
قفلت باب بيت أمي ورايا، وقفلت معاه صفحة كاملة ومريرة من عمري. دخلت الصالة، ريحة بخورها القديم كانت لسه لافّة في المكان، كأنها بتستقبلني وبتقولي “حمد الله ع السلامة يا بنتي”. قعدت على الكرسي اللي كانت بتقعد عليه، وطلعت الورقة تاني، قريت وصيتها، وحسيت إن كل حرف كتبته كان بيمسح دمعة وجع من على خدها.
تاني يوم الصبح بدري، لقيت خبط جامد على الباب. فتحت، ولقيت محمود واقف وشايفه على وشه ملامح التلوّن والنفاق اللي اتعودت عليها سنين. كان بيحاول يبتسم ابتسامة صفراء، وقال بصوت هادي:
«أزيك يا أم العيال؟ بصي، أنا جيت أخدك ترجعي بيتك بالذوق. اللي حصل امبارح كان عصبية وضغط، وأمي بتمسي عليكِ وبتقول لك حقك عليا، اعتبريها زي أمك.»
بصيت له من فوق لتحت، وكل كلمة كان بيقولها كانت بتفكرني بجبروته يوم موت أمي ليا بالطلاق. قلت له بكل هدوء:
«بيتي؟ أي بيت تقصده يا محمود؟ بيتكم اللي كنت فيه مجرد خدامة لأمك وبناتها، وكنتوا بتساوموني بكرامتي وبأمي وهي بتموت؟! انساها يا محمود. اللي بيني وبينك انتهى، وخلاص، الورق اللي بيننا هيخلص في المحكمة، ومش هديك فرصة تلمس مني حاجة، ولا البيت ولا القرشين اللي أمي سابتهم لي.»
وشه اتغير تمامًا، والابتسامة الصفراء اتقطعت، وعينه اتملت شر وغضب وقال بصوت عالي:
«بقا كده؟! تبيعيني علشان حتة شقة خربانة وميتة ولّت؟! والله ما هسيبك تتهني بلحظة واحدة، وهطلع عينك في المحاكم، وهخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتِ فيه، ومش هطلقك ولا هتشوفي طلاق غير على جثتي، وهرفع قضية طاعة وأرجعك غصب عنك!»
سكت ومردتش عليه، وبكل ثبات قفلت الباب في وشه في نص كلامه، وسمعته بيخبط برجليه ويزعق على السلم، بس قلبي كان متطمن وراسي مرفوعة.
مرت الأيام، ومحمود نفذ تهديده ورفع عليا قضية طاعة ونزاعات قضائية طويلة. في الأول، كنت بحس بالرهبة من قعدة المحاكم، بس كل ما كنت بفتكر نظرة أمي المكسورة، وكل دمعة نزلت مني وأنا بعيدة عنها وهي بتموت، كانت القوة بتتجدد جوايا. استعنت بمحامي شاطر وابن حلال من أهل الحارة، وقدمنا كل المستندات، وعقد ملكية البيت، وشهادة الجيران اللي شافوا جبروت محمود وأمه يوم الوفاة وتهديده ليا بالطلاق عشان أسيب أمي العاجزة تموت لوحدها.
وفي نفس الوقت، بدأت أرتّب حياتي الجديدة. الشقة الصغيرة بتاعة أمي نظفتها ورتبتها، وعملت مشروع صغير في الصالة عندي، بقيت أعمل أكل بيتي ومخبوزات وأبيعها للناس والجيران اللي وقفوا جنبي. الحمد لله، ربنا رزقني بزبائن كتير، والخير بقى يدخل البيت من عرق جبيني وبشرفي، ولأول مرة أحس بطعم الاستقلال، وإني إنسانة لها قيمة وليها رأي مش مجرد ظل في بيت حد مش مقدرني.
بعد شهور طويلة من المدافعة في المحاكم، جه اليوم الحاسم. يوم الجلسة النهائية للقضية. دخلت قاعة المحكمة، وكنت واقفة بكل ثقة، لابسة عباية سوداء نظيفة ومطمنة. محمود كان واقف مع محاميه ووشه أصفر وخايف، وحماتي كانت قاعدة بره بتدعي عليا بالشر.
القاضي بص في الأوراق، وراجع كل التقارير وأقوال شهود العيان من الجيران، وسمع مرافعة محاميّ اللي وضح فيها استحالة العشرة، والظلم والقهر والابتسامة بالطلاق اللي اتعرضت لها وأمي بتلفظ أنفاسها الأخيرة.
وبعد مداولة قصيرة، نطق القاضي بالحكم العادل الذي أنصف روحي المكسورة:
«حكمت المحكمة بتطليق البائن للضرر، وإلزام المدعى عليه بنفقة العدة والمتعة، وثبوت ملكية المدعية للمنزل والتركة الخاصة بوالدتها كاملة دون شريك.»
سمعت الكلمة، وحسيت كأن جبل كبير اتهد من على صدري. دمعة فرح نزلت من عيني، بس المرة دي كانت دمعة نصر وارتياح. بصيت لمحمود، لقيته واقف مش مصدق، عيونه تايهة، وشه مبهوت، وبنات حماتي وأمه بقوا في صدمة تامة، لأنهم كانوا متخيلين إني هفضل ضعيفة طول عمري.
طلعت من المحكمة، والهواء كان بيلفح وجهي بطعم الحرية. رجعت بيت أمي، فتحت الباب، وبصّيت للسماء وقلت بصوت متهدج بالفرحة:
«أنا عملت اللي عليا يا أمي، وحفظت أمانتك، وجبت حقي وحقك.. ارتاحي في قبرك يا ست الكل، بنتك بقت حرة ومكسرتش وصيتك أبدًا.»
قعدت في بيتي، وسط ريحة أمي ودفء ذكرياتها، وأنا عارفة إن اللي جاي كله خير، وإن صفحة الظلم اتقفلت إلى الأبد، وبداية جديدة كتبتُها بدموعي وعرق جبيني وصبر السنين.
بعد ما خرجت من المحكمة وحياتي استقرت في بيت أمي، حسيت إن السنين الطويلة اللي فاتت كانت كابوس، وإني أخيرًا صحيت منه على نور جديد. الشقة البسيطة اللي سابتها لي أمي بقت أطهر وأعظم مكان في الدنيا عندي. بقيت أصحي الصبح بدري، أشرب قهوتي وأنا بفتح الشباك اللي بيدخل شمس الصباح، وأقرأ الفاتحة لروحها الطاهرة اللي حاسة إنها دايماً حواليا بتحميني وتبارك خطواتي.
مشروعي الصغير للأكل البيتوتي والمخبوزات بدأ ينجح ووسع أكتر بكتير مما كنت متخيلة. الجيران وأهل الحارة مكنوش بس زباین، كانوا عائلة تانية بتدعمني بكل حب. اللي تطلب كحك العيد، واللي تطلب أكل لعزومة، والكل كان بيشهد بنظافة إيدي وبركة الأكل. بقيت بشتغل بإيدي وبكسب قراري ورزقي بالحلال، ولأول مرة أحس بطعم الحرية؛ إني أصحى وأنام وأنا ملكة نفسي، مفيش حد بيأمرني بنبرة استعلاء، ومفيش حماية قاعدة تترصد أخطائي، ومفيش جوز بيهددني بطلاق أو بكرامة مهدورة.
لكن الدنيا مبتقفش على حال، وأيام العز والستر اللي عشتها مسبتش محمود وأهله في حالهم. بعد الحكم اللي طلع ضده، وطليقته اللي سابته بعد ما عرفت إن فلوسه وبختته راحت في قضايا خاسرة ونفقات، محمود لقى نفسه وحيد. بناته الثلاثة، اللي كانوا متجوزين وقاعدين جنبهم ومبيعملوش حاجة غير الأكل والقعود، بدأت المشاكل تظهر في بيوتهم، وحماتي العجوز اللي كانت مفكرة إن صحتها هتدوم لها العمر كله، بدأت عافيتها تخور.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة بجهز طلبية كبيرة للمخبوزات، وفجأة سمعت صوت خبط خفيف ومتكرر على باب الشقة. استغربت، لأن معاد الدليفري لسه مجهش، والزباين بتضرب الجرس بطريقة معروفة. فتحت الباب، وهنا كانت الصدمة..
لقيت محمود واقف قدامي، بس إنسان تاني خالص. شعره شاب وبقى أبيض بالكامل، ووشه دبلان كأن السنين سرقته في شهور معدودة، وكسرة الذل كانت واضحة في عينيه وهو باصص للأرض ومش قادر يرفعها في وشي. وورا على السلم، كانت حماتي قاعدة على كرسي بلاستيك صغير، مكسورة، عاجزة، ومش قادرة تطلع السلم لوحدها، وكانت بتعيط بدموع الندم.
محمود بلع ريقه بصعوبة، وصوته كان مكسور وواطي جداً وهو بيقول:
«ازيك يا أم أحمد.. عارف إن ماليش عين أقف قدامك، ولا ليا حق أنطق بكلمة واحدة بعد اللي عملته معاكي.. بس مفيش غيرك.. أمي.. أمي زي ما انتِ شايفه، بناتها كل واحدة التهت في بيتها ومشاكلها، ومبقاش فيه حد بيرعى ولا بياخد باله منها، وكل ما تتعب تنادي باسمك وتقول “هاتولي بنتي اللي ظلمتها”.. أنا جيت أطلب منك العفو، وحقك عليّ، تعالي ارجعي لبيتك.. أو حتى تعالي هنا أشرف لها وأنا هخدمكم الإثنين بنفسي.»
بصيت لحماتي، اللي رفعت عينها المكسورة فيا، وسمعتها بتقول بصوت مهزوز وهي بتعيط:
«سامحيني يا بنتي.. أنا ظالمتك، ودفعت التمن غالي أوي.. كنت مفكرة الصحة هتدوم، ومكنتش أعرف إن الدنيا لدارة.. سامحيني، أنا بين إيديكِ.»



