
الزمن وقّف بيّا لثواني وأنا باصّة لإزازة مية النار اللي في إيد “سمر” بنت عم طاهر. كانت عينيها حمرة وفيها غل مش بشري، وبابتسامة مشوهة مفيهاش أي رحمة، قربت مني خطوة، وريحة النار والشر طالعة منها قبل ما تنطق بحرف.
-
دعوه حماتي ج 2منذ 4 ساعات
-
دعوه حماتي ج 1منذ 4 ساعات
-
بعد كتب الكتابي ج 3منذ 8 ساعات
-
طلقت مراتيمنذ 8 ساعات
أمي صرخت صرخة شقت السكوت في الصالة، وجت تجري من الأوضة عشان تحميني، بس سمر زقتها بكتفها بقوة وقسوة، وقعت أمي على الأرض واتخبطت في طرف الترابيزة وانكمشت وهي بتتأوه ومسكة جنبها.
سمر بصتلي بنبرة كلها حقد وغل: “فاكرة نفسك انتصرتي يا رحمة؟ فاكرة إنك لما جبتيلنا الشرطة وركبتي طاهر على العيلة كلها هتعيشي مرتاحة؟ أمي وعمتي الحاجة أم نصر محبوسين في التخشيبة بسببك، ورجالتنا وطوا رأسهم في الأرض وسط البلد! والشرطة والعدالة اللي فرحانة بيهم مش هيرجعولنا شرفنا اللي اتمرغ في التراب.. الوش الحِلو ده لازم يتقرأ عليه الفاتحة النهاردة!”
فتحت غطا الإزازة بصوت “تك” يرعب، ورفعت إيدها لفوق وجاهزة ترمي السائل الحارق على وشي. في اللحظة دي، جسمي كله اتملا بجرعة أدريينالين مش طبيعية، الخوف التام اتحول لغريزة بقاء عمياء.
بدال ما أرجع لورا أو أستسلم، هجمت عليها بكل قوتي زي اللبؤة المجروحة. مسكت إيدها اللي فيها الإزازة بكتف إيديا الاتنين، وعصرت معصمها بكل ما أوتيت من قوة رفعتها لفوق. سمر اتفاجأت بقوتي، وكانت بتحاول تتفادى وتميل الإزازة عليا، بس أنا ضربت بركبتي في بطنها بصدمة خليتها تتأوه ونفَسها يقطع.
الإزازة اتهزت في إيدها، والمية الحارقة طارت منها نقط في الهواء ونزلت على السجاد والترابيزة الخشب.. السجاد أخرج دخان أبيض وطلع ريحة شياط تخنق، والخشب اتقشر واتحرق في ثانية!
المنظر أدى لي قوة مضاعفة، رفعت إيدها وعصرت صوابعها لحد ما صرخت بصوت عالي والإزازة وقعت من إيدها واتدشتت على الأرض، والمادة الحارقة انتشرت على أرضية الصالة.
سحبتها من شعرها بغل ورزعتها في حيطة الصالة بكل قوتي، وصرخت في وشها وأنا بنهج ونفسي مقطوع: “أنتوا إيه؟! أنتوا مش بني آدمين! أنتوا شياطين عايشين في وسطنا! تحرقوا وشي وتدمروا حياتي عشان رفضت الجهل والاعتداء على جسمي؟!”
أمي قامت من على الأرض بالعافية وهي بتصرخ وتستغيث من البلكونة: “يا ناس! يا عالم! الحقونا.. الحريم داخلين علينا بمية نار في بيتنا!”
سمر كانت بتحاول تقوم وتضربني برجلها، بس أنا مسكت كرسي السفرة الخشب ورفعتها في وشها ورزعته في الأرض جنبها: “والله العظيم لو تحركتي خطوة واحدة لأكون دافناكي مكانك! اقعدي مكانك يا !”
الصوت بره في الشارع ضرب، وصريخ أمي سمع الشارع كله. طاهر والحاج صابر كبير العيلة والرجالة كانوا لسه على أول الشارع رايحين للمجلس العربي. أول ما طاهر سمع صريخ أمي، ساب الرجالة وجري على العمارة زي المجنون، ووراه شبان العيلة والحاج صابر بينادي عليه.
طاهر طالع السلم أربعة أربعة، ودفع باب الشقة المكسور ودخل زي الإعصار.
شاف المنظر: أنا واقفة ماسكة رجل كرسي وبنهج ودموعي نازلة، وسمر مرشوقة في الزاوية بتترعش والخوف ملا عينها، والأرضية بيدخن منها حريق مية النار وريحة الشياط ماليّة المكان، وأمي قاعدة على الأرض بتعيط ومسكة جنبها.
طاهر عينيه وسعت بصدمة ورعب، وجري عليا مسك كتفي وبيفحص وشي وجسمي بلهفة ورعب مش طبيعي: “رحمة! انتِ كويسة؟! جرى لك حاجة؟! نطقك يا رحمة!”
هزيت رأسي وأنا بكي وبترعش: “أنا كويسة يا طاهر.. أنا كويسة، بس سمر كانت جاية ترمي عليا مية نار.. كانت عاوزة تشوهني وتقتلني!”
طاهر التفت لسمر، وشّه اتحول للون الأسود، وعينيه بقت كتل من النار الصافية. اتقدم ناحيتها بخطوات تقيلة ترعب الأرض، وسمر صرخت واستخبّت في الحيطة: “والله يا طاهر ما كنت أقصد! هما اللي قالولي روحي وخديلنا حقنا! هما اللي زقوني!”
طاهر مسكها من جلابيتها ورفعها عن الأرض بإيد واحدة، وصوته طلع مكتوم وزي الهزيم: “كنتِ عاوزة تشوهي مراتي؟ كنتِ عاوزة تحرقي وشها يا بنت عمي؟ بقى القذارة والغل وصلوا بيكم للمرحلة دي؟!”
في اللحظة دي، دخل الحاج صابر العمارة ووراه الحاج جابر (أبو سمر) وباقي الرجالة. أول ما الحاج جابر شاف بنته مطرودة في إيد طاهر، صرخ: “سيب البت يا طاهر! أنت اتجننت ولا إيه?!”
طاهر بص لعمه ورزع سمر في الأرض عند رجل الحاج صابر الكبير، وزأر بصوت هز جدران البيت: “شوف بنت أخوك يا حاج صابر! شوف الأصول والقيم اللي بيدافعوا عنها! جاية ببرطمان مية نار عشان تشوه مراتي في بيتها وعلى سريرها!”
الحاج صابر بص للأرضية اللي بتدخن، وبص لإزازة مية النار المتدشتة، وبص لسمر اللي قاعدة على الأرض بتترعش وتعيط. وشه اصفر، ورفعت عصايته الأبنوس ورزعها على ظهر سمر ضربة خلتها تصرخ وتتلوى على الأرض.
الحاج صابر صرخ بصوت كأنه رعد: “يا قذارة! يا بيت جابر اللي جاب لنا العار والخراب! بتدخلوا البيوت بمية نار؟! هي دي عادات الصعيد؟ هي دي النخوة والأصول اللي صدعتوا دماغنا بيها?!”
الحاج جابر وقف مصدوم، ومقدرش ينطق ولا كلمة، وشه اتملى بالخزي والعار قدام كبار البلد اللي واقفين ورا الحاج صابر بيتفرجوا وبيتهامسوا بقرف واشمئزاز.
الحاج صابر بص للحاج جابر ونطق بحكم حاسم وقاطع كأنه السيف: “يا جابر.. أنت وبنتك وأختك أم نصر مالكمش قعدة معانا تاني! الحرمة اللي تدخل بيت ابن عمها بمية نار، والأب اللي يربي بنته على الغل والإجرام، مالهمش مكان وسط شرفاء العيلة!”



