
— بالضبط. والدكتور طاهر مقبوض عليه حالياً في الغرفة المجاورة.. وبقى له ساعتين بيفاوض وبيطلب يشوفك أنتِ اللي بالذات قبل ما يوقع على اعترافاته الكاملة، عشان يقدم لكِ العرض الأخير!
— يتشرط ويطلب يسوفني؟! عرض إيه ده اللي عنده؟!
— الدكتور طاهر خايف من حاجة واحدة بس.. خايف من أوراق السر المخبأة اللي والدك تركها، لأنه عارف إن الأوراق دي فيها أرقام حسابات وأسماء شخصيات كبيرة كانت متورطة معاه في عمليات غسيل أموال قديمة. هو عايز يعرض عليكِ تنازل كامل عن كل أملاكه وثروته مقابل إنك ما تقدميش أوراق والدك للنيابة العامة!
وقفت بثبات، ونشفت دموعي.
— أنا مش هتنازل عن حق بابا.. ولا هقبل أي عرض من مجرمين استغلوا مرضي وجوزوني لنصاب عشان يسرقوني! أنا هقابله وهسمع منه بنفسي عشان أخليه يشوف بعينيه إن المخطط بتاعه انتهى تحت جزمتي!
دخلنا الغرفة المجاورة. كان الدكتور طاهر قاعد على الكرسي، مكلبش، وشه شاحب ونظراته مليانة كبرياء مكسور.
أول ما دخلت، بصلي بنظرة متفحصة وقال بصوت بحّاح:
— أهلاً يا ندى.. كبرتي وبقيتي شبه عبد الفتاح الله يرحمه.. الذكاء والعناد نفس الجينات.
قعدت قدامه ببرود تام:
— وفر كلامك يا دكتور طاهر.. أنت طلبني ليه؟ وإيه العرض اللي فاكر إنه ممكن ينقذك من السجن؟
ابتسم ابتسامة باهتة:
— أنتِ فاكرة إنك لما حبستي سامح ومعتز ورانيا إنك كده نجيتي؟ أنتِ ما تعرفيش حاجة يا ندى.. عبد الفتاح أبوكي ما كانش ملاك زي ما أنتِ فاكرة، الأوراق اللي خباها مش بس أراضي.. دي أوراق هتفتح أبواب جهنم على العيلة كلها! لو الأوراق دي اتسلمت للنيابة، مش أنا بس اللي هروح في داهية.. أنتِ وأختك هتعيشوا طول عمركم مطاردين من ناس ما بترحم ش حد!
الأستاذ حسام اتدخل بحدة:
— بلاش تهديدات فارغة يا طاهر! أنت في مقر رسمي وأوراقك كلها اتحرزت!
طاهر بص للأستاذ حسام وبعدين رجع بصلي، ووطى صوته وقال بجملة واحدة هزت كياني كله:
— عبد الفتاح أبوكي ما ماتش موتة طبيعية يا ندى.. عبد الفتاح اتقتل مسموم! واللي قتله هو الشخص اللي أنتِ مأمناله وبتاخدي رأيه في كل خطوة في حياتك من يوم ما أبوكي مات!
قلبي وقف.. وبصيت له برعب:
— أنت بتقول إيه؟! بابا اتقتل مسموم؟! مين اللي قتله؟!
طاهر ضحك ضحكة مكتومة، وبص ناحية الباب، وقال بنبرة مسمومة:
— اسألي الأستاذ حسام المحامي بتاعك.. اسأليه هو ليه كان بيصر دايماً إنك ما تفتحيش صندوق أوراق والدك القديم، وليه كان بيبعدك عن المستشفى الخاص من الأول!
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. الأكسجين اختفى من الأوضة تماماً، والحيطان بدأت تدور بيا. التفتت بطريقة أوتوماتيكية مرعوبة للأستاذ حسام.. صديق عمر بابا، الراجل اللي كنت بعتبره في مقام والدي، اللي كان ماسك كل قضايا العيلة وبيلف معايا من الصبح في المحاكم والنيابات!
كان الأستاذ حسام واقف، وشّه أبيض زي الملاية، نظارته اترعشت على مناخيره، وشفايفه كانت بتهتز بكلمات مش قادرة تطلع.
— أستاذ حسام..؟ — ناديت عليه بصوت خافت جداً، صوت مكسور من القاع — الراجل ده بيقول إيه..؟ انطق قول إنه كذاب! قول إنه بيحاول يوقع بينّا عشان ينقذ نفسه!
الأستاذ حسام بلع ريقه بصعوبة، خطى خطوة لورا ناحية الباب، بس المستشار أحمد سليم كان أسرع منه؛ شاور بحركة خفيفة من إيده، وفي ثواني كان فيه اثنين من رجال أمن المقر واقفين ورا حسام وسادين عليه المنفذ الوحيد!
المستشار أحمد سليم اتكلم بصوت هادي، عميق، وبارد كأنه كان مستني اللحظة دي بالذات:
— اتفضل اقعد يا أستاذ حسام.. المسرحية انتهت، والستارة نزلت خلاص.
الأستاذ حسام انهار على الكرسي المجاور، حط إيديه الاثنين على وشه، وأتنهد تنهيدة طالت كأنها سنين من الغل والخوف المكتوم.
طاهر المسيري ضحك بصوت عالٍ ومستفز وهو مكلبش:
— شفتي يا ندى؟ المحامي الأمين! صديق العمر! حسام هو اللي جابلي سامح من الأول، وهو اللي أخد نسبته من الملايين اللي أتقسمت زمان، وهو اللي كان بيدي عبد الفتاح السم البطئ في دوا الضغط على مدار سنة كاملة لحد ما عضلة قلبه وقفت ومات، عشان يضمن إن عبد الفتاح ما يلحقش يغير وصيته أو ينقل الأراضي باسمك أنتِ وأختك!
— كداب! أنت كداب ومجرم! — صرخ حسام وهو بيرفع راسه وعينيه حمرا زي الدم — أنا ما قتلتوش! عبد الفتاح هو اللي خانني! إحنا اشتررينا أراضي الساحل والعاصمة مع بعض في التسعينات بأفلوسنا إحنا الاثنين، ولما الأراضي بقت تسوى مئات الملايين، كتب كل حاجة باسمه وسجلها بشفرة ورث باسم ندى وأختها وحرمني من شقى عمري! أنا ما أخدتش غير حقي!
دموعي نزلت، بس ما كانتش دموع ضعف.. كانت دموع قرف وصدمة من البشر. الدنيا كلها كانت عبارة عن مسرحية زبالة من 7 سنين، كل الناس اللي حبيتهم وأمّنتلهم — جوزي، محامي أبويا، الدكتور بتاع المستشفى — كانوا أشباه بني آدمين بياكلوا في جثتي وجثة بابا وهو ميت!
وقفت بثبات شديد، قربت من الأستاذ حسام، وبصيت في عينيه بنظرة خلته يوطي راسه في الأرض وما يقدرش يرفعها.
— بابا ما حرمكش من حقك يا حسام.. بابا كان كاتبلك 20% من أرباح أراضي الساحل في الصندوق المشفر، وكاتب إنك الوصي المالي عليهم لأنك صديق عمره اللي بيثق فيه! بس أنت طمعك وعماك خلّوك فاكر إنك لو قتلت الأب وبعت البنت لنصاب، هتاخد الـ 100% لوحدك! أنت ما خسرتش الفلوس بس.. أنت خسرت أخرتك ودمرت نفسك بيدك.
التفتت للمستشار أحمد سليم وقلتله بصوت ثابت وزي الرخام:
— سيادة المستشار.. مكان الأوراق والأصول والشفرة اللي بابا سابها معايا، وأنا مستعدة أسلّم كل حاجة للنيابة والأمن القومي فوراً، بشرط واحد.
— اؤمري يا مدام ندى.
— الأربعة دول — سامح، ورانيا، ومعتز البرنس، وحسام — يتحاكموا بتهمة قتل والدي عمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير، والتشكيل العصابي. مش عايزة حد فيهم يشم هواء الشارع تاني طوال حياته!
المستشار أحمد سليم هز راسه بجدية حاسمة:
— أوعدك يا مدام ندى.. الأدلة اللي تحرزت النهاردة، مع اعترافات طاهر وحسام الصريحة المسجلة بالصوت والصورة في الغرفة دي، كفيلة بإحالتهم جميعاً لمفتي الجمهورية ومحكمة الجنايات العاجلة.
تم سحب الأستاذ حسام وطاهر المسيري للتحفظ والتخشيبة مع باقي العصابة.
**بعد مرور 6 أشهر..**
وقفت قدام مجمع المحاكم، نفس المكان اللي كان قبل ست شهور بداية الكابوس، بس النهاردة كان نهاية كل حاجة.
الشمس كانت طالعة دافية، والأرض ثابتة تحت رجلي.
المحكمة أصدرت حكمها التاريخي بعد جلسات ماراثونية:
* **الإعدام شنقاً** للأستاذ حسام والدكتور طاهر المسيري بتهمة القتل العمد المباشر والاقتران بجناية التزوير.
* **السجن المؤبد (25 سنة)** لسامح، ورانيا، ومعتز البرنس بتهم غسيل الأموال، والتزوير في محررات رسمية، وتشكيل عصابة دولية.
* **براءة كاملة** ليا ولأختي ولروح والدي المرحوم عبد الفتاح، مع رفع حظر التصرف تماماً واسترداد جميع مستندات الملكية والأراضي المسجلة.
خرجت من باب المحكمة وأنا ماسكة إيد أختي بقوة.
بصيت للسماء، وابتسمت لأول مرة من سنين.. حسيت بنسيم دافي بيلمس وشي، كأن بابا بيطبطب عليا وبيقولي: “جدعة يا ندى.. رفعتِ راسي ونضفتِ اسمي وأنتِ حرة.”
سحبت نفس عميق ونظيف، ومشيت مع أختي في الطريق.. خطوة واثقة لست جديدة ولدتها المصاعب من رحم الخيانة، ست ما بقتش تخاف من حد، ولا بيتقسر لها ضلع.
**(تمت)**
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


