من على جنبه، والهوا الساقع دخل في عظامه. بص في كرتونة هدومه، شد بنطلون ترنج قديم كان محطوط على الوش، لبسه بالعافية ورجله بتترعش، ولبس تيشرت نص كم، وقعد يخبط على باب شقته تاني بقبضة إيده، بس المرة دي بخوف ورجاء: بسمة.. افتحي عشان خاطر العيال.. نتفاهم جوة.. فضيحتي بقت بجلاجل في العمارة، الحج فتحي واقف يتفرج علينا، افتحي وخدي اللي إنتي عايزاه بس بلاش الشارع!
من ورا الباب المصفح، صوت بسمة طلع هادي، مستقر، ومفهوش ذرة تردد: الشارع ده اللي إنت كنت عايز ترمي فيه كرامتي وكرامة ولادك لما قولت ياكلوا رز وعدس عشان أمي متدخلش بإيدها فاضية. مفاتيحك وحاجتك كلها عندك، انزل خد تاكسي وروح لست الحبايب، قولها ابنك جه وإيده فاضية عشان هو أصلاً معندوش حاجة يملى بيها إيده غير على حساب عياله.
والفلوس اللي دفعتها في الأكل ده كله؟! دي محوشة الشهر وسلفيات على مرتبي! هتروح عليا كده؟! الأكل ده دخل تلاجة ولادك يا طارق.. اعتبره نفقة المتعة والمؤخر اللي مش هتشوف منهم مليم، وأهو برضه عيالك أولى بلحم أبوهم من نسوان النادي بتوع مامتك.
صوت رجلين طالعة على السلم خلا طارق يخرس تماماً. كان البواب، عم شعبان، طالع وفي إيده مقشة وجردل، ووراه ابن الحج فتحي الصغير. عم شعبان وقف مبرق: يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إيه ده يا باشمهندس طارق؟! هو حضرتك بتعزل في نص الليل كده ليه؟! والحاجة دي كلها معطلة السلم، السكان مش عارفين يعدوا!
طارق حس إن كرامته بتتداس بجزم كل اللي في العمارة. الراجل اللي كان بينزل يرمي المفاتيح للبواب من البلكونة ويقوله اغسل العربية يا واد، واقف قدامه بهدوم مقطعة ووشه أصفر من القهرة.
مفيش يا عم شعبان.. بنضف الشقة بس.. شيل الشنط دي نزلها تحت على الرصيف لحد ما أطلب أوبر. عم شعبان هز راسه بشك: طب والست والعيال مش معاك؟ نزل الحاجة وإنت ساكت يا عم شعبان!
نزل طارق السلم ورا الشنط خطوة بخطوة، كل درجة كان بينزلها كانت بتحسسه إنه بيهبط لسابع أرض. لما طلع للشارع، الهوا لطش وشه، وقعد على كرتونة من كراتينه على الرصيف مستني العربية، والناس اللي رايحة وجاية من صلاة العشا في الجامع اللي في أول الشارع بتبص عليه باستغراب.



