روايات وقصص

بعد كتب الكتابي

بقلم روماني مكرم

رفع إيده وشاور على سمر والحاج جابر وقال: “النيابة والقانون ياخدوا مجراهم فيكم كلكم! وسمر دي تتسحب على قسم الشرطة فوراً بتهمة الشروع في القتل وإحداث عاهة مستديمة! وما حدش من العيلة كلها يجرؤ يرفع عينه في وش طاهر أو مراته، واللي يمسهم بشعرة، هكون أنا أول واحد أقطع رقبته بنفسي!”

شبّان العيلة اتقدموا وأخدوا سمر وهي بتصرخ وتترجى، والحاج جابر مشى وراهم مطأطئ رأسه في الأرض من كثرة الخزي والعار.

مقالات ذات صلة

البيت فجأة هدي، والحاج صابر قرب من طاهر، وحط إيده على كتفه وقال بصوت فيه حزن وأبوه: “سامحنا يا ابني.. الجهل كان عمينا، والعار كان هيصيبنا كلنا بسببهم. أنت راجل وسيد الرجالة، ومرتك دي بطلة ومتربية صح.”

طاهر هز رأسه باحترام، والحاج صابر انسحب مع باقي الرجالة، وقفلوا الباب وراهم.

طاهر جرى على أمي، شالها بالراحة وقعدها على الكنبة، وجاب لها مية وسمّى عليها، وبعدين جاء وقعد جنبي على الأرض، وحط رأسه في حضني وبكى.. بكى بكاء راجل مقهور ومصعوق من اللي عملوه أهله وناسه فيه وفي مراته.

مسحت على شعره ودموعي نازلة، وقولت له بصوت هادي: “خلاص يا طاهر.. الكابوس انتهى، والحق ظهر قدام الدنيا كلها.”

طاهر رفع رأسه وبص في عيني، ومسك إيديا الاتنين وباسهم بحرارة: “والله العظيم يا رحمة لأعوضك عن كل لحظة رعب عشتيها بسببهم.. من النهاردة مش هنفضل هنا، هنمشي ونبعد عن الجهل ده كله ونبدأ حياتنا في مكان نظيف يقدرك ويحميكي.”

ابتسمت له وسط دموعي، وحسيت لأول مرة إن الأمان بدأ يرجع لقلبي.. بس فجأة، التليفون بتاع طاهر رن بصوت عالي ومزعج.

طاهر طلع التليفون وبص في الشاشة، ووشه اتغير تماماً ورجع أصفر زي الميت.. كان الرقم جاي من مستشفى السجن، والمتحدث بيقوله: “ألحق يا طاهر بيه.. الحاجة أم نصر أمك جالتها جلطة مخجأة في التخشيبة ونقلوها العناية المركزة وهي بين الحياة والموت وبتقول عاوزة تشوفك انت ورحمة!”

طاهر اتسمر مكانه والتليفون بيتهز في إيده، النبرة الخارجة من السماعة كانت زي صفعة شديدة فوقتنا كلنا من لحظة الأمان المزيفة. بصلي وعينيه مليانة تخبط وعذاب مش طبيعي؛ بين حقه وعذاباته مع أمه اللي كانت هتدمر حياتي، وبين إنها في الأول والأخر أمه اللي دمها في عروقه.

أمي اتنفضت من على الكنبة وقالت بلهفة: “في إيه يا ابني؟ مين اللي بيتكلم والوش جاب ألوان ليه كدة؟”

طاهر بلع ريقه بالعافية وصوته طلع مكسور ومحششر: “أمي.. أمي أجيلها جلطة في الدماغ ونقلوها مستشفى السجن في العناية المركزة.. وبيقولوا حالتها حرج جداً وعاوزة تشوفنا.”

أمي شهقت وحطت إيدها على بقها، وأنا الفرحة والراحة اللي حسيت بيهم من شوية اتبخروا في ثانية. الغل والخوف اللي كانوا جوايا ناحية الحاجة أم نصر اتطايروا وحل محلهم شفقة ووجع إنساني. مهما عملت، الموت والمرض لما يدخلوا الخط، كل الحسابات بتتغير.

قمت وقفت ومسكت إيد طاهر اللي كانت بتترعش كأنه طفل تايه: “يلا يا طاهر.. يلا نروحلها فوراً.”

بصلي بذهول ودموعه نزلوا على خدوده: “بعد كل اللي عملته فيكي يا رحمة؟ بعد ما كانت عاوزة تذبحك وتهينك؟”

رديت عليه بثبات وضمت إيده أكتر: “هي غلطت في حقي وجاهلية رأسها كانت هتمرر عيشتنا، بس هي دلوقتي بين إيدين ربنا.. وأنت ابنها وأنا مراتك، ومش إحنا اللي نشمت في المرض والزنقة. يلا بينا.”

نزلنا نجري على المستشفى، الطريق كان طويل وقاسي وكل ثانية بتعدي كأنها سنة. طاهر كان سايق وإيده على الطارة بتتعصر، ودعواته متلخبطة بين الخوف عليها والوجع منها.

أول ما وصلنا المستشفى الميري التابعة للسجن، الهدوء هناك كان يرعب. ريحة المطهرات والحديد والمخبرين الواقفين على الأبواب يضغطوا على النفس. طاهر دخل يسأل بلهفة، وأمين الشرطة ودانا لحد باب العناية المركزة.

كان واقف بره الحاج صابر كبير العيلة بعد ما جاله خبر، وشه كان حزين ومجهد. أول ما شافنا قرب من طاهر وطبطب على كتفه: “ادخل يا ابني.. الدكاترة بيحاولوا يسعفوها، بس الجلطة كانت شديدة، والضغط علي عليها من الخزي والخوف.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى