روايات وقصص

بنتي ج 1 بقلم صافي هاني

حاجة لازم تعرفيها عن ندى.
قلبي انقبض.
إيه؟
قال بصوت منخفض
قبل الحاډثة بيوم، كنت اتفقت معاها إني آخدها يوم الجمعة للملاهي. كنت ناوي أروح أجيبها من الروضة يومها وأقولها إننا هنقضي اليوم كله سوا.
بصيتله من غير تعبير.
وبعدين نسيت تجيبها يوم الحاډثة.
أيوه.
وعدتها بيوم، ونسيت وعد تاني.
آسر غطى وشه بإيده.
أنا مش هقدر أسامح نفسي.
رديت بهدوء
دي مش مسؤوليتي يا آسر.
خرج، وقفلت الباب.
بعدها بدقايق، وصلني إشعار من المحامي.
تم فتح الملف الثاني. فيه رسالة إلكترونية مرفقة باسم كريم، ونسخة من مستند يخص حسابًا ماليًا. محتاجين نقابلك فورًا.
رحت مكتبه، وهناك شفت المستندات كاملة لأول مرة.
كانت الرسالة بتوضح إن فيه شخصًا طلب تعديل بيانات مستفيد في حساب الشركة، وإن التعديل اتعمل باستخدام بيانات شخصية تخصني.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر صفحة.
اسم الشخص اللي طلب التعديل ما كانش كريم.
كان اسم موظف سابق في شركة آسر، شخص اسمه شريف، كان آسر فصله من الشغل قبل سنة بسبب مخالفات إدارية.
المحامي قال
ده معناه إننا محتاجين نعرف العلاقة بين شريف وكريم ونورهان، وهل أي حد فيهم كان عنده وصول لبياناتك.
في اللحظة دي، دخل حسام المكتب بعد ما استأذن.
كان ماسك ظرفًا جديدًا.
يا أستاذ، دي آخر حاجة لقيناها في الأرشيف.
المحامي فتح الظرف، وطلع منه مستند قديم، وعلى الهامش ملاحظة مكتوبة بخط اليد.
قرأها بصوت منخفض
لو أمل عرفت إن الحساب باسمها، كل الاتفاق هينهار.
سكت الجميع.
وبعدها رفع المحامي عينيه ناحيتي وقال
اللي كتب الجملة دي كان عارف إنك مالكيش علاقة بالحساب، ومع ذلك استخدم اسمك.
بصيت للمستند، ثم للملاحظة، وقلت
يبقى لازم نعرف مين كتبها.
حسام رد
إحنا عندنا احتمال، لكن مش دليل نهائي.
مين؟
بص ناحية آسر اللي كان واقف عند الباب، ثم قال
الملاحظة دي مكتوبة بخط شخص كان بيشتغل في مكتب الباشا، ولسه موجود في الشركة لحد النهارده.
المشهد الثالث عشر آخر مواجهة قبل الرحيل
لما سمعت كلام حسام، طلبت منه يقول الاسم بوضوح.
لكنه رفض يتكلم من غير ما يتأكد من خط الملاحظة، لأن اتهام شخص من غير دليل ممكن يظلم بريئًا ويعطل التحقيق.
المحامي وافق على كلامه، وقرر يطلب فحص المستندات ومراجعة صلاحيات الوصول للملفات.
أما أنا، فقررت أواجه كريم مرة أخيرة.
اتصلت به وطلبت منه يقابلني في بيت أمي.
وصل بعد المغرب، ولما دخل الصالون، لقى آسر ومريم والمحامي موجودين.
وقف مكانه.
إيه ده؟
إنتوا عاملين اجتماع محكمة؟
قلتله
لأ، إحنا بنحاول نفهم ليه اسمي ظهر في أوراق مالية من غير علمي.
كريم بص لآسر.
إنت دخلت نفسك في الموضوع ليه؟
آسر رد بهدوء
لأن المستندات تخص شركتي، واسم أمل مستخدم فيها.
كريم قعد، وحاول يظهر إنه هادي.
أنا قلتلك يا أمل، الموضوع أكبر منك. سيبيه للناس اللي فاهمة.
حطيت نسخة المستند قدامه.
إيه علاقتك بشركة النور للاستشارات؟
بص للورقة، وبعدها رجع بصلي.
كنت أعرف حد شغال فيها.
مين؟
شريف.
حسام، اللي كان واقف بعيد، رفع عينيه بسرعة.
آسر سأله
إنت كنت بتتعامل مع شريف بعد ما خرج من الشركة؟
كريم اتردد.
في حدود الشغل.
أي شغل؟
صفقات واستشارات.
المحامي تدخل
هل وقعت على أي مستند باستخدام بيانات أمل أو وافقت على استخدامها؟
كريم بصلي، وبعدها قال
لأ.
سألته
طب ليه لما سألتك عن الشركة قلتلي ما أدخلش نفسي في الموضوع؟
سكت.
وليه قلتلي ما أفتحش الملف التاني؟
بدأت ملامحه تتغير.
كنت خاېف عليكي.
من إيه؟
من المشاكل.
المشاكل اللي إنت عارف عنها وسايبني أكتشفها لوحدي؟
كريم قام من مكانه.
أمل، أنا أخوكي. عمري ما كنت عايز أضرك.
قلتله
أنا مش بسألك عن نيتك. أنا بسألك عن الحقيقة.
سكت طويلًا، ثم قال
أنا ما كتبتش توقيعك، وما حولتش فلوس باسمك. لكن شريف قاللي إن فيه حسابات محتاجة مراجعة، وإن آسر موافق عليها. أنا ما كنتش أعرف إن التوقيع مزيف.
آسر بص له بحدة.
وإنت صدقته من غير ما تراجع؟
كريم رد بعصبية
أيوه، غلطت. لكن أنا ما كنتش عارف إن الموضوع هيوصل لكده.
المحامي سأله
هل عندك أي رسائل تثبت كلامك؟
كريم هز راسه.
عندي محادثات قديمة مع شريف.
محتاجين نسخة منها.
وافق، وطلع موبايله، وبدأ يراجع الرسائل.
بعد دقائق، وقف عند محادثة قديمة، ووشه اتغير.
إيه؟
قربت منه.
في إيه؟
ما ردش.
مد الموبايل للمحامي.
كانت فيه رسالة من شريف، مرسلة قبل ۏفاة ندى بأيام، بيقول فيها
ما تقلقش. بعد ما الملف يتقفل، محدش هيقدر يرجع وراه.
وتحتها رد من كريم
المهم أمل ما تعرفش.
حسيت إن صدري اتقفل.
بصيت لأخويا.
إنت كنت عارف؟
كريم هز راسه بسرعة.
مش قصدي إنك ما تعرفيش الحساب. كنت أقصد ما تعرفيش إننا بنتعامل مع شريف، عشان ما يحصلش خلاف بينك وبين آسر.
ما قدرتش أتكلم.
المحامي طلب منه يسيب الموبايل مفتوحًا على المحادثة، ووعده إن كل شيء هيتراجع بشكل قانوني.
كريم قرب مني.
أمل، أنا غلطت، بس والله ما كنت عايز أضرك.
رجعت خطوة لورا.
أنا محتاجة وقت.
أنا أخوكي.
بصيتله، وقلت
وعشان إنت
أخويا، الۏجع أكبر.
خرج كريم من البيت، وساب وراءه صمتًا تقيلًا.
آسر فضل واقف عند الباب، وبعدين قال
أنا آسف.
بصيتله.
إنت مالكش ذنب في كل حاجة حصلت، لكن عندك ذنب في حاجات كتير. وأولها إنك كنت شايفني دايمًا هفضل موجودة مهما عملت.
نزل عينيه.
أنا فاهم.
لأ، إنت لسه بتحاول تفهم.
طلعت شنطتي، وخدت صندوق ندى، وخرجت من البيت.
المرة دي، ما كنتش بهرب من الحقيقة.
كنت بختار أواجهها من بعيد، من غير ما أسمح لها إنها تسرق مني بقية عمري.
المشهد الرابع عشر الرسالة الأخيرة من ندى
وصلت المطار في اليوم التالي، ومعايا شنطتين وصندوق خشبي صغير.
كان فيه حاجات ندى اللي ما قدرتش أسيبها الأرنب القماشي، والرسمة اللي رسمتها لأبوها، والفستان الوردي، وصورة لينا التلاتة في عيد ميلادها الرابع.
وقفت قدام بوابة السفر، وبصيت للصندوق.
افتكرت آخر مرة حضنتني فيها ندى، وهي بتقولي
ماما، ما تنسيش تقولي لبابا ييجي بدري.
حطيت إيدي على الصندوق، وغمضت عيني.
أنا ما نسيتكيش يا ندى. عمري ما هنساكي.
رن موبايلتي.
كان المحامي.
رديت.
أيوه؟
قال
أمل، وصلنا لتطور مهم في موضوع المستندات. شريف اعترف إنه عدّل بعض البيانات، لكن لسه بنراجع مين طلب منه ده بالضبط. كريم سلّم المحادثات كاملة، وآسر وافق على تقديم كل السجلات المطلوبة.
سألته
يعني الموضوع هياخد وقت؟
غالبًا، أيوه. لكن دلوقتي فيه مسار واضح للمراجعة، وحقوقك مش هتضيع.
شكرته، وقفلت.
بعدها وصلتني رسالة من آسر.
كانت طويلة، لكنني قرأتها.
أمل، أنا مش هطلب منك ترجعي، ومش هقولك سامحيني. أنا عارف إن فيه حاجات ما ينفعش تتصلح بالكلام. أنا هتحمل مسؤوليتي عن كل قرار أخدته، وهفضل فاكر ندى طول عمري. النهارده رحت الروضة، وقابلت المشرفة. ادتني الرسمة اللي كانت ندى عاملاها، لأنها لقت نسخة تانية كانت حطاها في درجها. مش عارف ليه بكتبلك ده، يمكن عشان عايزك تعرفي إنني أخيرًا فهمت إن ندى ما كانتش محتاجة مني هدايا، كانت محتاجة وقتي. أنا مش هقدر أرجع لها الوقت اللي ضاع، لكن مش هسمح لنفسي أعيش كأني ما حصلش حاجة.
فضلت باصة للرسالة فترة طويلة.
ما رديتش.
مش لأنني كنت عايزة أعاقبه، لكن لأن فيه وجعًا أكبر من إنه يتحول إلى حوار بين شخصين.
نادوا على الرحلة.
شلت الصندوق، ومشيت ناحية البوابة.
وقبل ما أدخل، سمعت صوت بنت صغيرة بتنادي أباها في المطار.
بابا! استناني!
وقفت مكاني للحظة.
بصيت ناحية الصوت، ولقيت طفلة بتجري في حضڼ أبوها، وهو شالها وفضل يضحك معاها.

