عام

رجعت اسمع تاني

كامله

أول مرة سمعت فيها صوت خالتي بعد خمس سنين من الصمم، كنت عايزة أجري عليها وأحضنها وأقول لها إن ربنا أخيرًا رجّع لي سمعي.

لكني وقفت خلف باب المطبخ لما سمعتها بتقول:

«أنا بصراحة فرحانة إنها لسه مش بتسمع.»

زوجها رد عليها:

«طبيعي تفرحي. طول ما هي مش بتسمع، مش هتعرف إحنا عملنا إيه في أملاكها.»

سكتوا لحظة.

وبعدها سمعت ابن خالتي يضحك ويقول:

«المشكلة لو سمعت بقى… هتبدأ تسأل عن الفلوس والحسابات والعقود.»

خالتي ردت بمنتهى الهدوء:

«وعشان كده لازم نتصرف قبل ما سمعها يرجع تمامًا.»

وقتها بس فهمت إن أكتر ناس كنت فاكرة إنهم بيحموني… كانوا مستنيين اليوم اللي أقدر فيه أسمع عشان يخافوا مني.

حطيت إيدي على بوقي عشان أمنع نفسي من البكاء.

وبعدها رجعت خطوة لورا، وعملت أغبى حركة ممكنة…

وقعت المفاتيح من إيدي، ولما دخلوا عليّ، بصيت لهم باستغراب وكأني ما سمعتش كلمة واحدة.

الجزء الأول

أول مرة سمعت فيها صوت خالتي بعد خمس سنين كاملة من الصمم، كنت عايزة أجري عليها وأحضنها وأقول لها إن معجزة حصلتلي.

لكن بدل ما أفرح…

وقفت ورا باب المطبخ، وحطيت إيدي على بوقي عشان أمنع نفسي من الصراخ.

لأني سمعت خالتي بتقول بهدوء:

— أنا بصراحة فرحانة إنها لسه مش بتسمع.

سكتُّ.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

زوج خالتي رد عليها:

— وطبعًا لازم تفضلي فرحانة. طول ما هي مش بتسمع، مش هتعرف إحنا بنعمل إيه في أملاكها.

اتجمدت مكاني.

أملاكي؟

من خمس سنين، وأنا عايشة معاهم، وكل اللي أعرفه إن خالتي وزوجها واقفين جنبي وبيحاولوا يساعدوني.

كانوا بيقولوا لي دايمًا إنهم بيحافظوا على فلوسي وعقاراتي لحد ما أتعافى وأقدر أدير حياتي بنفسي.

أنا كنت مصدقاهم.

بل كنت شايفاهم عيلتي الوحيدة.

لكن الصوت اللي سمعته بعدها خلاني أحس إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.

ابن خالتي ضحك وقال:

— طب لو سمعها رجع فعلًا؟ مش ممكن تراجع الحسابات والعقود؟

رد زوج خالتي بسرعة:

— عشان كده لازم نكون مستعدين.

خالتي قالت:

— هي طول عمرها طيبة، ومش بتشك فينا. لكن لو رجع لها السمع، هتبدأ تسمع كلامنا، وتسأل عن حاجات إحنا مش عايزينها تعرفها.

سكتوا.

وأنا كنت واقفة بره المطبخ، بحبس أنفاسي.

ثم سمعت ابن خالتي يقول:

— يعني إنتوا متأكدين إنها لسه مش بتسمع؟

ضحكت خالتي.

— أكيد.

— طب لو سمعت؟

ردت بمنتهى البرود:

— ساعتها هتبقى مشكلة كبيرة.

الجملة دي فضلت تلف في دماغي.

أنا ما كنتش عايزة أصدق.

قلت لنفسي يمكن فهمت غلط.

يمكن بيتكلموا عن حاجة تانية.

يمكن…

لكن بعدها سمعت زوج خالتي يقول:

— أهم حاجة ما تعرفش إن السمع رجع. لو عرفت، كل حاجة هتتغير.

في اللحظة دي فهمت.

هما مش خايفين عليّ.

هما خايفين مني.

من خمس سنين، حصل لي مرض شديد أثر على أعصابي وخلاني أفقد السمع بشكل شبه كامل.

في البداية كنت أسمع أصوات ضعيفة جدًا، وبعدها اختفت الأصوات تدريجيًا.

الدكاترة قالوا إن حالتي محتاجة متابعة طويلة، وإن فيه احتمال يرجع السمع في أي وقت.

وأنا وقتها كنت لسه صغيرة ومش قادرة أتعامل مع حساباتي أو ممتلكاتي.

كان عندي شقة كبيرة، وحسابات بنكية، وحصة في عقار ورثته عن أهلي.

وبسبب حالتي الصحية، خالتي وزوجها تولوا مسؤولية إدارة أملاكي.

كانوا بيقولوا:

— إحنا مش عايزين منك غير إنك تتعافي.

— فلوسك محفوظة.

— كل حاجة باسمك.

— إحنا بس بنخلص الإجراءات بدل منك.

وكنت بشكرهم.

كنت حتى ببكي من كتر ما كنت حاسة إني محظوظة إن عندي عيلة واقفة جنبي.

لكن دلوقتي…

كل كلمة منهم بدأت تاخد معنى مختلف.

في اليوم ده، حصل شيء غريب.

كنت قاعدة في أوضتي الصبح، وبحاول ألبس السماعة الطبية اللي بقالها شهور تقريبًا من غير فايدة.

وفجأة…

سمعت صوت عربية في الشارع.

فتحت عيني.

شلت السماعة من ودني.

الصوت اختفى.

رجعتها.

سمعت صوت موتور العربية.

قريب جدًا.

قعدت مكاني مش مصدقة.

بعدها سمعت صوت عصافير من الشباك.

صوت مياه الحنفية.

صوت خطوات في الطرقة.

أنا بسمع!

الفرحة كانت أكبر من إني أقدر أوصفها.

قمت من مكاني وجريت ناحية الباب.

كنت عايزة أخرج وأصرخ:

— خالتي! أنا سمعت!

لكن قبل ما أفتح الباب…

سمعت صوتها.

صوت خالتي.

لأول مرة من خمس سنين.

— حطي الأوراق دي في الدرج، وخلي بالك إنها ما تشوفهاش.

وقفت.

اتسمّرت مكاني.

ثم سمعت صوت زوجها:

— هي مش هتشوفها.

— متأكد؟

— هي أصلًا مش بتسمع.

ضحكت خالتي.

— الحمد لله.

الحمد لله؟

وقتها كان المفروض أخرج وأواجههم.

لكن كلامهم عن أملاكي خلاني أتراجع.

وقررت أسمع الأول.

فضلت واقفة ورا الباب، أسمع كل كلمة.

ابن خالتي دخل عليهم وقال:

— طب والفلوس اللي اتحولت الأسبوع اللي فات؟

خالتي ردت بسرعة:

— ما تعليش صوتك.

— ليه؟ هي مش سامعة.

— برضه خلي بالك.

زوج خالتي قال:

— المبلغ ده كان لازم يتحول. مصاريف الشقة والعلاج والإجراءات كلها بتتكلف.

ابن خالتي ضحك:

— مصاريف إيه؟ دي فلوسها وإحنا أولى بيها.

سكت زوج خالتي.

وبعدين قال:

— متستعجلش. لسه فيه عقارين باسمها.

قلبي وقع.

عقارين؟

أنا كنت فاكرة إن عندي عقار واحد بس!

ابن خالتي قال:

— ولو فضلت ساكتة كده، نقدر نكمل براحتنا.

خالتي ردت:

— أهم حاجة تفضل فاكرة إننا بنساعدها.

وبعدين سمعت الجملة اللي خلت الدم يبرد في عروقي:

— بس لو سمعها رجع، كل حاجة لازم تخلص بسرعة.

رجعت لأوضتي بهدوء.

قفلت الباب.

وقعدت على السرير.

إيدي كانت بتترعش.

كنت عايزة أعيط.

أصرخ.

أواجههم.

لكن بدل كل ده، مسحت دموعي.

وبصيت لنفسي في المراية.

وقلت بصوت مسموع لأول مرة من سنين:

— أنا بسمع.

الكلمة نفسها خلتني أعيط.

لكن المرة دي مش من الفرحة.

من الخوف.

وفي اللحظة دي، جالي قرار واحد:

مش هقول لهم.

مش دلوقتي.

هفضل بالنسبة لهم البنت اللي لسه مش بتسمع.

وأول حاجة هعملها…

إني أعرف بالضبط هما عملوا إيه في أملاكي.

بعد حوالي ساعة، خالتي دخلت أوضتي.

ابتسمت لي، ولوحت بإيدها قدام وشي.

أنا عملت نفسي مش واخدة بالي.

قربت مني وكتبت على موبايلها:

“صحيتي؟ حاسة إن ودنك اتحسنت؟”

بصيت للشاشة.

وبعدين هزيت راسي بالنفي.

كتبت:

“لسه زي ما هي.”

وشفت بعيني الراحة وهي بتظهر على وشها.

ابتسمت وحضنتني.

وقالت بصوت مسموع، وأنا لأول مرة أسمعه:

— كويس.

جسمي كله اتشد.

لكنني ما تحركتش.

بعدها همست وهي خارجة:

— كده نقدر نكمل.

قفلت الباب.

وأنا فضلت باصة عليه.

ثم فتحت درج مكتبي، وطلعت ورقة قديمة كانت خالتي دايمًا تمنعني ألمسها.

توكيل إدارة أملاكي.

ولأول مرة…

بدأت أقرأه بتركيز.

لكن اللي شوفته في آخر صفحة خلاني أحس إن اللي عرفته لحد دلوقتي…

مجرد البداية………….الجزء الثاني:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى