
بعد ما حسام قال لي أروح لأمه وأريح دماغي، حسيت إن آخر حاجة كنت مستنياها منه اتكسرت جوايا. أنا ما كنتش مستنية إنه يتخانق معاها عشاني، ولا إنه يختارني على حسابها، كل اللي كنت محتاجاه إنه يفهم إن فيه فرق بين إني أساعد أمه برغبتي، وبين إني أعيش مهددة عشان أنفذ أوامرها.
سكتُّ شوية، وبعدين قلت له:
\- يعني إنت شايف إن اللي عملته معايا مامتك عادي؟ شايف إن من حقها تهددني وتقول لي إنها هتفضحني قدام أهلي لمجرد إني مش عايزة أروح لها يومين في الأسبوع؟
رد بضيق:
\- يا بنتي ما تكبريش الموضوع، أمي ست كبيرة، ويمكن اتعصبت وقالت كلام مش قصدها. روحي لها واعتذري لها، والموضوع يخلص.
\- أعتذر لها عن إيه يا حسام؟ عن إني تعبت في خدمتها؟ ولا عن إني مش عايزة أعيش تحت تهديدها؟ أنا ما غلطتش فيها، ولا قصرت معاها، بالعكس، أنا عملت حاجات كتير كان المفروض تتعمل من باب المحبة، مش الفرض.
\- أهو إنتِ رجعتي لنفس الكلام! ما أنا قلت لك روحي لها وخلاص، هو كل حاجة لازم تقفي عندها وتعملي منها مشكلة؟ وبعدين دي أمي، يعني مش هقبل إنك تتكلمي عنها بالطريقة دي.
\- وأنا ما اتكلمتش عنها بطريقة وحشة، أنا بحكي لك اللي حصل، وبقول لك إني اتوجعت من أسلوبها. بس واضح إنك مش عايز تسمعني، إنت عايزني أنفذ اللي هي عايزاه من غير ما أتكلم.
اتنهد بعصبية وقال:
\- بصي يا ستي، أنا مش هفضل كل يوم أسمع نفس الحكاية. أمي قالت لك تيجي لها يومين في الأسبوع، يبقى تروحي لها يومين. احنا لسه على البر، ولو مش قادرة تتعاملي مع أمي من دلوقتي، يبقى أنا مش عارف هنعمل إيه بعد الجواز.
كانت كلماته كفيلة إنها تخليني أشوف الحقيقة اللي كنت بهرب منها. حسام ما كانش شايف إن فيه مشكلة في اللي حصل، بالعكس، كان شايف إن الحل الوحيد إني أتنازل وأروح أعمل اللي أمه عايزاه، عشان هو ما يضطرش يواجهها أو يسمع منها أي شكوى.
قلت له بهدوء:
\- خلاص يا حسام، أنا مش هروح لأمك تاني.
سكت لحظة، وكأنه ما صدقش اللي سمعه، وبعدها قال بحدة:
\- إنتِ بتقولي إيه؟!
\- بقول لك إني مش هروح لأمك تاني، مش هروح أنضف لها البيت، ولا أغسل هدومها، ولا أطبخ لها، ولا هفضل أعمل كل ده وأنا خايفة من تهديداتها. لو احتاجت مساعدة حقيقية، ممكن أساعدها على قد ما أقدر، لكن مش بالطريقة دي، ومش تحت الضغط والابتزاز.
\- إنتِ كده بتجبريني أختار بينك وبين أمي!
\- أنا ما طلبتش منك تختار، ولا قلت لك تبعد عنها. دي أمك، ومن حقك تبرها وتخدمها وتعمل لها كل اللي تقدر عليه. إنما أنا مش مراتك لسه، ولا أنا مسؤولة عن شغل بيتها، ولا من حقي أتحول لخدامة عندها عشان أثبت إني أستاهلك.
صوته على أكتر وهو بيقول:
\- خدي بالك من كلامك يا بنت الناس، أنا مش هقبل الأسلوب ده. لو ما روحتيش لأمي، يبقى كل واحد يشوف طريقه، وأنا مش هكمل خطوبتي مع واحدة بتقف قصادي عشان أمي!
لأول مرة، ما حسيتش بالخوف اللي كنت بحسه كل ما يلمح إن الخطوبة ممكن تنتهي. يمكن عشان كنت تعبت من فكرة إني لازم أفضل أثبت له إني أستحقه، حتى لو كان الثمن راحتي وكرامتي.
قلت له:
\- اعمل اللي إنت عايزه يا حسام.
سكت، وبعدين قال باستنكار:
\- إنتِ بتتحديني؟
\- لأ، أنا مش بتحداك، أنا بس بطلت أخاف. لو شايف إن الخطوبة لازم تنتهي عشان أنا رفضت أعيش مهددة، يبقى ده قرارك. أنا مش هفضل طول عمري أتنازل عشان أرضيك، وكل ما أرفض حاجة تتقال لي هتسيبيني أو هتفسخي الخطوبة. أنا كنت فاكرة إنك هتبقى أماني وسندي، مش إنك تبقى شخص تاني بيهددني عشان أنفذ أوامر أمك.
ما استناش يسمع مني أكتر، وقفل المكالمة وهو متعصب.
حطيت التليفون جنبي، وفضلت قاعدة مكاني فترة طويلة. كنت بحبه، وكنت متخيلة حياتي معاه، وكنت بتمنى إننا نتجوز ونبني بيتنا ونعيش في هدوء. لكن لأول مرة سألت نفسي: هو الحب معناه إني أقبل أي حاجة عشان ما أخسرش اللي بحبه؟ وهل الجواز يستاهل إني أدخل حياتي وأنا من دلوقتي خايفة من أمه ومن رد فعل خطيبي؟
الإجابة كانت واضحة، حتى لو كانت موجعة.
أنا مش هقدر أعيش عمري كله مهددة، وكل قرار آخده يبقى مربوط بخوفي من إن حد يسيبني.
تاني يوم الصبح، وقررت اقول لأهلي بنفسي وأحكي لهم كل حاجة قبل ما حماتي تسبقني وتحكي القصة بطريقتها.
كنت بفكر هقول لهم إيه، وإزاي هقدر أبصلهم في عينيهم وأنا عارفة إني غلطت لما كنت بروح من غير ما أقول لهم. كنت عارفة إنهم هيزعلوا، وإنهم ممكن يعتبروا اللي عملته تصرفًا ما ينفعش يتكرر، لكني كنت عارفة برضه إن استمرار سكوتي هيخليني تحت رحمة تهديد حماتي طول الوقت.
قعدت قدام امى ، وبصيت لأبويا اللي كان قاعد في الصالة، وقلت لهم:
\- أنا جاية أحكي لكم على حاجة حصلت، ومش عايزة حد يقاطعني لحد ما أخلص كلامي.
أمي بصت لي بقلق، وأبويا ساب اللي في إيده وركز معايا، وأنا بدأت أحكي لهم من أول يوم خطوبتي، وإزاي حسام طلب مني أطمن على أمه، وإزاي كنت بروح لها كل أسبوع وأساعدها في البيت وأعمل لها الأكل، وإزاي معاملتها اتغيرت معايا واحدة واحدة، لحد ما بقت تطلب مني أروح يومين في الأسبوع، ولما رفضت، هددتني إنها هتقول لهم على زياراتي.
ما خبيتش عنهم أي حاجة، حتى إني كنت بروح من غير ما أبلغهم كل مرة، وكنت عارفة إن الجزء ده بالذات هيزعلهم.
وبالفعل، أول ما خلصت كلامي، أمي بصت لي بعتاب وقالت:
\- إنتِ إزاي تعملي كده يا بنتي؟! إحنا عمرنا ما منعناكي من الخير، ولا قلنا لك ما تساعديش حد، لكن إزاي تروحي بيت ناس من غير ما نعرف؟ إنتِ ما فكرتيش إن ده ممكن يحطك في موقف زي ده؟
نزلت عيني للأرض وقلت:
\- أنا عارفة إني غلطت يا ماما، وعشان كده جيت أحكي لكم بنفسي. أنا ما كنتش بروح أعمل حاجة غلط، والله كنت بروح أساعدها عشان كنت فاكرة إنها محتاجاني، وما توقعتش إنها هتستخدم ده ضدي في يوم.
أبويا كان ساكت، لكن ملامحه كانت بتقول إنه زعلان جدًا. وبعد لحظات قال:
\- يا بنتي، إحنا مش زعلانين إنك ساعدتي واحدة كبيرة في السن، إحنا زعلانين إنك حطيتي نفسك في موقف ما كنتيش مضطرة تحطي نفسك فيه، وإنك ما رجعتيش لنا لما بدأت تتعامل معاكي بالطريقة دي. إنتِ ليه استحملتي كل ده لوحدك؟
ما قدرتش أمنع دموعي، وقلت له:
\- عشان كنت بحب حسام يا بابا، وكنت خايفة أخسره، وكنت كل مرة أقول معلش، دي أمه، وأنا لما أتجوزها هتبقى زي أمي. ما كنتش عايزة أعمل مشكلة بينه وبينها، ولا كنت عايزة أبقى سبب في زعله.
رد أبويا بحزم:
\- وحسام عمل إيه لما عرف إنها بتضغط عليكي؟
حكيت لهم المكالمة اللي حصلت بيني وبينه، وإزاي بدل ما يحاول يفهمني، طلب مني أروح أعتذر لأمه، ولما رفضت، هددني بإنه ينهي الخطوبة.
