روايات وقصص

حكايات ندي الجمل 1

بقالي 18 سنة وأنا بخدم حماتي وبناتها، عمري ما اتأخرت عنهم في طلب، ولا عمري قلت إني تعبت أو زهقت، لحد ما جه اليوم اللي لقيت نفسي فيه مجبرة أختار بين أمي وبين بيت جوزي! أمي ست قعيدة، كانت من سنين عينها واحدة مش بتشوف بيها خالص، والعين التانية كانت بتشوف بيها بالعافية، لحد ما نظرها ضعف أكتر، وفي الآخر فقدت قدرتها على إنها تشوف بيها هي كمان.

 

أمي بقت مش قادرة تعتمد على نفسها في أبسط حاجة، وكانت محتاجة حد يكون جنبها طول الوقت، يساعدها في أكلها وشربها، ويدخلها الحمام، ويطمن إنها بخير.

في يوم، استأذنت جوزي إني أروح أقعد عند أمي شهر، أخدمها وأكون جنبها، خصوصًا إنها مبقتش قادرة تشوف ولا تتحرك لوحدها.

جوزي وافق، وروحت فعلًا وقعدت مع أمي، وكنت حاسة إني أخيرًا بعمل حاجة تريح قلبي ناحيتها، بعد سنين طويلة قضيتها في خدمة حماتي وبناتها.

لكن اللي حصل بعد كده مكنش على بالي!

حماتي فضلت تزن على جوزي وتشتكي له إني سبتها، مع إن بناتها التلاتة متجوزين وقاعدين جنبها، وهي صحتها كويسة، وبتطلع السلم وبتروح مشاويرها لوحدها، يعني مش محتاجة مساعدة زي أمي.

ومع ذلك، مكانش عاجبها إني أكون جنب أمي ولو لشهر واحد!

لحد ما جوزي كلمني في التليفون، وقال لي بكل برود: “اسمعي يا حبيبتي، خدمة أمك كوم، وطلاقك كوم تاني! لو مرجعتيش بيتك وخدمتي أمي زي الأول، متلوميش غير نفسك!”

وقتها حسيت إن قلبي اتقبض، وإن كل السنين اللي قضيتها في خدمة أمه وبناتها اتمسحت في لحظة، وإنه مش شايف تعبي ولا مقدر إني أنا كمان عندي أم محتاجاني.

لكن أمي، رغم عجزها وضعفها، كانت حاسة بيا وباللي أنا فيه.

لما عرفت إن جوزي بيهددني بالطلاق، قالت لي بصوت مكسور: “يا بنتي، متخربيش بيتك عشاني، أنا كفاية عليا إنك جيتي وقعدتي معايا الشهر ده. ارجعي بيتك، والجيران هنا مش هيسيبوني، كل شوية حد منهم هيعدي يطمن عليا.”

كنت نفسي أفضل جنبها ومسبهاش لحظة، لكن هي اللي كانت بتطلب مني أمشي علشان تحافظ على بيتي، حتى وهي أكتر واحدة محتاجاني!

اضطريت أرجع بيت جوزي، وأول ما دخلت، لقيت حماتي مستنياني، وبصت لي من فوق تحت وقالت بسخرية: “أهو حضرتك رجعتي أخيرًا! يعني تروحي تخدمي أمك وتسيبيني أنا، كأن ماليش حد في الدنيا!”

بصيت لها وقلت، وأنا بحاول أتماسك: “يا حماتي، أمي ملزومة مني، وربنا هيسألني عليها. دي ست قعيدة ومش بتشوف، ومحتاجة حد يساعدها في كل حاجة، وأنا بنتها وأولى الناس إني أخدمها. وبناتك أولى بيكي، خصوصًا إنك الحمد لله صحتك كويسة وبتتحركي لوحدك.”

وشها اتغير، وبصت لي بغضب وقالت: “آه، يعني أنا مش ملزومة منك؟! طيب، أنا هعرفك مين الملزوم بمين، ومين اللي المفروض يخدمني!”

سكت ومردتش عليها، وقلت في نفسي إن الموضوع انتهى عند كده، وإنها مهما قالت، أنا مش هقدر أسيب أمي وهي في الحالة دي.

لكن تاني يوم الصبح، جوزي فاجئني بكلام خلاني أحس إني مجرد خدامة عند أمه، وإن ماليش رأي ولا حق أرفض.

قال لي: “انزلي لأمي، شوفي هي محتاجة إيه، ونضفي لها الشقة، وجهزي لها أكلها، ومش عايز أسمع منك كلمة إنك تعبانة أو إن عندك أم.”

نزلت وأنا مجبورة، وقلبي مليان قهر، ومن كتر الضغط والظلم بقيت كل ما أشوف حماتي أدعي عليها من جوايا، وأقول: يا رب، خلصني من اللي أنا فيه!

بس رغم كل ده، قلبي مكنش بيطمن على أمي لحظة واحدة.

كنت جايبالها موبايل، وكنت معلّقاه في رقبتها علشان لو احتاجت أي حاجة، أو وقعت وهي لوحدها، تقدر تتصل بيا فورًا.

وكنت كل شوية أرن عليها، أطمن عليها وأسمع صوتها، ولو مردتش، قلبي كان بيتقبض، فأكلم واحدة من الجيران وأطلب منها تطلع تشوف أمي مالها.

كنت عارفة إن الجيران مش هيقصروا، وإنهم ممكن يعدوا عليها الصبح، لكن مش هيقدروا يفضلوا معاها طول اليوم، لأن كل واحد فيهم عنده بيته ومسؤولياته، وبالليل كل واحد بيقفل بابه على نفسه.

وكنت عايشة بين نارين؛ نار أمي اللي سايباها لوحدها وهي في أشد الحاجة ليا، ونار جوزي وحماتي اللي مش راضيين يسيبوني أكون جنبها.

لحد ما جه الليوم اللي عمري ما هنساه، اليوم اللي أتمنى لو الزمن يرجع بيا لورا، حتى لو هدفع عمري كله تمن اللحظة دي!

كنت قاعدة في البيت، وفجأة حسيت إني لازم أكلم أمي وأطمن عليها.

مسكت الموبايل ورنيت عليها مرة، واتنين، وتلاتة…

لكن مفيش رد!

قلبي بدأ يدق بسرعة، وحسيت إن في حاجة غلط، خصوصًا إن أمي عمرها ما كانت بتسيبني أرن عليها من غير ما تحاول ترد، حتى لو كانت مش قادرة تتكلم.

فضلت أحاول معاها، لكن مفيش أي استجابة.

وقتها مقدرتش أستحمل، وكلمت واحدة من جيرانها، وقلت لها بصوت كله خوف: “أبوس إيدك يا أم فلان، اطلعي شوفي أمي مالها، أنا برن عليها ومش بترد، وقلبي مش مطمن!”

الجارة قالت لي إنها هتطلع لها حالًا، وأنا فضلت ماسكة الموبايل، مستنية منها أي خبر، وكل ثانية كانت بتمر عليا كأنها ساعة.

وفجأة، لقيت تليفوني بيرن.

رديت على التليفون وأنا قلبي بيدق بسرعة، وقلت لجارتنا: “طمنيني يا أم فلان، أمي مالها؟ هي كويسة؟ طب مردتش ليه؟”

سكتت شوية، وبعدها سمعتها بتقول بصوت مكسور: “البقاء لله يا بنتي… أمك ماتت!”

حسيت إن الأرض بتلف بيا، والموبايل وقع من إيدي، وفضلت أصرخ بكل صوتي: “أمي ماتت؟! لأ، مستحيل! أمي متسبنيش يا رب… أمي ملهاش غيري!”

وقتها محستش بنفسي غير وأنا بجري ناحية الباب، لا شايفة قدامي ولا سامعة حد بيكلمني، وكل اللي كان في دماغي إني لازم أوصل لأمي، يمكن ألحق أشوفها للمرة الأخيرة، يمكن تكون لسه مستنياني!

لكن وأنا نازلة السلم، سمعت صوت جوزي من ورايا: “إنتِ رايحة فين دلوقتي؟!”

بصيت له والدموع مغرقة وشي، وصرخت فيه: “أمي ماتت يا محمود! أمي ماتت وأنا كنت بعيدة عنها علشان أرضيك إنت وأمك!”

اتسمر مكانه، لكن بدل ما يواسيني أو يحاول يهديني، قال لي ببرود: “طيب اهدي، هنشوف هنعمل إيه.”

بصيت له وأنا مش مصدقة اللي سمعته، وقلت له: “هنشوف هنعمل إيه؟! دي أمي يا محمود! دي اللي ربتني وشالتني، واللي في آخر أيامها كانت محتاجاني جنبها، وأنا سيبتها علشان إنت هددتني بالطلاق!”

وسبته وجريت، وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع مع كل خطوة.

وصلت بيت أمي، ولما دخلت أوضتها وشفتها نايمة على سريرها، جريت عليها وحضنتها وأنا بعيط: “قومي يا أمي، أنا جيت… أهو أنا جيت يا حبيبتي! قومي عشان خاطري، أنا مش هسيبك تاني أبدًا!”

لكن أمي ماردتش عليا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى