
مرت الشهور، وهدى بدأت تنسحب تماماً من حياتي وهي في نفس بيتي. ملامحها اتمحت، وبقت تتحرك في الشقة زي الخيال، مبتطلبش، مبعاتبش، ومبتتكلمش. لو جيت بتلاقي الأكل جاهز والبيت نظيف والعيال ناموا، ولو مشيت بتقفل ورايا الباب في سكات من غير ما تسألني رايح فين ولا هترجع إمتى. بقيت ضامن وجودها لدرجة الموت، ومطمن إنها مهما شافت من إهمال وتقصير، هتقعد في ركنها وتستحمل.
لحد ما جه يوم، وكنت معزوم أنا ومروة عند قرايبنا، والموقف اللي حصل يومها…
-
بنت الملجا ج 2منذ 3 ساعات
-
بنت الملجا ج 1منذ 3 ساعات
-
حكايه فرح وزياد الجزء الرابعمنذ 3 ساعات
-
حماتي قالت ل جوزيمنذ 7 ساعات
والموقف اللي حصل يومها قلب كل الموازين.
كنا قاعدين وسط العيلة، ومروة بتتكلم بكل تفاخر عن شغلها وعن طقم الألماس الجديد اللي اشتريته لها، وسط نظرات الإعجاب والترحيب من الكل. وفجأة، دخلت “هدى”. مكنتش معزومة، لكنها جت عشان ابننا الصغير تعب فجأة وسخن جداً، ومكنتش عارفة تتصرف ولا تلاقيني لأن تليفوني كان صامت.
دخلت هدى الصالة بعبايتها البسيطة ووشها المرهق من قلة النوم والهم. مروة أول ما شافتها، سكتت ولت بؤها، وبصت لي بنظرة كلها قرف وتعالي وكأن هدى حشرة دخلت بوظت برستيجها. أما أختي صفاء، فوقفت بسرعة وبصوت واطي مليان غل وزعيق، أخدت هدى على جنب وقالت لها: “أنتِ إيه اللي جابك هنا بالمنظر ده؟ مكسفتيش وجايلنا وسط الناس بعبايتك دي؟ مكنش فيه تليفون تغوري تتصلي بيه بدل ما تعرينا!”.
أنا وقفت، وبدل ما أخد مراتي وأم عيالي في وأطمن على ابني اللي بيموت من السخونية، بصيت لهدى بغضب وقلت لها: “أنتِ معندكيش دم؟ جاية لحد هنا تقطعي علينا لمتنا؟ اطلعي برة واستنيني في الشقة، ولما أرجعلي حساب تاني معاكي على الجنان ده”.
هدى بصت لي.. النظرة دي عمري ما هساها. مكنتش نظرة كسرة ولا قلة حيلة زي كل مرة. كانت نظرة واحدة شافت جثتي قدامها ومبقاش يعني لها وجودي أي شيء. بصت لصفاء ول مروة وللكل بنظرة استحقار رهيبة، وخرجت في سكات تام من غير ما تنطق بحرف واحد.
رجعت البيت بالليل متأخر، وأنا شاحن نفسي بكل غضب وزعل عشان أربيها وأعرفها مقامها، ودخلت الشقة وأنا بزعق وبخبط في البيبان: “هدى! أنتِ يا هانم يا اللي روحتي قدام أهلي!”.
لكن الشقة كانت ضلمة.. وهسسس.
دخلت أوضة العيال ملقتهمش، ودخلت أوضتها ملقتهاش. الشقة كانت فاضية تماماً من كل حاجة تخصها وتخص العيال، حتى دولابها كان مفتوح ومفيش فيه حتة قماش واحدة. وفوق التسريحة، كان فيه ظرف أبيض محطوط وجنبه مفاتيح الشقة.
فتحت الظرف وإيدي بترتعش لأول مرة من الخوف، ولقيت جواه اللى صدمتى
فتحت الظرف وإيدي بترتعش لأول مرة من الخوف، ولقيت جواه ورقة من محامي، ومعاها عقد عمل رسمي ل هدى في شركة شحن دولية كبيرة بمرتب محترم جداً، والورقة التانية كانت إعلان بدعوى خلع!
وفي ظهر ورقة المحامي، كانت كاتبة لي كلمتين بخط إيدها الناشف:
“يا بشمهندس كريم.. أنا مكنتش قاعدة معاك في الكومباوند عشان مستواك ولا لبسك، أنا كنت باقية على عشرة وأبو عيالي اللي كنت فاكراه راجل وسند. والشهادة اللي كنت بتعايرني بيها أنت وأختك، أنا كملت دراستي من وراك بالليل وأنت بايت برة، وأهو الدبلوم بقى بكالوريوس تجارة، والنهاردة أنا بقيت بشتغل وبقبض ومعايا شهادتي، وأجرت شقة ملكي أنا وعيالي من عرق جبيني. أنا طالعة من الباب ده برغبتي ومش هتشوف وشي تاني.. لأنك ببساطة يا كريم.. مبقتش تنفعني، وأنا اللي بقيت كتير عليك”.
وقعت الورقة من إيدي، وبصيت حواليا في الشقة اللي بقت فجأة واسعة وموحشة وباردة. في اللحظة دي بس، حسيت إن الخاتم اللي كنت فاكر إني هقلعه بمزاجي، هو اللي خلع صباعي وكبرائي وعمري كله معاه. وعرفت إن زن صفاء أختي خرب بيتي، وإني خسرت الست الوحيدة اللي كانت شيلاني لنفسي، مش لشهادتي ولا لفلوسي.. بس بعد فوات الأوان
مرت سنة كاملة على اليوم اللي هدى مشيت فيه. سنة كاملة وأنا عايش في دوامة مابتنتهيش، بحاول أقنع نفسي كل يوم الصبح قدام المراية إني مخسرتش حاجة، إني البشمهندس كريم اللي ألف ست تتمناه، بس الحقيقة المرّة كانت بتفرش نفسها قدامي أول ما الليل يدخل والشقة تضلم.
بمروة بقت عاملة زي صفقة تجارية خسرانة، مفيش فيها روح. كل نقاش بيننا بيتحول لخناقة على مين بيدفع إيه، ومين برستيجه أعلى قدام زمايله في الشركة. مفيش مرة رجعت فيها البيت ولقيت ضحكة صافية أو لمة دافية. حتى أختي صفاء، ملامحها الشمتانة بدأت تختفي وظهر مكانها الخوف لما لقتني بقيت عصبي، ومبقتش أستحمل منها كلمة واحدة عن حياتي الشخصية. طردتها من بيتي في آخر مرة جت تذم في هدى، وقلت لها: “أنتِ اللي خربتي بيتي.. اقعدي في غلك ده بعيد عني”.
في يوم من الأيام، كان عندنا اجتماع مجلس إدارة طارئ في الشركة عشان نجدد عقود الشحن والخدمات اللوجستية مع الشركة الكبيرة اللي بنتعامل معاها. دخلت قاعة الاجتماعات، رتبت أوراقي، وقعدت مستني وفد الشركة التانية يدخل.
الباب اتفتح، ودخل مدير عام شركة الشحن، ووراه.. “هدى”.
قلبي اتقلع من مكانه. رجلي مكنتش شايلاني وأنا بقوم أقف زي بقية المهندسين عشان نرحب بيهم. هدى كانت لابسة بدلة فورمال شيك جداً باللون الكحلي، لافة طرحتها بنظام، وماسكة تابلت في إيدها. ملامحها اللي كانت دايماً مطفية ومكسورة تحت عيني وعين أختي، بقت مشعة، عينيها فيها لمعة ذكاء وفخر تخطف العين.
المدير بتاعهم اتكلم وقال: “أقدم لكم الأستاذة هدى، رئيسة قطاع التعاقدات الجديدة عندنا، وهي اللي أشرفت بنفسها على بنود العقد الجديد وهتعرضها عليكم”.