أمي هزت رأسها بحزن وقالت:
\- يعني بدل ما يقف جنبك ويقول لأمه إنك ما غلطتيش فيها، عايزك إنتِ اللي تتنازلي عشان هو يرتاح.
أبويا بص لي وقال:
\- بصي يا بنتي، إحنا زعلانين منك على اللي عملتيه من ورانا، وده مش هقول لك إنه عادي، لكن إنتِ جيتي واعترفتي بغلطك، ودي حاجة تحترم. إنما موضوع إن حد يهددك ويخوفك عشان يفرض عليكي أوامره، ده ما نقبلوش. الجواز مش خدمة لحماتك، والجواز مش إنك تعيشي طول عمرك خايفة إن جوزك يسيبك لو ما نفذتيش اللي هو عايزه.
كلامه ريحني، لكنه ما شالش عني إحساسي بالذنب، ولا زعل أمي اللي فضلت طول اليوم متضايقة من تصرفي.
في الأيام اللي بعدها، حسيت إن البيت كله اتغير. أمي بقت تسألني عن كل تفصيلة تخص الخطوبة، وأبويا طلب مني ما أروحش أي مكان من غير ما يكونوا عارفين، وكنت متفهمة موقفهم، حتى لو كنت موجوعة من نظرات العتاب في عيونهم.
أما حسام، فحاول يتصل بيا أكتر من مرة، لكني ما كنتش مستعدة أتكلم معاه. مش عشان كنت عايزة أعاقبه، لكن عشان كنت محتاجة أفكر بهدوء وأعرف إذا كنت أقدر أكمل مع شخص شايف إن تنازلاتي واجب، وإن رفضي للظلم تمرد عليه وعلى أمه.
وبعد يومين، اتصلت حماتي بأمي.
ما كنتش موجودة في الأوضة وقتها، لكني سمعت صوت أمي وهي بترد عليها، وبعد دقائق دخلت لي وملامحها متغيرة.
قالت لي:
\- أم حسام بتقول إنك اتغيرتي بعد الخطوبة، وإنك كنتِ بتروحي لها من نفسك، ودلوقتي بقيتي رافضة تساعديها، وإنها خايفة إنك بعد الجواز تبعدي ابنها عنها.
بصيت لأمي وقلت:
\- وهي قالت لك إني كنت بروح أساعدها إزاي؟ قالتلك إني كنت بنضف البيت وأغسل الهدوم وأطبخ لها كل أسبوع؟ ولا قالت لك إني كنت مقصرة معاها من الأول؟
أمي سكتت، وبعدها قالت:
\- هي حكت اللي يناسبها، وأنا سمعتها للآخر، ورديت عليها إن بنات الناس مش لعبه وانك عايزه تفشكلى الخطوبه وتبعت ابنها ياخد حاجته
بعد مكالمة أمي مع أم حسام، ما عداش يومين إلا وحسام اتصل بيا، ولما ما رديتش عليه، اتصل بأمي.
أمي ردت عليه، وسمعته بيقول لها إنه عايز يتكلم معايا وإنه مش فاهم أنا ليه مصممة أكبر الموضوع، وإنه مستعد ييجي يقعد معانا ونحل المشكلة بهدوء.
أمي سمعته للآخر، وبعدها قالت له بهدوء:
\- يا حسام، إحنا مش هنكبر الموضوع ولا حاجة، بس إحنا كمان مش هنقدر نكمل في جوازة بنتنا وهي من دلوقتي مهددة ومضغوط عليها بالشكل ده. إنت كنت خطيبها، وكان المفروض لما تحكيلك إن أمك جرحتها، تحاول تفهمها وتحتويها، مش تطلب منها ترجع تعتذر وتنفذ اللي اتطلب منها.
حاول يبرر موقفه وقال:
\- يا طنط، والله أنا ما كانش قصدي أزعلها، دي أمي، وأنا مش هقدر أسيبها لوحدها، وكل اللي طلبته منها إنها تساعدها، وأنا شايف إن ده شيء طبيعي.
ردت أمي:
\- محدش قال لك سيب أمك، ولا إحنا ضد إن بنتنا تساعد حماتها، لكن المساعدة حاجة، وإنك تحسسها إنها مجبرة وإنها لو رفضت هتخسر خطوبتها، دي حاجة تانية خالص. وبعدين إحنا زعلانين من بنتنا لأنها كانت بتروح من غير ما تبلغنا، وهي اعترفت بغلطها، لكن ده مش معناه إننا هنقبل إن حد يفضل يعايرها بيه ويهددها.
سكت حسام شوية، وبعدين قال:
\- طب ممكن أجي أقعد معاها وأتكلم معاها؟ يمكن لما نتكلم وش لوش نفهم بعض.
أمي بصت لي، وأنا كنت قاعدة جنبها وسمعت كل كلمة، لكني هزيت رأسي بالرفض.
أمي فهمت قصدي، وردت عليه:


