
— ندى سامحيني! ندى بحبك والله العظيم اتزنقت! ندى ما تسيبينيش أضيع في السجن!
ما بصيتلوش ولا رمشة.. سيبته يتسحل لظلمة التخشيبة اللي يستاهلها.
الأستاذ حسام اتنفس الصعداء، وتبسم بابتسامة نصر حقيقية:
— مبروك يا ندى.. اسم والدك اتنظف، وأنتِ وأختك أحرار، والعدالة أخدت مجراها بالمليمتر.
خرجنا من مجمع المحاكم.. كانت الساعة بتمشي ناحية 9 بالليل. الهواء البارد كان بيخبط في وشي، ولأول مرة من سنتين حسيت إن صدري بيتمدد وبأخد نفس نقي بجد.
نهى الألفي وقفت جنبي ومسكت إيدي:
— كده كابوسنا أتنها يا ندى.. سامح ومعتز ورانيا مش هيشوفوا الشمس قبل 15 سنة على الأقل.
ابتسمت لها بامتنان:
— شكراً يا نهى.. لولا شجاعتك والفلاشة، كان زماني النهاردة في التخشيبة وهما بيهربوا الملايين.
ركبت العربية مع أختي والأستاذ حسام عشان نرجع البيت ونقفل الصفحة السودا دي للأبد.
ولكن.. أول ما وصلنا تحت عمارة أختي، والهدوء بدأ يرجع لروحي، لمحت راجل لابس بدلة كحلي أنيقة جداً، واقف جنب عربية سودا مصفحة ومفيّمة، ومستنيني عند مدخل العمارة.
أول ما قربت، الراجل خطى خطوة ناحيتي، وطلع كارنيه رسمي فضي عليه نسر الذهبي وأبرزه للأستاذ حسام وليا:
— مدام ندى؟ أنا المستشار أحمد سليم من جهاز الأمن القومي.. قضية معتز البرنس وسامح مش مجرد قروض وتزوير، الشبكة دي مرتبطة بتنظيم أكبر بيمتد لثلاث دول.. والأوراق اللي لقينها في الخزنة المتروكة بتثبت إن فيه “شخص خامس” كان بيراقبك أنتِ بالذات من قبل ما تتجوزي سامح بـ 3 سنين، والشخص ده موجود حالياً منتظر في مقره ومحتاجين حضرتك معانا فوراً لأمر يخص أصل ورث والدك الحقيقي!
وقفت في مكاني وأنا مش قادرة أستوعب. كلمة “شخص خامس” و”بيراقبك من قبل ما تتجوزي سامح بـ 3 سنين” نزلوا عليا زي الصدمة الكهربائية.
بصيت للمستشار أحمد سليم، وبعدين للأستاذ حسام اللي كانت ملامحه مشدودة جداً وهو بيفحص الكارنيه الرسمي بعناية، قبل ما يهز راسه ليا بإشارة إن الرجل صفته رسمية ومؤكدة.
— شخص خامس؟! يراقبني أنا؟! وأصل ورث بابا؟! أستاذ حسام.. هو فيه إيه تاني؟! أنا خلاص جبت أهري وما بقتش قادرة أتحمل مفاجآت أكتر من كده!
المستشار أحمد سليم اتكلم بنبرة هادية بس فيها حزم شديد:
— اتفضلي معانا يا مدام ندى، مع المحامي بتاعك طبعاً. التفاصيل مش مكانها الشارع، وكل حاجة هتوضح لحضرتك في المقر خلال دقايق.
ركبت العربية المصفحة مع الأستاذ حسام، وعربيات الحراسة أتحركت بينا في شوارع القاهرة اللي كانت فاضية تقريباً. بعد نص ساعة من السكوت المطبق، دخلنا المقر. الممر كان طويل وهادي جداً، ودخلنا مكتب واسع فيه شاشات وعروض مستندات رقمية.
قعدنا، والمستشار أحمد سليم فتح ملف أسود ضخم وحطه قدامنا على الطاولة.
— مدام ندى.. سامح ورانيا ومعتز البرنس ما كانوش هم اللي خططوا لقصة جوازك من سامح من 7 سنين. سامح كان مجرد “أداة تنفيذية” بياخد أجر، وتم زرعه في طريقك عن طريق شركة العقارات اللي شغلته فيها وقتها!
صرخت بصوت مكسور:
— يعني حتى زواجي منه.. حبنا.. الـ 7 سنين اللي عشتهم معاه كانوا تمثيلية ومخططة من قبل ما أعرفه؟!
المستشار هز راسه بأسف:
— للأسف أيوه. والسبب مش الشقة القديمة ولا الكام مليون بتوع القرض.. السبب هو أصل ورث والدك المرحوم عبد الفتاح! والدك الله يرحمه ما كانش مجرد موظف بسيط في التربية والتعليم مثل ما كان باين للكل. والدك كان الشريك الخفي والأمين على أصول وأراضي مساحتها آلاف الأفدنة في الساحل الشمالي والعاصمة الإدارية، أراضي كانت ملك للعيلة من الخمسينات وتم التحفظ عليها وتجميد أوراقها عقود طويلة، ولما بدأت أوراق فك التحفظ تطلع في 2018.. فيه جهات وأشخاص حاطين عينهم عليها وكانوا عايزين يسيطروا على التوقيعات من خلالك أنتِ بعد وفاة والدك!
الأستاذ حسام وقف من صدمته، ونظارته وقعت على المكتب:
— أراضي الساحل والعاصمة؟! المرحوم عبد الفتاح؟! أنا كنت محاميه الشخصي من 20 سنة وعمري ما سمعت عن الأراضي دي!
المستشار أحمد سليم ابتسم ابتسامة خفيفة:
— لأن المرحوم عبد الفتاح كان عارف إن فيه حيتان مستنيين اللحظة اللي تظهر فيها الأوراق عشان يصفوه أو يبتزوه، فخبا المستندات والأصول الأصلية في مكان ما محدش يعرفه غيره، وكتب التوكيل لسامح تحت ضغط وتهديد، بس كان أذكى منهم.. التوكيل اللي عمله لسامح كان توكيل مزيف مخصص لإدارات محددة، بينما الأوراق الأصلية للملكية ربطها بشفرة قانونية ومشروطة ببصمة حيّة وبشهادة حيوية منك أنتِ بالذات لما توفاي المنية!
دموعي نزلت بغزارة، بس المرة دي مش من الخوف.. من الصدمة والذهول من حجم التضحية والحماية اللي كان بابا بيعملها لي وهو عايش وهو ميت!
— طب ومين الشخص الخامس ده يا فندم؟ مين الراجل اللي ورا سامح ومعتز وكل الشبكة دي؟!
المستشار ضغط على زرار في المكتب، والشاشة الكبيرة أضاعت.. وظهرت صورة راجل في الستينيات من عمره، لابس بدلة فاخرة وشعره أبيض، ملامحه كانت حادة وعينيه سودة زي الليل.
أول ما شفت صورته، حسيت برعشة سرت في جسمي كله.. ملامحه ما كانتش غريبة عليا!
— ده الدكتور طاهر المسيري.. صاحب مستشفى السلام الخاص اللي عملتي فيها عملية الزائدة سنة 2022!
— الدكتور طاهر؟! صاحب المستشفى؟!
— أيوه.. الدكتور طاهر مش مجرد طبيب، ده الممول الرئيسي والرأس المدبرة لشبكة الاستيلاء على العقارات والتزوير. هو اللي استغلك في المستشفى، وهو اللي أمر سامح برسم خطة البصمة السيليكون، وهو اللي كان مستني سامح يخلص على ملكيتك للشقة عشان يضغط عليكِ وتتنزلي عن أوراق ورث والدك الأكبر تحت تهديد السجن والديون!
الأستاذ حسام ضرب الطاولة:
— وعشان كده الملفات المطبوعة في المستشفى اتحرقت! وعشان كده الدكتور طاهر هرب الطبيب المعالج لبره مصر! كل ده كان بتدبير منه عشان يمسح أي خيط يوصل له!
المستشار أحمد سليم وقف وقال بصرامة:




