روايات وقصص

حكايات ندي الجمل 3

فتحت باب بيت أمي، ولأول مرة أحس إن الشقة مش بس هادية، دي بتتنفس سلام حقيقي. قفلت الباب ورايا، وقلعت طرحتي وأنا باصة للصور القديمة المعلقة على الحيطة، خصوصًا صورة أمي الله يرحمها. حسيت بروحها طايرة حواليا في المكان، كأنها بتبتسم لي وبتقولي: “رفعتي راس بيتنا يا بنتي، وعيشتي عزيزة…”.

بعد وفاة حماتي بأسبوعين، كانت الدنيا حواليا هادية وجميلة. شغلي في المخبوزات والأكل البيتي بقى ليه اسم كبير ومطلوب في كل حتة، والستات حواليا في الحارة بقوا بيعتبروني قدوة في الصبر والكرامة. محدش بقى يجرؤ يبص لي نظرة ناقصة، ولا حد يقدر يقلل مني، لإن اللي تقف على رجلها بوسطها وعرقها، بتبقي ملكة في نظر الكل.
في يوم هادي، كنت قاعدة بجهز طلبيات جديدة، وسمعت صوت خبط خفيف على الباب. استغربت، لأن معاد الدليفري لسه مجهش، والزباين بتضرب الجرس بصوت أعلى. فتحت الباب، وهنا كانت المفاجأة اللي قلبت موازين حياتي تاتي!
كان واقف قدامي… محمود!
بس المره دي شكله كان مختلف تمامًا. مكنش جاي بطمع ولا بجبروت ولا بندم مؤقت، كان واقف وراسه في الأرض، ووشه باين عليه التعب والكسرة الحقيقية. وبجنبه كان فيه شنطة سفر صغيرة.
بصيت له باستغراب شديد، ونبرة صوتي كانت حاسمة وهادية في نفس الوقت:
«خير يا محمود؟ جاي تاني ليه؟ مش خلاص كل واحد خد طريقه؟»
محمود رفع عينه ببطء، ولمعت في عيونه دموع حقيقية مش تمثيل، وقال بصوت منكسر يقطع القلب:
«أنا عارف إن ماليش عين أقف قدامك، وعارف إن اللي عملته معاكي مينفعش تتسامح فيه ببساطة.. بس أنا جيت أقولك حاجة واحدة، ووالله ما بطمع في حاجة، ولا جاي أساومك زي زمان.»
سكت شوية، كأن الكلمات صعبة تطلع من بوقه، وبعدين كمل:
«بناتي كل واحدة انشغلت في بيتها ومشاكلها، والبيت اللي كنت فيه ملك لأمي اتبِع عشان الديون اللي تراكمت علينا… أنا بقيت في الشارع، ووحداني، ومبقاش عندي أي حاجة في الدنيا غير إني أدركت قيمة الست العظيمة اللي فرطت فيها بإيدي. أنا لا جاي أطلب منك ترجعيلي، ولا جاي أقولك تعالي اخدميني.. أنا جاي أطلب منك فرصة واحدة بس.. أشتغل عندك، أكون خادم تحت رجليكي في الشَّغل ده، أو أكون أي حاجة.. المهم أفضل قريب من ريحة الأمان اللي طردتها بإيدي!»
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت له ولقيت الندم الحقيقي مرسوم على كل تفصيلة في وشه. حسيت بإن الدنيا فعلاً دارت، وإن ربنا سبحانه وتعالى بيكتب العدل بطريقته الخاصة. مكنتش حاسة بأي شعور للشماتة، ولا حتى برغبة في الانتقام، كل اللي كنت حاسه بيه هو استقرار وسلام نفسي عظيم.
أخذت نفس عميق، وبصيت له بكل هدوء وثبات، وقلت له:
«يا محمود.. الدنيا علمتني إن الإنسان اللي بيبيع كرامته وأصله، بيخسر كل حاجة في الآخر. وأنا لا يمكن أرجع لورا، ولا يمكن أقبل إنسان كان هيرميني في الشارع… يكون جزء من حياتي تاني، حتى لو كان خدام عندي.»
شافه وهو بيبلع ريقه بوجع، وكملت كلامي بنبرة إنسانية بس قاطعة:
«بس في نفس الوقت، أمي الله يرحمها علمتني إني متدش حد محتاج ولا أقطع باب خير. أنا مش هطردك، ومش هسيبك في الشارع، وفي نفس الشارع هنا فيه ورشة صغيرة فاضية وتحتاها شقة صغيرة ممكن تكريها وتعيش منها بالحلال، وممكن تشتغل في الدليفري مع الناس اللي بتوزع لي الطلبيات.. تاكل عرق جبينك وتعتمد على نفسك، وتبدأ صفحة جديدة مع ربنا، يمكن يغفر لك اللي عملته.»
محمود نزل دمعة من عينه، ووطى على إيدي حب يبوسها، فبعدتها بهدوء، وقال بصوت مكسور ومرتجف:
«أشكرك.. أشكرك يا بنت الأصول، دايمًا كنتِ أكبر وأطهر مني بكتير.. أنا هعمل كل اللي قلتيه، وهبدأ من جديد.»
مشي محمود، وابتديت أنا حياتي الجديدة من غير خوف ولا قيود. بقيت أشرب قهوتي كل يوم وأنا باصة لشارعنا وشمس ربنا اللي منورة بيتي، وعارفة كويس أوي إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وإن الكرامة والعزة هما أغلى ما تملكه الست في الدنيا دي.
فتحت باب بيت أمي الصبح بدري، ولقيت الهوا النقي بيخبط في وشي مع أول رشة شمس. قعدت على كرسيّ الخيزران القديم، وشربت كوباية القهوة وأنا مستغرقـة في تفكير عميق. السنين اللي فاتت دي كلها عدت قدام عيني كأنها شريط سينما؛ من أول لحظة دخلت فيها بيت حماتي وأنا بفرش لهم الأرض ورد وبخدمهم بكل رضا، مروراً بيوم الابتزاز والتهديد بطلاقي… لحد النهاردة وأنا قاعدة ملكة في بيتي، مستقلة، ورافع رأس، ومحترمة من الكل.
محمود بدأ ينفذ اللي اتفقنا عليه؛ اشتغل مع شركة توصيل صغيرة، وأخذ الأوضة البسيطة اللي في آخر الشارع، وبقى يكسب أكل عيشه من عرق جبينه بالحلال. مكنش بيقرب مني ولا بيطلب مني أي حاجة، بس كل ما كان بيعدي قدام الشقة، كان بينزل راسه في الأرض باحترام وندم، وكأن الشارع كله بقى شاهد على إن الظلم له نهاية، وإن الإنسان اللي بيبيع أصله بيفضل خسران طول عمره.
مشروعي اتوسع وبقى عندي “مصنع” صغير في البيت، بناتي وبنات الحارة المحترمات بيجوا يساعدوني، وبقى اسمي مرتبط بالأكل النظيف والمخبوزات الأصلية في المنطقة كلها. الفلوس اللي ربنا رزقني بيها مكنتش بس عشان أكفي نفسي، دي بقت تفتح باب رزق لناس محتاجة كتير، وكنت كل ما أطلع صدقة، أدعي لأمي في قبرها وأقول: «دي دعواتك يا أمي اللي بتفتح لي الأبواب المقفلة».
في وسط الهادي والروقان ده، حصل اللي مكنش في البال.
في يوم جمعة، كنت بجهز الطلبيات، ولقيت جارتي “أم فلان” بتخبط على الباب بعنف وخضة، ووشها أصفر ومخطوف. فتحت لها بسرعة وأنا قلبي بيدق، وقالت لي بصوت مترعش:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى