
اتجمّدت في مكاني. الكلمة نزلت على دماغي زي المطرقة.. اسم بابا؟ عبد الفتاح؟ الراجل اللي مات من 5 سنين، الشريف اللي عاش طول عمره بيشتغل في التربية والتعليم ويربّينا بالحلال، اسمه يتذكر في شبكة غسيل أموال وتهريب مالي بـ 50 مليون جنيه؟! مسكت في دراع الأستاذ حسام بغل، كنت حاسة إن الرؤية بتظلم قدامي:
— أستاذ حسام.. انطق! قولهم إن بابا ميت من 5 سنين! بابا عمره ما دخل بنوك ولا أخد قرش حرام! إيه القذارة دي؟! هما بيوصلوا للتزوير لحد اسم الميتين كمان؟!
الأستاذ حسام كان وشه شاحب زي جثة، قرب من الضابط ومسك الشاشة بعينين مرعوبة:
— يا فندم المحرر ده فيه حاجة غلط! المرحوم والد الشاكية متوفي من يناير 2021، وده إعلام الوراثة وشهادة الوفاة الرسمية معايا في الملف! إزاي حساب يتفعل باسمه الصبح ويزيح الملايين دي عليه؟!
العميد حط إيده على الشاشة وطلب من مهندس الاتصالات والجرائم الإلكترونية يفحص المسار فوراً. المهندس بدأ يضرب على الكيبورد بسرعة، والجميع في الصالة واقفين مكتومين النفس.
— يا فندم الحساب فعلاً باسم المرحوم، اتفتح أصلاً في بنك إقليمي سنة 2019.. وتم استخدام التوكيل الرسمي العام الممنوح من الوالد قبل وفاته بسنة لتفعيل الحساب إلكترونياً صباح النهاردة الساعة 7 الصبح!
التفت الأستاذ حسام ليا وفجأة عيونه اتسعت بصدمة رهيبة:
— ندى.. هو والدك الله يرحمه كان عامل توكيل عام لأي حد قبل ما يموت؟!
بلعت ريقي بصعوبة، والذكريات بدأت ترجعلي كأنها فيلم رعب:
— بابا في آواخر أيامه.. لما تعب في 2019 وما كانش قادر يتحرك يخلص إجراءات المعاش والعلاج.. عمل توكيل إدارة وتعامَلات مالية.. لسامح!
نهى الألفي صرخت:
— يا نهار أسود! التوكيل! سامح ما لغاش التوكيل بعد الوفاة، وتكتم على وجوده، ورانيا ومعتز استخدموا التوكيل القديم عشان يفتحوا حساب باسم الميت، لأن البنوك والرقابة صعب تتبع حسابات أشخاص متوفيين من سنين إلا لو فيه بلاغ ورثة!
معتز البرنس وهو مكلبش ومربوط في الحرس، ضحك ضحكة هستيرية مسمومة بصوت عالي:
— فاكرة نفسك كسبتي يا قطة؟! سامح ده عقرب! كان مأمن نفسه ومأمننا من 7 سنين! التوكيل اللي في إيده يخلي الحساب باسم أبوكي، والتحويلات اللي تمت الصبح هتخلي النيابة العامة تعتبر إن أباكي هو اللي كان الممول الأساسي للشبكة من زمان، وأنتم كفرع عيلة بتغطوا عليه! خدي بقى واثبتي إن الميت ما كانش بيغسل أموال معنا!
العميد التفت لمعتز وضربه بظرف المستندات على وشه بغضب:
— انطم خالص! الكلام ده يتقال في النيابة!
العميد بصلي وقال بصرامة جادة:
— مدام ندى.. الموضوع اتعقد فوق ما تتخيلي. استخدام التوكيل بعد وفاة الموكل يُعتبر جناية تزوير واستعمال محرر فقد أهليته، بس المشكلة إن الفلوس الصبح دخلت الحساب فعلاً، والرقابة المالية أخطرت النيابة فوراً بتحفظ جديد يشمل جميع ورثة المرحوم.. يعني أنتِ وأختك وأي حد يقرب للوالد!
— تحفظ على أختي كمان؟! أختي مالهاش دعوة بآي حاجة! أختي مدرسة وما تعرفش سامح عمل إيه!
الأستاذ حسام مسك إيدي وقال بصوت حاد ثابت:
— سيادة العميد.. سامح موجود في النيابة دلوقتي. التحفظ ده إجراء احترازي تلقائي، بس الشفرة كلها دلوقتي في “أصل التوكيل”. لو قدرنا نثبت إن التوكيل تم استخدامه اليوم بالتحديد بصورة مزورة من ورشة التزوير بتاعة معتز ورانيا، التهمة هتلابسهم هما وسامح بالكامل بتهمة التزوير في محررات رسمية واستغلال اسم متوفي!
