
مرة ما تعرفش ترد
ماما طب والأكل اللي أنا كنت ببعتهولك كل أسبوع عشان يكفي البيت كنتِ بتديه لمين؟
لمّا جوزي قال الجملة دي، الصوت ساد في الشقة كلها. كأن الزمن وقف. حماتي فتحت فمها ترد، بس الكلمات اتعلقت في حلقها. عينها اتقلبت في الأرض مرة وفي الحيطة مرة، وما قدرتش تبص في عين ابنها ولا في عيني. ضرتي كانت واقفة جنب الباب، شالت أولادها وشدتهم لورا، ووشها اتلون من الأحمر للبني وهي حاسة إن الأرض انشقت وتبتلعها. الأكل اللي كان على السفرة ريحته بقت تقيله، كأنها ريحة خېانة وغدر مش ريحة لحم ورز ومحشي.
جوزي اللي طول عمره هادي، صبور، ما بيحب المشاكل ولا الصوت العالي بص لأمه بنظرة ما شفتهاش في عينيه قبل كده. نظرة حزن أعمق من أي ڠضب. قال بصوت هادي بس كل كلمة فيه زي السکين كنت ببعتهولك كل أسبوع يا ماما. فلوس كتير، أكياس أكل، لحم، دجاج، خضار، كل حاجة. كنت بقول ده حقك، وده واجبي، وده عشان تشتكيلي من حاجة ناقصة في بيتك. كنت فاكر إنك بتدبريه وتأكلي منه، وإن اللي بيحوش بيكون ليكِ لوقت الحاجة. لكن تطلعي بتخبيه عشان تديه لمراتي التانية وأولادهم وإحنا؟ إحنا اللي كنا بنجيب أكلنا من جيبنا، ونقعد نشارككم فيه، ونشكرك على العشا كأنك بتكرمينا!
حماتي حاولت تتمسك بأي حجة يا ابني دول أخواتك وأولادهم صغار محتاجين
قاطعها بسرعة وأنا؟ أنا مش ابنك؟ ومراتي دي وبص عليا اللي كانت بتقوم معاكي من الصبح، بتقطع، بتطبخ، بتغسل، بتكنس، وتبقى بتشكرك إنتِ اللي قاعدة تتفرجي وتأكل من تعبها دي مش زوجتي؟ دي مش اللي ربطتها بيكي بالحب والشرع؟ ليه يا ماما؟ ليه تعملي فينا كده؟ ليه تفضليهم علينا واحنا اللي ما قصرناش معاكي بيوم واحد؟
دموعها نزلت أخيرًا، بس مش ندمانة لأنه انكشف أمرها. قالت بصوت متقطع أنا كنت خاېفة عليهم أبوهم بيصرف عليهم قطط والحال صعب وقلت لما أنت تخرج، أقدر أديهم حاجة من غير ما حد يحس
من غير ما حد يحس؟ رد جوزي بدهشة وألم، يعني كنتِ عارفة إن اللي بتعمليه غلط؟ كنتِ عارفة إنك بتسرقي حقنا وتديهولهم؟ وكنتِ مستخبية ورا ظهري عشان تكملِ؟ ويا ترى كم سنة والكلام ده ماشي؟ كم سنة وأنا ببني وأنتِ بتهدمي؟
سكتت. وما ردت. في اللحظة دي، ضرتي ما قدرت تستحمل الوقفة الصامتة، قالت بصوت واطي متردد أنا آسفة ما كانش ينفع آخذ بس أمك هي اللي كانت بتجيب الأكل لحد عندي كانت تقول ده نصيبكم
بص لها جوزي بحدة وإنتِ قلتليه؟ ما فكرتيش تسألي ده حق مين؟ ما جاتش في بالك إنك بتأكلي وأحنا يمكن بنتعشى خبز وجبنة عشان يكفي الأكل؟ ولا العشم فيكم كله واحد!أمه اللي كانت مادتها تلمسه، وقال لي يلا يا حبيبتي، جمعي حاجاتنا. إحنا ماشيين.
اتفاجأت نمشي؟ نمشي فين؟ ده بيت أمك!
كان بيتي وبيتها. النهاردة هو بيتها لوحدها. أنا مش عايز أقعد في مكان كل رغيف فيه بيتحسب بالعد، وكل لقمة بتتخبي عشان ناس مش أحق مننا. مش عايز أقعد في مكان الخېانة فيه ريحة الأكل اللي على السفرة.
حماتي صړخت لا يا ابني! ما تسبنيش! أنا غلطت، أنا آسفة! ما تاخدهمش وتسيبني لوحدي!
بس جوزي كان واقفًا كالجبل. لا يهتز. قال بصرامة لو كنتِ فكرتي في الكلام ده قبل ما تعملي اللي عملتيه، ما كانش وصلنا لكده. النهاردة أنا بخرج من البيت، وكل فلوس كنت ببعتهالك هتتوقف. اللي عايز يصرف عليكِ يصرف، واللي عايز يأكلك يأكلك. أنا انتهى دوري هنا. سامحيني إن كنت قصرت في حقك، لكن ما أقدرش أعيش مع إنسانة بتتعامل معايا بالنفاق والخداع.طلعنا من الشقة، وسمعت صوت صړاخها وندبها ورانا، بس ما رجعناش. نزلنا على السلم، وأنا ماشية جنبه، حاسة بقلبي بيتقطع عليه وعليها. كنت عارفة إن المشوار ده كان أصعب مشوار في حياته. لما وصلنا للعربية، ركبنا وسارنا من غير كلام. الطريق كان طويل، والليل بدأ يخبط على القاهرة. سألته وأنا بمسح دموعي هنروح فين دلوقتي؟
رد بهدوء عندنا شقة صغيرة كنت مجهزها من زمان في مدينة نصر، كنت فاكر نأجرها ونستفيد من فلوسها. خلاص، نروح نقعد فيها لحد ما ربنا يفرجها.
وصلنا الشقة. كانت صغيرة، بس نظيفة، مليانة هوا وشمس. دخلنا، وقلوبنا مليانة ۏجع، بس في نفس الوقت مرتاحة. لأنه الحقيقة طلعت، والحق ظهر. جوزي قعد على الكرسي في الصالة، وغطى وشه بإيديه، وبكى. بكى كطفل صغير. قعدت جنبه، ضميت كتوفيه، وسيبته يفضفض كل الألم اللي كان مخباه جوا قلبه من سنين. ما قطعت حديثه، ما قلتله شيء. كنت عارفة إن ده اللي محتاجه حد يسمعه من غير ما يحكم عليه.
مرت الأيام. أول أسبوع كان صعب جدًا. حماتي كانت بتتصل كل ساعة، ترسل رسايل، تبعت ناس يترجوا جوزي يرجع. كانت تقول إنها ماتتأكلش، وإنها تعبانة، وإن البيت عليها اتقلب سجن. بس جوزي كان صامد. كان يقول لو رجعت النهاردة، هترجع تعمل اللي كانت بتعمله بكرة. الچرح اللي اتفتح مش بيتقفل بكلمة آسفة. لازم تتعرف إن لكل فعل رد فعل، وإن اللي بيحط نفسه في موقف الخېانة ما يلومش اللي خسره.
ضرتي حاولت تتواصل معايا كذا مرة. كانت بتكلمني بكل ود زي ما كانت بتعمل دائمًا، كأن شيئًا ما حصل. بس أنا كنت بقتنع إن الود ده كان كله تمثيل. لما كانت بتشوفني بآكل وأولادها بيحلموا، ما كان قلبها يرق لي ولا ليهم. كانت ساكتة ومستفيدة. فكنت برد عليها باختصار وأقفل الخط.كنتش عايزة أدخل في نزاعات ولا أحكي كلام. كنت عايزة أعيش في سلام مع جوزي وبيتنا الجديد.
بعد شهر تقريبًا، جاتني مكالمة غريبة. واحدة جارتنا القديمة في بيت حماتي، قالت لي يا ستي، أم جوزك حالتها بتسوء. ما بتاكلش، ما بتشربش، والطبيب قال إن ضغطها وصل لحد خطېر. بتقول عايزة تشوفك أنتِ وزوجك قبل ما ټموت. ترددت كتير. قلت لجوزي اللي سمعته، وقلت له أنا مش هقدر أمنعك لو عايز تروح تشوفها. دي أمك، والله بيحب العفو. فكر كتير، وبعدين قال هروح معاكي. بس هشوفها من غير ما أرجع أقعد هناك. عشان بر الوالدين، مش عشان الرجوع في قرار اتخذته.
رحنا زي ما اتفقنا. لما دخلنا الشقة، لقيناها متغيرة تمامًا. وشها ذبلان، وعيناها غايبة، وصوتها بالكاد مسموع. أول ما شافت جوزي، بكت وقالت سامحني يا ابني سامحيني يا روحي ما كنتش عايزة أأذيك كانت غلطة عمري جوزي قعد جنبها، مسح على إيدها، وقال برفق أنا مسامحك يا ماما. والله ما يرضى يزعل منك. بس لازم تعرفي إن اللي حصل علمنا درس كبير. العلم اللي بيتنى على النفاق ما بيدوم. والحب اللي فيه تفضيل وغدر بېموت. أنا هفضل أزورك، وأبعتلك فلوس، وأجيبلك كل حاجة تحتاجيها. بس العيشة هنا خلاص انتهت.
بكت وقالت أنا عارفة أنا خسرتك وخسړت نفسي عشان ناس ما كانوش يستاهلوا. ضرتي كانت كل همها الفلوس والأكل، وأنا كنت عمياء مش شايفة. دلوقتي عرفت إن كنز الحب والوفاء اللي كان عندي في إيديا وضيعته بإيدي.
بقينا نزورها كل أسبوع. جوزي كان بيجيب لها الدواء، والأكل، والفلوس، وكل ما تحتاج. بس العلاقة ما رجعت زي ما كانت. الچرح ترك أثره. والثقة لما بتنكسر بتبقى زي الزجاج المكسور ممكن تلصقه، بس الشرخ بيفضل موجود للأبد.
مع الوقت، بدأت حياتنا الجديدة تستقر. الشقة الصغيرة أصبحت جنتنا. كنت أطبخ، وأرتب، وأملأها بالحب والضحك. جوزي كان بيقول لي دائمًا ربنا عوضني بيكي عن كل حاجة خسرتها. أنتِ اللي وقفتي جنبي في وقت ما حدش وقف. أنتِ اللي أثبتِلي إن في الدنيا لسه حب حقيقي ونقي. وكنت أرد عليه وأنت اللي علّمتني إن الرجولة مش في الصوت العالي، ولا في القوة، لكن في إنك تاخد قرار صعب عشان تحافظ على كرامتك وكرامة اللي بتحبها.
مرت سنتين. حماتي ربنا أخذها لجواره بعد ما عاشت أيامها الأخيرة في هدوء وندم. قبل ما ټموت، أوصت ليا ببعض حاجات صغيرة كانت عزيزة عليها، وقالت لي مكانك كان في قلبي من الأول، بس الشيطان لعب بيا. خليكي قوية، وربنا يخليكِ لابني.
ضرتي سافرت مع أولادها لبلد تاني بعد ما جوزها طلقها، وما سمعنا عنها أي حاجة من ساعتها. الدنيا دارت، والكل أخذ نصيبه من خير عمله
ومن شره.
وفي ليلة من ليالي رمضان، كنت قاعدة مع جوزي في شرفتنا الصغيرة، نأكل فطارنا ونشوف النجوم. بص لي وقال تفتكري لولا اللي حصل، كنا هنعيش السعادة دي؟
هزيت رأسي وقلت مش عارفة. بس اللي أعرفه إن ربنا بيمرنا بامتحانات عشان يطهر قلوبنا، ويقوي علاقتنا ببعض. كل محڼة بتبقى هدية من ربنا، بس مغلفة بغلاف صعب. ولما نفتحها، نلاقي فيها الخير كله.
ضميت إيده في إيدي، وكملنا أكلنا في صمت ومحبة. عرفت إن الحياة مش بتخلص لما ننكسر بتخلص لما نستسلم للكسر. وإن أقوى انتصار هو إنك تفضل تحب وتعطي رغم كل اللي حصل لك. وإن الحقيقة مهما اتخبيت، يومها هتطلع، والظلم مهما طال، نهايته هتجيء.
وبكده، اكتملت قصتنا. قصة ۏجع وخېانة، بس في النهاية قصة عدالة وسعادة وخلاص. عرفنا إن الطريق للجنة مش مفروش بالورود، وإنما بالمشقة والصبر والتسامح. وإن اللي يبني حياته على طاعة الله ورضاه، ربنا بيفتح له أبواب الخير كلها، من حيث لا يحتسب.
-
حكايه جميله وعمار الجزء الاولمنذ 3 ساعات
-
حكايه جميله وعمار الجزء الثانيمنذ 3 ساعات
-
أنا مش طايقه جوزيمنذ 3 ساعات
-
ذكره وفاة ابويامنذ 4 ساعات

