
فضلت باصة لأبويا بعد ما قرأ الرسالة للمرة التانية.
المفتاح لسه عند والدك.
الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة تخليني أحس إن فيه حاجات كتير حصلت في حياتي وأنا عايشة جواها من غير ما أعرفها.
بصيت له وقلت
مفتاح إيه يا بابا؟
مردش.
البيت القديم.
فضل ساكت.
إنت لسه محتفظ بمفتاحه؟
هز راسه ببطء.
أيوة.
ليه؟
معرفش.
ضحكت بمرارة.
بعد كل اللي حصل، لسه هتقول لي معرفش؟
رفع عينه ليا.
عشان الحقيقة ساعات بتكون أصعب من الكدب يا مريم.
أنا مستعدة.
لأ.
أنا مش مستعدة أفضل عايشة وأنا مش فاهمة ابني ماټ ليه.
الجملة الأخيرة طلعت مني مکسورة.
أبويا بص للأرض.
وبعدين قام.
دخل مكتبه.
سمعنا صوت درج بيتفتح.
وبعد دقيقة رجع.
في إيده سلسلة مفاتيح قديمة.
المفتاح كان صغير، لونه غامق من الزمن.
حطه قدامي على الترابيزة.
ده مفتاح البيت.
مسكته.
كان بارد.
غريب إزاي قطعة معدن صغيرة ممكن تحمل كل الړعب ده.
قلت
نروح.
أبويا هز راسه.
دلوقتي.
البيت القديم كان في شارع جانبي هادي، في منطقة كنا ساكنين فيها قبل ما ننقل مصر الجديدة.
من أول ما دخلنا الشارع، بدأت الذكريات ټضرب في دماغي.
أنا وهدى وإحنا أطفال.
أنا بجري وراها.
أبويا راجع من الشغل.
أمي واقفة في البلكونة.
وياسين
دخل حياتي بعد كل السنين دي، كأنه جاي يكمل البيت اللي ناقص.
غمضت عيني.
لكن لما فتحتها، البيت كان قدامي.
قديم.
ساكت.
شبابيكه مقفولة.
والدهان متقشر.
نزلت من العربية.
أبويا كان ماشي قدامي.
فتح الباب.
دخلنا.
ريحة تراب ورطوبة ضړبت وشي.
وقفت عند المدخل.
همست
هنا كنت بذاكر.
أبويا قال
وهنا كنتِ بتستخبي لما تتخانقي مع هدى.
ابتسمت رغم ۏجعي.
كنت صغيرة.
وأنا كنت فاكر إن أكبر مشاكل الدنيا هي خناقاتكم.
بصيت له.
طلعت الدنيا أكبر بكتير.
مردش.
دخلنا الصالة.
كل حاجة تقريبًا اختفت.
إلا مكتبة خشب قديمة.
بصيت لها.
المكتبة دي لسه هنا؟
صاحب البيت الجديد مغيرش حاجات كتير.
قربت منها.
مررت إيدي على الخشب.
وفجأة افتكرت حاجة.
وأنا صغيرة، كنت بخبي حاجات في درج سري صغير في المكتبة.
فتحت الدرج.
فاضي.
فتحت اللي بعده.
فاضي.
أبويا قال
بتدوري على إيه؟
مش عارفة.
وبعدين لمحت علامة صغيرة على الخشب.
ضغطت عليها.
سمعت صوت تك.
جزء من المكتبة اتحرك.
اتفتح مكان صغير جدًا.
أبويا قرب.
جواه ظرف قديم.
سحبته.
كان مكتوب عليه بخط أمي
لمريم لما تكبر.
اتنفست بصعوبة.
ده إيه؟
أبويا اتغير.
أنا أول مرة أشوفه.
فتحت الظرف.
جواه صورة.
وصورة تانية.
وورقة.
الصورة الأولى كانت ليا وأنا طفلة.
الصورة التانية كانت لهدى.
لكن الورقة
كانت بتاريخ قبل ولادتي بسنة.
بدأت أقرأ.
رأفت، لو حصل لي حاجة، لازم تعرف إن الموضوع مش انتهى.
وقفت.
بصيت لأبويا.
ماما كانت كاتبة لك؟
كملي.
رجعت للورقة.
الفلوس اللي خالد طلبها مش كلها فلوس أحمد. في حاجة أكبر. وأنا خاېفة إنهم يدخلوا البنات في الموضوع.
جسمي كله قشعر.
رفعت عيني.
خالد؟
أبويا خطڤ الورقة مني.
قرأها.
وشه شحب.
دي كانت مخبية هنا.
ماما كانت تعرف خالد منصور؟
سكت.
بابا!
قال
أيوة.
إزاي؟
كان شريك في مشروع.
مشروع إيه؟
مشروعي أنا.
اټصدمت.
إنت؟
قبل ما أدخل النيابة.
سكت لحظة.
كان مشروع استيراد.
وخالد؟
شريك.
وأحمد؟
أبويا بص لي.
أحمد كان ابن موظف عند خالد.
سكت.
كل حاجة بدأت تتجمع.
لكن لسه فيه فراغ.
قلت
وإيه علاقة هدى؟
أبويا قال
مفيش علاقة المفروض.
المفروض؟
قبل ما يكمل، سمعنا صوت من الدور اللي فوق.
خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
اتجمدنا.
أبويا أشار لي أسكت.
طلع مسدسه القديم من جيبه.
أنا بصيت له پخوف.
طلع السلم بهدوء.
أنا وراه.
وصلنا للدور التاني.
الأبواب كلها مقفولة.
إلا أوضة هدى القديمة.
الباب مفتوح.
دخلنا.
السرير متغطي بطبقة تراب.
لكن على الترابيزة
كان فيه كوب قهوة لسه دافي.
بصيت لأبويا.
قال
حد كان هنا.
وفجأة باب الحمام اتقفل.
أبويا فتحه بسرعة.
مفيش حد.
الشباك مفتوح.
قرب منه.
بص لتحت.
قال
هرب.
لكن أنا كنت باصة على الترابيزة.
فيه ورقة.
مسكتها.
كان مكتوب عليها
أحمد مش هو العقل.
قلبت الورقة.
السطر التاني
اسألي أبوكي عن ليلة الحريق.
رفعت عيني.
بابا إيه ليلة الحريق؟
وشه اتغير.
مين كتب لك الورقة دي؟
إنت عارف؟
مردش.
إيه اللي حصل ليلة الحريق؟
قال
لازم نمشي.
لأ.
مريم.
مش همشي قبل ما أعرف.
أبويا بص لي طويلاً.
وبعدين قال
البيت ده اتحرق من عشرين سنة.
اتحرق؟
جزء منه.
وإحنا كنا فيه؟
أيوة.
ليه مش فاكرة؟
لأنك كنتِ صغيرة.
مين كان هنا؟
أبويا سكت.
ماما؟
أيوة.
هدى؟
أيوة.
أنا؟
أيوة.
وأحمد؟
أبويا هز راسه.
لأ.
تنفست.
خالد؟
سكت.
كان هنا؟
أبويا قال
أيوة.
خرجنا من البيت.
لكن وأنا راكبة العربية، حسيت إن كل حاجة اتغيرت.
لو خالد كان يعرف عيلتي من عشرين سنة
يبقى علاقته بأحمد أقدم مما كنت متخيلة.
ولو أمي كانت عارفة إن فيه خطړ علينا
ليه عمرها ما قالت؟
ليه أخفت الورقة؟
وليه هدى كانت بتتصرف كأنها بتعرف حاجات أنا معرفهاش؟
رجعنا بيت أبويا.
كان ساكت طول الطريق.
أول ما دخل، قلت
أنا مش هنام.
مريم
عاوزة أعرف كل حاجة.
قعد.
حط إيده على وشه.
وبعدين قال
ليلة الحريق، خالد دخل البيت.
ليه؟
كان عايز أوراق.
أوراق إيه؟
أوراق تثبت إن شراكة قديمة اتعمل فيها تلاعب.
وماما؟
كانت عارفة مكان الأوراق.
ورفضت تديله؟
أيوة.
حصل إيه؟
أبويا سكت.
البيت ۏلع.
إزاي؟
محدش عرف.
خالد كان جواه؟
خرج.
وماما؟
سكت.
قلبي انقبض.
ماما ماټت في الحريق؟
أبويا بص لي.
لأ.
اټصدمت.
إيه؟
أمك ماټت بعدها بسنتين.
طب إيه اللي حصل لها؟
من يوم الحريق وهي اتغيرت.
إزاي؟
بقت خاېفة.
من خالد؟
أيوة.
وقالت لك؟
قالت لي إن خالد هددها.
وبعدين؟
طلبت مني أبعد عن الموضوع.
وإنت؟
كملت.
عشان كده دخلت النيابة؟
أبويا هز راسه.
أيوة.
سكتنا.
قلت
طب ليه كل ده رجع دلوقتي؟
قال
عشان الأوراق اللي خالد كان بيدور عليها زمان ممكن تكون مرتبطة بالأملاك اللي باسمك.
ضحكت من شدة الصدمة.
يعني أنا من أول ما اتولدت وأنا ورقة في لعبة؟
لأ.
أمال إيه؟
إنتِ كنتِ واحدة من أسباب إن اللعبة توقفت.
بعدها بيوم، سامح وصل ومعاه تقرير جديد.
حطه قدام أبويا.
قدرنا نحدد جزء من حركة الأموال.
بصيت له.
وصلتوا لإيه؟
أحمد كان بيحول فلوس لشركة اسمها الشرق للاستشارات.
مين صاحبها؟
رسميًا، مفيش اسم واضح.
يعني؟
الشركة مسجلة باسم شخص مټوفي من خمس سنين.
أبويا قال
خالد.
سامح هز راسه.
أيوة.
سكت.
بس ده مش كل حاجة.
فتح ملف تاني.
الشركة دي عندها حسابات في الخارج.
فلوس؟
كتير.
قد إيه؟
ملايين.
سألت
أحمد كان بياخدها؟
جزء.
والباقي؟
بيتحرك لحسابات تانية.
هدى؟
أيوة.
قلبي وقع.
ليه؟
سامح قال
هدى كانت واجهة.
بصيت له.
يعني؟
كانت بتستقبل التحويلات وتطلعها كاش.
بس هي قالت إنها مھددة.
ممكن.
وممكن تكون شريكة.
سامح هز راسه.
ممكن برضه.
أبويا قال
في كل الأحوال، لازم نعرف مين كان بيدي التعليمات.
سامح فتح ملف.
عندنا رقم واحد اتكرر في كل التحويلات.
كتب الرقم على ورقة.
الرقم ده كان بيتصل بأحمد.
ومين صاحبه؟
سامح بص لأبويا.
الرقم باسم شخص اسمه محمود رأفت.
سكت.
أنا بصيت لأبويا.
مين محمود رأفت؟
وشه تغير.
قال
أخويا.
اتجمدت.
عمّي؟
هز راسه.
أيوة.
كنت فاكرة إن الصدمة ليها حد.
طلعت غلطانة.
كل مرة أقول دي آخر حاجة
تطلع حاجة أكبر.
عمي محمود كان أكتر شخص بحبه بعد أبويا.
هو اللي كان بيجيب لي هدايا وأنا صغيرة.
هو اللي كان بيقف معانا في المناسبات.
هو اللي حضر فرحنا.
هو اللي كان شايل ياسين أول ما اتولد.
وبعد ۏفاة ياسين
كان أول واحد حضڼي وقال
ربنا يعوضك.
بصيت لأبويا.
إنت شاكك في عمي؟
أنا شاكك في كل حد.
حتى أخوك؟
خصوصًا الناس اللي مفيش سبب يخليكي تشكي فيها.
قلت
ده ظلم.
التحقيق مش ظلم.
ده اتهام.
لأ.
أبويا بص لي.
ده سؤال.
قررنا نراقب الرقم.
بعد يومين، اتصل.
سامح قدر يحدد المكان.
مكتب صغير في الدقي.
روحنا.
المفاجأة إن المكتب كان مقفول.
لكن الحارس قال إن محمود جه من يومين.