حسيت بدموعي بتنزل، لكنني كملت طريقي.
ما كانش ممكن أرجع الزمن.
ما كانش ممكن أغير اليوم اللي ندى استنت فيه أبوها.
لكن كان ممكن أعيش بطريقة مختلفة، من غير ما أفضل أسيرة للي

وحطيت صندوق ندى على الكرسي اللي جنبي.
وقبل ما الطيارة تتحرك، فتحت شنطتها الصغيرة، وطلعت الرسمة.
تحت كلمة عيلتي، كان فيه سطر صغير ما كنتش لاحظته قبل كده.
ندى كانت كاتبة بحروف متلخبطة
بابا، لما تخلص شغل، تعالى العب معايا.
انهرت في مكاني.
حضنت الورقة على صدري، وفضلت أعيط لحد ما الطيارة بدأت تتحرك.
كنت فاكرة إن دي آخر رسالة من ندى هتفضل معايا.
لكن بعد ما وصلت دبي بأيام، وأنا بفتح صندوقها عشان أرتب حاجاتها في شقتي الجديدة، لقيت ظرفًا صغيرًا مستخبي تحت بطانة الشنطة.
كان عليه اسمي بخط ندى.
فتحته بإيدي المرتعشة.
جواه رسمة صغيرة لبيت، وشجرة، وتلات أشخاص ماسكين إيد بعض.
وعلى ظهرها،
كانت فيه جملة واحدة كتبتها بنتي بمساعدة معلمتها
ماما، لما أكبر، هخليكي مبسوطة كل يوم.
حطيت الرسمة جنب سريرها الصغير اللي كنت مجهزاه في ركن من الشقة، وفضلت أبص لها طويلًا.
ما كانش فيه رجوع.
ولا نهاية سعيدة بالشكل اللي الناس بتحبه في الحكايات.
كان فيه أم بتحاول تتعلم تعيش بعد ما خسړت أغلى ما عندها، وأب هيفضل طول عمره يواجه نتيجة إهماله، وعيلة اتكشفت أسرارها، وناس لازم تتحاسب على اللي عملته.
أما ندى، ففضلت حاضرة في كل تفصيلة من حياتي.
في الرسمة اللي على الحيطة.
في الأرنب القماشي اللي كنت بحطه جنب المخدة.
وفي كل مرة أشوف فيها طفلة صغيرة ماسكة إيد أبوها، وأفتكر إن بعض الوعود لو اتأخرت، ممكن ما
يبقاش فيه فرصة تانية لتنفيذها.
وبعد شهر من سفري، وصلني خطاب من المحامي.
كان فيه مستندات جديدة، وإفادة رسمية تخص التحقيق في الحسابات، ومعاها رسالة قصيرة من آسر.
فتحْت الرسالة، وقرأت أول سطر.
أمل، فيه حقيقة أخيرة عن اليوم اللي ماټت فيه ندى، لازم تعرفيها…
وتحت السطر، كان فيه موعد ومكان، وطلب إنني أرجع القاهرة يومًا واحدًا، لأن الشخص اللي ظهر اسمه في آخر المستندات قرر أخيرًا يتكلم.
قعدت على طرف السرير، والرسالة في إيدي.
كنت فاكرة إنني قفلت باب حياتي القديمة لما الطيارة غادرت القاهرة.
لكن واضح إن فيه بابًا لسه مفتوحًا.
والاسم اللي كان مكتوبًا في آخر الصفحة، هو الاسم اللي ما كنتش أتخيل أبدًا إنه
يكون له علاقة بأصعب يوم في حياتي.

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى