عام

رجعت اسمع تاني

كامله

خالتي خرجت من الأوضة وقفلت الباب وراها، وأنا في مكاني، كل كلمة كانت بتقولها وهي بره بتتردد في وداني كأنها .

فتحت ورقة التوكيل اللي كانت بين إيديا، وبدأت أقرأ كل سطر فيها بعين مركزة وبدون خوف. اللي اكتشفته في الصفحات الأخيرة كان مرعب؛ التوكيل مكنش مجرد توكيل إدارة عادي زي ما كانوا مفهميني طوال السنين اللي فاتت، ده كان “توكيل عام شامل” بيعطيهم حق البيع والشراء لنفسهم، وتحويل الأموال، والتصرف الكامل في كل أملاكي وعقاراتي اللي ورثتها عن أبويا!

يعني بكل بساطة، هما مكنوش بيساعدوني… هما كانوا قانوني، ومستنيين الوقت المناسب عشان يكتبوا كل حاجة باسمهم أو باسم ابنهم، ويسيبوني على طوب البطن!

قررت إن اللعبة اللي لعبوها عليا خمس سنين، هتنتهي بسماعي أنا، بس بطريقتي وبشروط جديدة خالص.

تاني يوم الصبح، البيت كان هادي، وخالتي وزوجها وابنهم كانوا قاعدين في الصالة بيتناقشوا بصوت واطي وهما فاكرين إني في ملكوت تاني ومش سامعة حاجة.

قربت من باب الصالة بالراحة، ووقفت أسمع كلامهم بوضوح تام:

— زوج خالتي كان بيقول بجدية: “لازم نخلص موضوع العقارين التانيين دول الأسبوع ده، قبل ما حد يفتح بقه أو الدكتور يقول إن حالتها ممكن تتحسن.”

ابن خالتي رد عليه وهو بيضحك باستهزاء: “يا عم وهي هتعرف منين أصلاً؟ دي زي الخاتم في صباعنا، لو شافت أي ورق بنحط قدامها موبايل أو نكتب لها كلمتين تخلص بهم القضية وخلاص.”

خالتي قالت بصوت مكر: “أهم حاجة تخلوا بالكم، متجيبوش سيرة الفلوس اللي اتحولت برة البنك خالص قدامها، وخليكم هاديين لحد ما نخلص نقل الملكية النهائية.”

سمعت كل كلمة، وقلبي كان بيغلي من الغضب. الخيانة لما تيجي من أقرب الناس بتبقى طعنتها في الظهر مش في القلب وبس.

رجعت لورا بهدوء، ودخلت أوضتي، وفتحت تليفوني اللي كنت سايباه صامت دايماً عشان ميشكوش في حاجة. دخلت على أسماء الاتصالات، وطلبت رقم “المحامي” القديم بتاع عيلتي، الشخص الوحيد اللي كنت أثق فيه زمان قبل ما أفقد سمعي ويعزلوا عني كل الناس.

رد عليا صوته العاقل، ولقيته بيقول الو…

هنا، ولأول مرة من خمس سنين، نطقت بصوت طبيعي وواضح في التليفون، ومن غير أي تلعثم:

— أهلاً يا فندم… أنا موظفة ومحتاجة حضرتك في قضية عاجلة تخص أملاكي وتوكيل مزور اتعمل عليا وأنا في عز مرضي!

المحامي سكت لحظة من الصدمة وقال:

— صوتك… إنتِ رجعتي تسمعي وتتكلمي؟!

رديت بحزم وعزم مالوش مثيل:

— نعم يا فندم، رجعت أسمع، ورجعت أعرف كل خباياهم… وعايزاك تيجي بكرة الصبح ومعاك قوة وبوليس لحد عندي، عشان نفاجئهم باللي ماكنوش عاملين له حساب!

الجزء الثالث:

التليفون اتقفل، وقلبي كان بيدق بعنف، بس المرة دي مش من الخوف، دي دقات الغضب والقوة. أخيراً، رتبت خطوتي مع المحامي، واتفقنا إن بكرة الصبح هيكون يوم الحساب. كل واحد هيحصد اللي زرعه، وكل قرش اتسرق مني هيرجع، والتوكيل المزور ده هيكون نهايتهم مش نهايتي.

تاني يوم الصبح، الساعة جت عشرة، وكنت قاعدة في أوضتي مستنية.

سمعت صوت خبط على باب الشقة برا.

قلبي نط من مكاني، ووقفت ورا الباب أسمع. سمعت صوت خالتي وهي بتفتح الباب وبتقول باستغراب:

— مين؟

الصوت اللي رد عليها كان صوت المحامي، ومعاه قوة من الشرطة وضابط مباحث:

— مباحث الأموال العامة والشرطة.. جايين في بلاغ رسمي بخصوص تزوير توكيلات على أملاك وميراث بدون وجه حق!

الصمت نزل على الشقة كأنه صاعقة. سمعت صوت خالتي وهي بتصرخ بجنون:

— تزوير إيه وضابط إيه؟! البنت دي صماء ومش فاهمة حاجة، دي بتاخد علاجها…

قاطعها صوت ابن خالتي وهو منهار وبيبص حواليه برعب:

— يا ماما سكتي… هما عرفوا منين؟! وشكلهم معاهم أوراق وأدلة رسمية!

زوج خالتي حاول يدافع بصوت عالي ومرجوف:

— الكلام ده فارغ! إحنا أهلها وإحنا اللي كنا بنرعاها طول سنين مرضها!

في اللحظة دي، فتحت باب أوضتي على مصراعيه، وطلعت وقفت قدامهم في الصالة، وبصيت لهم بكل ثبات، وتكلمت بصوت عالي وواضح كالشمس ومسموع لكل واحد فيهم:

— كفاية تمثيل لحد كده يا خالتي! خمس سنين وأنا فاكراكم سند وعيلة، وأنتم كنتوا بتسرقوني وبتضحكوا عليا عشان أنا مكنتش بسمع… بس أهو السمع رجع، وسمعت كل كلمة قلتوها، وسمعت خططكم لسرقة أملاكي!

خالتي جحظت عينيها من الرعب، ووشها اصفر تماماً وبقت تبلع ريقها بصعوبة، ووقفت مكانها كأنها شافت شبح، لأنها فهمت في لحظة إن كل اللعبة اللي لعبوها وانخدعوا فيها طوال السنين دي اتقفلت تماماً في وشهم.

الظابط تقدم وبص لهم بحزم، وطلع الكلبشات وقال:

— اتفضلوا معانا للقسم، كل الأوراق والعقود المزورة والاعترافات اللي سمعناها كفيلة تقفل عليكم القضية دي للأبد.

الشرطة أخدتهم، وخالتي وزوجها وابنهم خرجوا من الشقة مطأطئي الرأس، مكسورين، والغرور اللي كان ملازمهم طار في ثواني.

قعدت على الكنبة في الصالة الهادية، وبصيت حواليا في بيتي وأملاكي اللي رجعت لي. حسيت إن الخمس سنين من الصمم والعتمة انتهوا، وإن أخيرًا، وبعد طوفان الخيانة، رجع الحق لأصحابه، وبدأت صفحة جديدة من حياتي وأنا قوية، سامعة، وعارفة

أحمي نفسي كويس أوي.

أيام التحقيقات والنيابة عدت بسرعة، ومع وجود المستندات الأصلية وتوكيل المحامي اللي كشف كل الثغرات، الأمور خلصت لصالحي بشكل كامل. المحكمة قضت ببطلان التوكيلات المزورة، ورجعت كل أملاكي وعقاراتي وحساباتي البنكية لاسمها الحقيقي وتحت تصرفي الكامل، والنيابة أصدرت قرار بحبس خالتي وزوجها وابنهم على ذمة قضية النصب والتزوير والاستيلاء على أموال ذوي الإعاقة.

يوم خروج العقود الرسمية وتثبيت ملكيتي، كنت واقفة في البلكونة الكبيرة بتاعت بيتي، بشرب فنجان القهوة، والهواء النقي بيخبط في وشي. بصيت للشارع تحت، وحسيت برعشة خفيفة من الارتياح. الخمس سنين اللي عشتهم في عتمة الصمم، والخداع اللي كان بيحاكيني من أقرب الناس ليا، اتحولوا لدرس قاسي بس غالي أوي.

تليفوني رن، وكان المحامي بيبشرني بإن كل الإجراءات خلصت وإن مفيش أي ثغرة يقدروا يرجعوا بيها. شكرته وقفلت الخط.

دخلت جولتي في البيت، بصيت للغرف اللي كانت مسرح لخيانتهم وسرقتهم، وقررت أعمل اللي كان لازم يحصل من زمان: أغير كل ديكورات الشقة، وأمسح أي أثر للوجع اللي عشته فيها، وأبدأ أحضر لمشروعي الخاص اللي هيخليني أدير أملاكي وحياتي بنفسي.

عرفت كويس إن الإنسان لما بيستمد قوته من نفسه، مبيحتاجش لعيلة تبيعه عشان تستر طمعها. الصمم اللي علمني أسمع غيري، عرفني كمان مين الصادق ومين الكداب. ومن اللحظة دي، مكنش فيه خوف تاني في حياتي، كانت بس صفحة جديدة، نظيفة، وعنوانها الوحيد: الأمان والقوة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى