
تاني يوم الصبح، صحيت بدري قبل ما نور الفجر يظهر، وقلبي كان حاسس بثقل كبير كأن الدنيا كلها قاعدة على صدري. بصيت في المراية لقيت آثار السهر واضحة على عيني، لكن المرة دي ما نزلتش دموعة ضعف زي كل مرة، بالعكس، حسيت بنبرة تحدي جوة روحي بتقولي إن الكأس طفح وإن السكوت مبقاش يجيب غير وجع جديد. جهزت العيال بسرعة، ولبستهم هدومهم النظيفة، وباسوا إيدي وهما مستغربين طريقتي الهادئة الصارمة.
ركبت التاكسي ومعايا العيال لحد بيت أمي، وهناك سلمتهم ليها وقلت لها بصوت مخنوق بس ثابت: “خليهم معاكي يا أمي، عندي مشوار مهم لازم أخلصه النهارده لنفسي وللعيال، ومش هتاخد وقت طويل.” أمي بصت لي بقلق وهي عارفة عيون بنتها كويس، وقالت بحنان: “ربنا معاكي يا بنتي، ويقويكي على ما أبلوا، اعملي الصح اللي يحفظ كرامتك وكرامة عيالك.”
أخدت نفسي ومشيت، وفي إيدي شنطة صغيرة فيها كل الورق والمستندات اللي قدرت أجمعها طوال الفترة اللي فاتت، من فواتير الأكل واللحمة والفراخ اللي كنت بدفعها من جيبي ومن فلوسي الخاصة، لإيصالات بيع الدهب بالتاريخ والمكان، وحتى الرسائل اللي كانت بيني وبين نفسي مسجلة فيها كل تفصيلة. نزلت رحت للمحامي، وكنت المرة دي رايحة وأنا مقررة إني مش هرجع البيت بنفس الضعف ولا بنفس الانكسار اللي خرجت بيه كل مرة أيمن قدر يضغط عليا فيها أو يكسرني بكلمتين. أنا مش عايزة أطلق وأسيب له كل حاجة بالساهل، ولا عايزة أتنازل عن حقوقي وحقوق عيالي عشان أرضيه أو عشان أشتري دماغي، خصوصًا إنه كان فاكر وطامع في إن طول ما أنا ساكتة وما بتكلمش يبقى يقدر يعمل اللي هو عايزه وقت ما يحب من غير ما يحاسبه رقيب ولا حسيب.
دخلت مكتب المحامي، وقعدت قدامه، وحكيت له كل اللي حصل من أول ما أيمن نزل من السفر والإجازة الأخيرة، وإزاي استغل وجود أهله عندنا وضغط عليّ بطرق مختلفة، وخلاني أبيع دهبي مرتين عشان أصرف على طلبات البيت وأهله اللي ما بتخلصش، لحد ما اعترفلي بكل برود وبدون أي إحساس بالذنب إنه كان مخطط للخطوبة والجواز من قبل ما ينزل من برا أصلاً، وإنه كان شايفني مجرد وسيلة توفر عليه فلوسه وتريحه في غيابه.
المحامي سمعني باهتمام بالغ، وكان بيكتب ملاحظات بخط إيده على ورقة قدامه، وبعدها رفع راسه وقال بجدية: “بصي يا مدام عواطف، الكلام اللي بتقوليه ده خطير، وإنتِ لازم تتحركي بشكل قانوني مدروس عشان تحافظي على حقوقك وحقوق أولادك الصغار اللي ملهمش ذنب في أنانية أبوهم. نقدر ندرس بجدية إجراءات تمكينك من مسكن الزوجية بحسب وضعك القانوني والمستندات اللي معاكي، ونشوف حقوقك الدقيقة في النفقة ونفقة الأولاد ومصاريف تعليمهم وعلاجهم، لكن لازم كل خطوة تتصرف صح وبالمستندات الدقيقة اللي تثبت كل مليم صرفتيه أو انظلمتي فيه.”
سألته بلهفة وخوف مشروع: “يعني أقدر أضمن بقانون إن أيمن ما يقدرش يطردني أنا والعيال من البيت ولا يرمينا في الشارع وقت ما يحب؟”
رد عليا بتوازن واحترافية: “هنبدأ فورًا بالإجراءات القانونية المناسبة لحالتك، وهنجهز المستندات المطلوبة ونقدمها للجهات المختصة. لكن كأي محامي أمين، ما أقدرش أوعدك بنتيجة نهائية قبل ما نراجع الأوراق الرسمية ونشوف الوضع القانوني بالتحديد وننتظر قرارات القضاء.”
هزيت راسي بقوة وقلت له: “أنا مش عايزة آخد حاجة مش من حقي، ولا ظلمت حد في يوم، لكن مش هسمح له أبدًا يرميني أنا وعيالي في الشارع، ولا هفضل أستأذنه عشان أصرف على ولادي وهو قادر وميسور الحال وبيصرف على رغباته الشخصية.”
بدأ المحامي يجهز الإجراءات القانونية المطلوبة، وطلب مني أجيب كل المستندات الإضافية الخاصة بوثيقة الجواز وشهادات ميلاد الأولاد وعقد مسكن الزوجية، وأي أوراق أو رسائل تثبت المصاريف والالتزامات المالية الكبيرة اللي اتحملتها لوحدي في غيابه. وقبل ما أمشي من عنده، سألته بقلق عن موضوع الفلوس الكبيرة اللي كنت حولتها لنهى بناءً على طلبه، فشرحلي بهدوء إن ده ملف قانوني منفصل لازم يتعامل معاه بحذر شديد، وإن حقي الأساسي في النفقة أو مسكن الزوجية ما يلغيش مسؤوليتي القانونية أو يتطلب الحذر في إثبات مصدر تلك الأموال والتصرفات المالية التي تمت من غير إذن صريح من صاحبتها أو بصيغة قانونية واضحة.
خرجت من مكتبه وأنا لأول مرة من سنين طويلة حاسة إن عندي طريق واضح ومحدد أمشي فيه، بدل ما أنا واقفة مكان يائسة قدام أيمن أترجاه يحس بيا وبوجعي. رجعت البيت، ولقيته قاعد على الكنبة بيلعب في الموبايل وبيتكلم بصوت عالي، وأول ما شافني داخلة قفل المكالمة فورًا وبصلي بنظرة تفحص واستصغار كالعادة.
سألني بحدة: “كنتِ فين يا عواطف كل ده وسايبة البيت فاضي؟”
حطيت شنطتي على الترابيزة بهدوء عجيب ورديت عليه بكل برود: “كنت بخلص شوية مصالح وأوراق تخصني.”
اتعدل في قعدته وقال بسخرية: “مصالح إيه دي اللي بقت تاخد كل وقتك وتخليكي تنزلي من غير ما تستأذنطيني؟ إنتِ فاكرة إنك لما تعاندي معايا هتقدري تعملي حاجة يعني؟”
بصيت في عيونه مباشرة وقلت بثبات: “أنا مش بعاندك يا أيمن، أنا بحمي نفسي وبحمي عيالي اللي ملهمش غيرنا.”
ضحك بسخرية أعمق وقال: “بتحمي نفسك من مين؟ مني أنا؟ ده أنا جوزك وسندك! غريبة أوي الجرأة دي يا عواطف!”
رديت عليه من غير ما أتردد لحظة واحدة: “إنت اللي خليتني أخاف على نفسي منك، يوم ما قلتلي بنفسك وبكل برود إنك استغليتني، ويوم ما هددتني صراحة إنك ممكن تطردني من حياتي أنا والعيال في أي وقت تعوزه. أنا رحت لمحامي يا أيمن، وهبدأ إجراءات التمكين الرسمية من مسكن الزوجية، وهطالب بنفقة العيال وكل حقوقهم القانونية كاملة من غير منّة من حد.”