العميد هز راسه:
— مضبوط.. والقوة حرزت الأختام السيليكون والأجهزة البرمجية هنا. هنتحرك فوراً على النيابة العامة لمواجهة سامح بالتطورات دي وبكشف الحساب الجديد قبل ما محامين معتز يلحقوا يغيروا أقوالهم!
رجعنا للنيابة العامة.. الوقت كان بيعدي كأنه كابوس ما لوش نهاية، الشمس بدأت تغرب والسماء بقت لونها برتقالي داكن كأنها بتنذر بشؤم.
دخلنا القاعة. وكيل النيابة كان قدامه ملف القضية اللي بقى حجمه أضعاف. سامح اتجاب من التخشيبة تاني.. وشه كان مسحوب، هدومه مقطوعة، وعينيه زايغة من الخوف.
أول ما شاف معتز ورانيا داخلين مكلبشين مع القوة، ركبه خبطت في بعضها ووقع على الكرسي.
وكيل النيابة ضرب بقبضته على الطاولة بصوت هز أرجاء القاعة:
— المتهم سامح الشريف! تم الكشف عن تفعيل حساب بنكي باسم حماك المتوفي عبد الفتاح.. باستخدام توكيل منتهي الصلاحية صباح اليوم لتهريب 50 مليون جنيه! انطق يا متهم! مين اللي ورا التفعيل ده؟! ومين اللي كان بياخد القرارات دي؟!
سامح انهار تماماً، وبدأ يعيط بصوت هستيري:
— والله ما أنا يا باشا! معتز هو اللي اجبرني! معتز ورانيا هما اللي قالولي إن توكيل المرحوم هو المنفذ الوحيد اللي البنك مش هيشك فيه، لأن مدير الفرع مدحت أخد 2 مليون جنيه عشان يمرر التفعيل ده بالذات الصبح من غير ما يطلب شهادة حيوية للعميل!
معتز صرخ وهو مكلبش:
— أنت كذاب يا واطي! أنت اللي جيتلي بالتوكيل من 3 سنين وقلتلي معاك كنز يقدر يغطي على أي قرض متعثر!
سامح صرخ ويرد عليه:
— أنت اللي خططت لقصة المستشفى! أنت اللي بعتلي البصمة السيليكون مع رانيا وأنا واقف في الرعاية المركزة قدام أوضة ندى، وقالتلي ابصم العقد المطبوع بالختامة عشان نضمن الشقة والورث بتاعها!
القاعة سكتت تماماً..
الصوت كان واضح، والاعتراف الصريح خرج من بؤ سامح قدام وكيل النيابة، والضباط، والأستاذ حسام!
وكيل النيابة حط القلم من إيده، وبص لسامح بنظرة قرف واحتقار شديد:
— يعني أنت بلسانك بتعترف إنك استغليت غياب زوجتك عن الوعي في المستشفى، واستخدمت ختم سيليكون مزور لبصمتها، واستغلت اسم حماك المتوفي بتوكيل باطل بالاتفاق مع مدير الفرع ومعتز ورانيا لتكوين تشكيل عصابي لغسيل الأموال والتزوير؟!
سامح أدرك المصيبة اللي ورّط نفسه فيها باعترافه تلقائياً عشان يرمي التهمة على معتز. حط إيديه على وشه وبدأ يصرخ:
— أنا كنت مجبر! هما كانوا بيهددوني بقتل ندى لو ما عملتش كده!
وقفت قدامه.. قربت منه لغاية ما بقيت على بعد خطوة واحدة. النظرة اللي في عيني ما كانش فيها بكاء ولا ضعف.. كان فيها احتقار يهد جبال.
— بتهدد بكتلي؟ أنت اللي كنت بتقتلني كل يوم يا سامح.. 7 سنين وعايش معايا بتجهز قبري وقبر أبويا الله يرحمه. أنت مش بني آدم.. أنت أشرس وأحقر خائن شفته في حياتي.
وكيل النيابة رفع إيده وكتب القرار فوراً وبصوت جهوري:
— قررنا نحن وكيل النائب العام:
1. حبس المتهمين: سامح الشريف، رانيا محمود، معتز البرنس، ومدحت (مدير فرع البنك) 15 يوماً على ذمة التحقيق في القضية رقم 8402 جنايات أموال عامة.
2. مخاطبة الكسب غير المشروع والرقابة المالية لرفع التحفظ فوراً عن الشاكية (ندى) وورثة المرحوم عبد الفتاح، لثبوت عدم العلم وتزوير المستندات.
3. انتداب الطب الشرعي وأدلة التزييف والتزوير لفحص الأختام السيليكونية المحرزة وتطابقها مع العقود.
4. إحالة أوراق القضية إلى محكمة الجنايات العاجلة بتهم التزوير في محررات رسمية، وتكوين تشكيل عصابي، وغسيل الأموال.
أول ما القرار اتنطق، الحرس كبشوا سامح ومعتز ورانيا وسحبوهم لبره. سامح كان بيبصلي وهو بيتسحل على الأرض ويبكي:




