
الجو في المكتب كان تقيل ومكتوم، الظابط كان بيبص لنا باستغراب بعد ما سمع التقرير الطبي، وفجأة الصمت اتكسر بصوتها.. صوت كان هادي لكنه كان أقوى من الرعد.
-
اتجوزت واحده مطلقة ج 2منذ ساعة واحدة
-
اتجوزت واحده مطلقة ج 1منذ ساعة واحدة
-
سمعت صوت من المطبخمنذ 4 ساعات
-
حماتي اتريقت عليامنذ 5 ساعات
بصت للظابط، وبعدين نقلت عينيها لأمي وأختي اللي كانوا لسه بيحاولوا يمثلوا دور “الناس اللي بتجيب حق ابنهم”، وقالت بنبرة فيها مرارة الدنيا: “عايزين تعرفوا سبب الخناقة اللي خلتهم يتهجموا عليا؟ أنا أقولكم”.
سكتت لحظة، كأنها بتجمع قوتها، والكل في المكتب اتسمر مكانه. كملت وهي بتبصلي مباشرة، نظرة خلت الدم يهرب من وشي: “البيه المحترم اللي واقف ده، اللي أهله جايين يربوني عشان ‘عليت صوتي عليه’، هو أصلاً اللي بدأ. أنا اكتشفت إنه بيخوني، ولقيته بيكلم واحدة تانية.. مواعيد، ورسايل، وكلام ميتسكتش عليه”.
أمي وأختي اتصدموا، وبدأوا يبصوا لبعض بتوتر، بس هي ما ادتهمش فرصة يتنفسوا. كملت وهي بتشاور بإيدها ناحيتنا: “وبدل ما تعقلوه، وبدل ما تقولوا له ‘عيب يا ابني دي أمانة في بيتك’، طلعتوا وبكل بجاحة اتهجمتوا عليا أنا، وضربتوني وقطعتوا هدومي، عشان إيه؟ عشان دافعت عن كرامتي اللي هو داس عليها بخيانته؟”.
ساد صمت تام، الظابط ساب القلم من إيده وبصلي بنظرة كلها احتقار، وقال بصوت حاد: “يعني الضرب ده كله كان عشان بتداروا على خيانته؟”.
حسيت بالأرض بتضيق عليا، أمي حاولت تبرر وتتهته في الكلام، بس كلام مراتي كان زي الرصاص اللي بيصيب في مقتل. الهروب اللي كنت بحاول أعمله من الحقيقة انكشف، والبيت اللي كنت فاكر إني مسيطر فيه، بقى كتاب مفتوح قدام الظابط، وقدام أهلي، وقدام مراتي اللي قررت أخيراً إنها مش هتسكت على دور الضحية اللي كنت راسمولها.
خلص التحقيق، والوضع كان أسود من كل النواحي. طلعت من القسم وأنا حاسس إن كل حاجة بتنهار فوق دماغي، والاتهامات بقت محفورة في ملفات القضية. لقيتها واقفة بره على رصيف القسم، لوحدها، بتبص للسما، ملامحها كانت ثابتة بس عيونها بتحكي قصة تانية خالص.
قربت منها بخطوات تقيلة، حاولت أقول أي حاجة، أي مبرر، “اسمعيني يا…”.
قاطعتني قبل ما أكمل، بصتلي ببرود خلاني أتجمد في مكاني. قالت بصوت واطي بس كان بيخترق كل السكوت اللي حوالينا: “عارف يا مراد؟ كان ممكن أسامحك على الخيانة.. كان ممكن أعتبرها نزوة شيطان، أو غلطة راجل وقع فيها وندم، كنت ممكن ألاقي ألف عذر يخليني أتمسك بيك وأكمل معاك، رغم وجعي”.
سكتت لحظة، وخدت نفس عميق، وكملت وعينيها في عيني: “لكن إنك تكون خاين في بيتك، وتغدر بيا وتخلي أهلك ينهشوا في عرضي وكرامتي وأنا بصرخ باسمك وبستنجد بيك.. دي الحاجة اللي لا يمكن تتغفر. الخيانة يا مراد مش بس إنك تكلم واحدة تانية، الخيانة الحقيقية هي إنك تبيع اللي سابوا دنيتهم عشانك، وتدوس على اللي وثقت فيك، وتختار إنك تكون ‘عدو’ بدل ما تكون ‘سند’”.
كلماتها نزلت عليا زي ضربة السيف، خلتني مش قادر أرد، مش قادر حتى أداري وشي. كملت وهي بتمشي خطوة بعيد عني: “أنت لا خنتني أنا بس، أنت خنت الرجولة اللي كنت بتباهى بيها، وغدرت بكل لحظة أمان عشتها معاك. النهاردة، أنا مش بس سيبت البيت، أنا سيبت ‘الوهم’ اللي كنت عايشة فيه”.
سابتني واقف مكاني، مش قادرة أتحرك، ولا قادرة ألاقي حرف واحد يغسل خيبتي. مشيت بعيد، وخطواتها كانت بتأكد لي إن اللي كسرته النهاردة.. لا قانون هيصلحه، ولا ندم هيجبره. وقفت أبص في ضهرها وهي بتبتعد، عرفت ساعتها إن “الخيانة والغدر” هما العنوان الحقيقي اللي كتبت بيه أنا النهاية
حاولت ألحقها، مسكت إيدها بقوة وأنا بنطق كلمة واحدة: “مستحيل أطلقك يا يارا، اللي بتعمليه ده جنان، وأنا مش هسمحلك تخرجي من حياتي بالشكل ده”. بصتلي بإيدها اللي سحبتها من إيدي بكل برود، وقالتلي: “أنا مش بسألك يا مراد، أنا ببلغك.. المحامي بتاعي بدأ في إجراءات الخلع والطلاق، وأي حقوق ليا هاخدها، مش عشان أنا محتاجاها، بس عشان دي حقوقي اللي أنت استرخصتها”.
مشيت وسابتني واقف في نص الشارع، وأنا مصدوم من ثباتها وقوتها. الأيام اللي بعدها كانت كابوس، كنت بحاول بكل الطرق أضغط عليها عشان تتراجع، أهلي دخلوا في الموضوع، وسطاء حاولوا يتدخلوا، بس هي كانت حائط سد. كل مكالمة كنت بحاول أعملها كانت بتترد عليا من محاميها: “مفيش صلح، والطلبات واضحة”.
رفعت القضية، وفي كل جلسة كنت بشوفها وهي واقفة قدام القاضي، واثقة، قوية، من غير ما تبص في عيني حتى. قدمت كل الأدلة، تقارير الضرب، شهادات الشهود، حتى إثباتات خيانتي اللي كانت مجمعة تفاصيلها بدقة. في المقابل، أنا وأهلي كنا بنحاول ننكر، نحاول نلف وندور، بس الحقيقة كانت أوضح من إنها تتغطى.
يوم الحكم، القاضي نطق بكلمته.. طلاق للضرر، مع إلزام بكل الحقوق الشرعية والمادية، مؤخر الصداق، نفقة المتعة، وكل حاجة كانت من حقها. خرجت من المحكمة وأنا حاسس إني خسرت كل شيء. هي خرجت من بوابة المحكمة بابتسامة نصر، مش عشان الفلوس، بس عشان استردت كرامتها اللي أنا حاولت أدوس عليها.
رجعت البيت اللي كان يوماً ما “بيتنا”، لقيته فاضي، صامت، وكأنه شاهد على هزيمتي. أدركت في اللحظة دي إن “الرجولة” اللي كنت بمارسها بالاستقواء، والبيت اللي كنت فاكره “ملكيتي”، ضاعوا مني لأن الحقيقة بسيطة جداً: اللي بيغدر ببيته وبمراته، وبيرخص كرامة اللي المفروض يحميها، في الآخر بيبقى هو الخاسر الوحيد
عدت سنتين.. سنتين كانوا كفيلين يوروني الفرق بين اللي بيبني وبين اللي بيهدم.
في الوقت اللي كنت غرقان فيه في وحدتي، وصلتني أخبار يارا. عرفت إنها اتجوزت راجل قدر قيمتها، راجل عرف يعوضها عن كل لحظة كسر، وعرفت كمان إنها بقت أم.. شفت صورها بالصدفة على السوشيال ميديا، كانت ملامحها منورة بسلام نفسي مكنتش أعرف إنها تمتلكه وهي معايا. كانت ضحكتها في الصور كأنها بتقول للعالم كله إنها قدرت تعدي، وإني بقيت مجرد ذكرى سيئة في صفحة مقطوعة من حياتها.
أما أنا.. فكان حالي يغني عن سؤالي. حاولت أكتر من مرة أبدأ من جديد، أخطب، أتجوز، أدور على حد يملأ مكاني اللي بقى فاضي، بس كل محاولة كانت بتنتهي قبل ما تبدأ. الخبر كان بيسبقني، وسمعتي كانت بتطاردني في كل حتة.
الستات اللي كنت بتقدم لهم كانوا بيعرفوا كل حاجة.. بيعرفوا إني “الراجل الخاين” اللي باع مراته، وبيعرفوا أكتر عن “أهلي” اللي مش بيسيبوا واحدة في حالها، واللي بيتدخلوا في كل صغيرة وكبيرة لدرجة تنهش في الأعراض. كلمة “مراد الخاين” بقت لازقة في اسمي، والخوف من أهلي ومن طريقتي في التعامل مع شريكة حياتي بقى حاجز بيني وبين أي حد يفكر يقرب مني.
قعدت في شقتي اللي بقت جحيم، لا لقيت اللي تعوضني، ولا لقيت اللي تتقبل تعيش في بيت أهلي بيتحكموا فيه، ولا حد قدرت أثق فيه أو يثق فيا. بقيت لوحدي تماماً، محاصر بجدران البيت اللي شفت فيه نهاية حياتي الزوجية، ومحاصر بندم ملوش آخر. كل يوم بيفوت بيكدّب وهمي إني كنت “الراجل” اللي لازم يفرض سيطرته، وبيأكد لي إن كل اللي جنيته هو الحصاد المر لخيانتي وغدري.. يارا بقت في حتة تانية خالص، وأنا فضلت في مكاني، سجين للي عملته بإيدي، والبيت اللي كان يوم فيه حياة، مابقاش فيه غير صدى صوتي، وهو بيناديني بلقب “خاين”.. اللي استحقيت كل حرف فيه. تمت




