روايات وقصص

بقلم اماني السيد 2

نزلت من العربية زي المجنون، وركبي مكانتش شيلاني. الكلام كان بيدور في دماغي وزهرة ماشية ورايا بتتحسبن وتنفخ، بس أنا مكنتش شايف ولا سامع غير صوت جاري وهو بيقولي “أمك تعبت ونقلوها الإسعاف”. وصلت المستشفى الحكومي اللي قالوا لي عليها، الريحة والزحمة والخوف كانوا خنقين المكان. قعدت أجري في الطوابير والممرات وأسأل عن اسمها، لحد ما دلوني على قسم الطوارئ.

وهناك.. شفت المشهد اللي قطّع قلبي.

مقالات ذات صلة

مريم كانت قاعدة على الأرض في القطب بتاع الطوارئ، هدومها عليها بقع دم من دراعها اللي جرحه القزاز من يومين وما لحقتش تغيّر عليه، وشها كان أصفر كأنها ميتة، وجزمتها مقطوعة من كتر الجري. كانت ماسكة في إيدها الأوراق والمحاليل، وبتبكي بالراحة من غير صوت، بتدعي ربنا بقلب محروق.

أول ما شافتني، وقفت بسرعة وتعب، وعينيها جت في عيني. أنا جيت أقرّب منها وأسألها بلهفة:

* “أمي فين؟ جرى لها إيه يا مريم؟ كلميني!”

مريم رجعت خطوة لورا، ورفعت إيدها بتمنعني أقرب، وبصتلي بنظرة كلها وجع وقرف.. نظرة خلتني أحس إني أصغر بني آدم في الدنيا. قالت بصوت واطي ومبحوح:

* “لحد هنا وبس يا كابتن.. متقربش. أمك جوة في العناية المركزة، الضغط طليح وفجأة جتلها أزمة قلبية من القهرة والوجع اللي سبتهولها. دكاترة الصبح كانوا بيقولوا لو تأخرنا خمس دقائق كمان كانت راحت مننا.”

زهرة كانت واقفة ورانا، قربت وقالت بنبرة حادة وزعيق:

* “وانتِ مالك بتتكلمي بثقة كده ليه؟ ومين سمحلك تدخليها وتعملي فيها بنت الأصول؟ أوعي تكوني فاكرة إن الحركات دي هتدخل علينا! أنتِ حتة خدامة وجاية تمثلي الدور!”

في اللحظة دي، مريم مصلحتش ولا وزعقت زي ما زهرة متوقعة. بصت لزهرة بثبات غريب، بابتسامة مكسورة وقالت:

* “خدامة؟ صح.. أنا فعلاً خدامة. بس خدامة للست اللي حست بيا وأخدتني في  وقت ما جوزك الهُمام رماني وكسرني. أنا الخدامة اللي فضلت مع أمه في لحظة موتها وأنتِ وهو كنتوا بطيروا في الفرح والشبكة الفخمة.”

وبعدين طلعت من جيبها كيس بلاستيك صغير، فيه الدهب البسيط اللي كنت جبتهولها وقت الخطوبة، ومصحف صغير، ورمتهم في إيدي..

وقالتلي وهي بتبص في عيني بصرامة:

* “حاجتك أهي.. أنا مش عايزا منك مليم، ولا عايزا منك ورقة للجواز ده أصلاً. أنت بالنسبة لي مكنتش جوز، أنت كنت كابوس وربنا نجاني منه. أمك أمانة في رقبتي لحد ما تقوم بالسلامة، أول ما تقوم وتقف على حيلها.. مش تشوف وشي تاني في البيت ولا في الدنيا دي كلها.”

الدكتور خرج في اللحظة دي من العناية، والكل سكت. جربت أعدي عشان أكلمه، بس الدكتور بصلي وبص لمريم وسأل:

* “مين فيكم ابن الست فاطمة؟”

أنا اندفعت وقولت:

* “أنا يا دكتور.. أنا ابنها الوحيد!”

الدكتور بصلي ببرود وغضب مكتوم وقال:

* “والله؟ كويس إنك فاكر إنك ابنها! الست وهي غايبة عن الوعي جوة مكانتش بتنادي غير على اسم مريم.. مريم هي اللي شالتها وجابتها في التاكسي ودشت فلوس العلاج من جيبها وباعت حلقها الصغير عشان تدفع تأمين المستشفى قبل ما توصل أنت! الست حالتها حرجة جداً، والتطوير في العناية محتاج مصاريف ومتابعة، ومافيش زيارة غير لشخص واحد بس تكون هي متقبلة وجوده عشان ضغطها ما يرتفعش تاني.”

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. “باعت حلقها عشان تدفع تأمين المستشفى؟”

أنا اللي كنت باعت ألفات على الشبكة والفندق والفرح، مريم البنت اللي من الملجأ اللي ملهاش حد، هي اللي شالت أمي وباعت اللي حيلتها عشان تنقذ حياتها!

زهرة مسكت دراعي وقالتلي بضيق:

* “تعالى يا حبيبي نمشي من هنا، الدكتور ده واضح إنه متفق معاهم، والبنت دي بتعمل شو عشان تاخد منك فلوس.. يلا بينا نرجع الشقة ونبقى نبعت حد من المعارف يطمن عليها.”

نفضت إيد زهرة عن دراعي بقوة للمرة الأولى من يوم ما عرفتها. بصتلها وأنا مش شايفها.. كان فيه غشاوة على عيني بتنزاح فجأة.

قولتلها بصوت جاف وزعيق:

* “روحي أنتِ يا زهرة.. روحي شقتك الفخمة وسيبيني هنا.”

زهرة اتصدمت وقالت بغضب:

* “أنا أروح لوحدي وأسيبك مع الخدامة دي؟ أنت بتتجنن يا معلم؟”

صرخت فيها في نص الممر:

* “قلتلك ارجعي البيت! أنا مش ماشي من هنا!”

زهرة مشيت وهي بتهدد وتتحسبن، وأنا قعدت على كرسي في الممر، وحطيت راسي بين إيدي. كان في صراع رهيب جوايا. بصيت لمريم اللي كانت واقفة بعيد، بتدعي وبتسبح بدموعها، ورجعت بذاكرتي لكل كلمة قالهالي قلبي من زمان وتجاهلتها، ولكل تصرف نذل عملته مع البنت دي.

بعد ساعات طويلة، العناية اتفتحت والممرضة خرجت تنادي:

* “مريم.. الست فاطمة فاقت وبتردد اسمك، ادخلي لها بسرعة بس من غير انفعال.”

مريم قامت بسرعة ودخلت جوة، وأنا قمت جري وراها وحاولت أدخل، بس الممرضة منعتني. وقفت عند زجاج العناية البارد، وبصيت من خلاله..

شفت أمي فتحت عينيها بالعافية، ومسكت إيد مريم وبستها، ومريم نزلت ببتسم بدموع وتمسح على رأس أمي. أمي بصت ناحية الباب وشافتني واقف ورا الزجاج.. عيني جت في عينها.

أمي هزت رأسها بالرفض، وبصت للناحية التانية وسابت إيد مريم على صدرها، كأنها بتقولي: “أنت برة حياتنا خلاص.”

في اللحظة دي، الموبايل في جيبي رن.. كان رقم زهرة. فتحت الخط، ولقيت زهرة بتقولي بنبرة مليانة شر وتهديد:

* “لو مرجعتش الشقة فوراً يا معلم ونهيت المهازل دي وطردت البنت دي من حياة أمك، أنا هطلب الطلاق، في منطقتك وفي شغلك وأقول إنك اتجوزت بنت ملجأ ورميتها عشان تاخدني.. اختار دلوقتي يا أنا يا هما!”

مسكت الموبايل وإيدي بتترعش من الغيظ والندم. صوت زهرة وهو بيهددني بالفضايح والطلاق كان طالع زي السوم في ودني، بس للمرة الأولى في حياتي، حسيت إن الغشاوة اتزاحت عن عيني تمامًا.. حسيت بقد إيه كنت أعمى وبجري ورا سراب، وبعت الجوهر الغالي عشان حتة زجاج بتلمع.

رديت عليها بصوت هادي جداً، بس أبرد من الثلج:

* “انتي مش محتاجة تطلبي الطلاق يا زهرة.. ولا محتاجة ، لأنك فعلاً مش شبهنا، ولا تلزميني. أنتي ورقتك هتوصلك لحد عندك، والشقة الفخمة اللي فرحانة بيها، خدي حقك منها بالقانون والشرع.. بس متلمسيش شرفي ولا تجيب اسم أمي ومريم على لسانك تاني، عشان وقتها هتشوفي وش تاني خالص.”

قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة، ورميت التليفون في جيبي. حسيت بحمل تقيل قوي انزاح عن صدري، بس في نفس الوقت كان في وجع أكبر بيقطع في قلبي وأنا باصص من وراء زجاج العناية المركزة.

مرت ساعات الليل بطيئة وقتالة. مريم فضلت جوة العناية جنب أمي، ماسكة إيدها ومش بتسيبها. وأنا قاعد برة على بلاط المستشفى البارد، باصص للأرض، براجع كل لحظة جرحت فيها البنت دي، كل مرة حطيت فيها الأكل ودخلت قفلت الباب في وشها، كل كلمة بخلت أقولها ليها، وكل لحظة استغليت فيها ضعفها وكسرتها عشان أعمل اللي على مزاجي.

على الفجر، الدكتور خرج وقال إن حالة أمي استقرت شوية وممكن تتنقل أوضة عادية، بس محتاجة راحة تامة وتبعد عن أي توتر أو زعل.

أول ما نقلوا أمي الأوضة، مريم خرجت من العناية وكانت رايحة معاهم. جيت أقرّب عشان أساعدهم في نقل السرير، مريم بصتلي بنظرة صارمة وجافة وقالتلي:

* “خليك مكانك.. أمك مش عايزة تشوفك، والدكتور قال بلاش توتر. لو بجد باقي على صحتها، ابعد عنها دلوقتي.”

سكت ورجعت لورا مكسور، وسيبتها تشيل وتتحرك مع الممرضين. فضلت واقف جنب باب الأوضة برة، سامع صوت أمي الواطي وهي بتدعي لمريم: “ربنا يسترها معاكي يا بنتي، ربنا يرزقك باللي يقدر قيمتك ويصونك.”

كل كلمة كانت بتنزل على قلبي زي النار.

بعد يومين في المستشفى، خرجت أمي وأنا ماشي وراهم من بعيد زي الخيال. أجرت عربية عشان تنقلهم، ودفت كل المصاريف والحسابات في السر من غير ما مريم تدري، عشان أصلح ولو جزء بسيط من النذالة اللي عملتها.

أول ما وصلوا البيت القديم، طلعت وراهم ومسكت الباب قبل ما مريم تقفله.

أمي كانت قاعدة على السرير بتعب، وأول ما شافتني شالت عينها من عليا. وقفت في نص الصالة، وقعدت على ركبي على الأرض قصاد أمي ومريم.. ومسكت جزمة أمي وبستها، وبعدين بصيت لمريم ودموعي نازلة لأول مرة في حياتي بصوت مسموع:

* “أنا عارف إني ماليش عين أطلب المغفرة.. أنا عارف إني كنت نذل، وأني استغليتك يا مريم وأهنتك، وجرحت أمي اللي ملهاش غيري. أنا طلقت زهرة.. ونهيت كل حاجة مع السكة اللي كانت هتدمرني. أنا مش بطلب منك ترجعيلي ولا تبقي مراتي بجد، أنا عارف إن حقك أكبر من كده بكثير.. بس، متطرودنيش من حياتكم.. سيبوني أكفر عن ذنبي، سيبوني أخدمكم تحت رجليكم بس ومطلبش أي حاجة تاني.”

الصمت خيم على المكان.. أمي كانت بتبصلي بدموع، قلبها بيبكي على ابنها الوحيد اللي ضيع نفسه، وفي نفس الوقت مقهورة من اللي عملته.

أما مريم.. فمشت خطوات هادية وقفت قصادي وأنا قاعد على ركبي، بصتلي بدموع في عينيها وقالت بصوت طالع بالعافية:

* “الندم كويس يا معلم.. بس للأسف جيه متاخر. أنا مش هقدر أكرهك لأن أمك هي اللي ربتني في الكام شهر دول، بس برضو مش هقدر أسامحك على الكسرة اللي كسرهتاني في أنوثتي وكرامتي قصاد الناس.”

وبعدين بصت لأمي وقالت:

* “أنا هفضل مع أمك لحد ما تقف على رجليها تماماً وتبقي بخير.. لكن أول ما تطمن عليها، أنا هلم شنطتي وأمشي من البيت ده.. والجواز اللي على ورق ده لازم ينتهي فوراً.”

نزلت كلماتها على قلبي زي الصاعقة، بس مكنش عندي أي حق أعترض أو أفتح بؤي بكلمة.. أنا اللي زرعت الشوك بإيديا، وكان لازم أتحمل جرحه.

مرت الأسابيع اللي بعد كده وكانت أطول وأصعب أيام عشتها في حياتي. تحولت في بيتي لشبح.. بطلع الشغل الصبح بدري، وأرجع بالليل شايل كل اللي البيت يحتاجه وزيادة، أحطه على الباب وأخبط وأمشِي عشان مأضايقش عين مريم ولا أزود توتر أمي.

أمي بدأت صحتها تتحسن تدريجيًا بفضل ربنا ثم رعاية مريم الدائمة لها. وفي يوم، وأنا راجع بالليل، لقيت باب الشقة مفتوح نص فتحة، وصوت أمي ومريم طالع من جوة. وقفت عند الباب وقلبي بيتدق بظلمة وخوف.. وعرفت إن اللحظة اللي كنت مرعوب منها جت خلاص.

دخلت الشقة، لقيت مريم واقفة في الصالة وجنبها شنطة هدومها الصغيرة — نفس الشنطة اللي جابتها معاها من دار الأيتام. أمي كانت قاعدة على الكنبة بتبكي بحرقة، ومامسكة إيد مريم ومش عايزة تسيبها.

أول ما مريم شافتني، رفعت رأسها بثبات وقالت بصوت هادي ومحسوم:

* “أمي بقت بخير النهاردة يا معلم، والحمد لله الدكاترة طمنونا عليها.. وأنا كملت ووعدي وفضلت لحد ما طمنت عليها. جه الوقت اللي أرد لك فيه حريتك، وتنفي المهازل دي.. عايزه ورقة طلاقي توصلني، ورزقي على ربنا.”

أمي صرخت بدموع وهي بتبصلي:

* “انطق يا ابن بطني! قولها حاجة! قولها إنك اتغيرت، قولها إن بيتك من غيرها مالوش طعم ولا قيمة! أنت هترمي النعمة تاني من إيدك؟”

نزلت على ركبي تاني قصاد مريم، ودموعي غلبتني لأول مرة بحرقة وعجز، وقولت بصوت مكسور:

* “مريم.. أنا عارف إن كلمة ‘آسف’ دي رخيصة أوي قصاد اللي عملته فيكي. وعارف إنك دخلتي البيت ده مظلومة ومكسورة الجناح.. بس والله العظيم أنا اتغيرت. أنا شفت الويل في الأيام اللي فاتت، وعرفت الفرق بين اللي جاية عشان قرشين وشبكة وفشخرة، وبين بنت الأصول اللي صانت بيتي وأمي وهي مجروحة مني. أنا مش بطلب منك تحبيني دلوقتي، ولا بطلب منك تنسي.. بس اديني فرصة واحدة أثبتلك فيها إني هكون الراجل اللي يستاهلك بجد، أبدأ معاكي من الصفر، على سنة الله ورسوله وبجد.. ولو رفضتي وعايزة تمشي، اقسم بالله مش همنعك وهطلقك وأمنلك حياتك، بس هيفضل قلبي ومكاني مفتوحين ليكي لحد آخر يوم في عمري.”

مريم بصتلي بدموع محبوسة في عينيها، ونظرت لأمي اللي كانت بتبصلها برجاء وتترجاها بعينيها. الصمت كان حابس الأنفاس في الصالة لمدة دقايق مرت كأنها سنين.

مريم اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع معاها كل الوجع القديم، وبعدين مسكت الشنطة.. ورمتها على الأرض جنب الباب.

بصتلي وقالت بنبرة جادة بس فيها لمعة أمل هادية:

* “الشنطة دي هترجع مكانها في الأوضة.. بس مش عشانك يا معلم، عشان الست اللي أكلت في بيتها عيش وملح وعاملتني زي بنتها. أما بالنسبة لك أنت.. فالطريق طويل أوي عشان أقدر أثق فيك تاني. الورقة القديمة دي هتنتهي، وهنبدأ من جديد.. بس بشروطي أنا، وباحترامي وكرامتي اللي مش هسمح لك ولا لأي حد يمسهم تاني.”

أمي صرخت من الفرحة وأخدت مريم في وهي بتبكي وتدعي لها، وأنا حسيت إن الروح ردت فيا من جديد. قمت وقفت، وبست رأس أمي، وبصيت لمريم وقولت من كل قلبي:

* “وأنِ أوعدك قدام ربنا وأمي.. إن كرامتك وراحتك هيكونوا في رقبتي لحد آخر نفس في عمري.”

ومن اليوم ده، اتقفلت صفحة الماضي بكل قسوتها وأنانيتها. عرفت إن الحب مش كلام حلو وشبكة فخمة، الحب هو الأضلع والشهامة والبيت اللي يتبنى على رضا ربنا وصون كرامة الناس.. ومريم مكنتش مجرد بنت من الملجأ، دي كانت النعمة اللي ربنا بعتهالي عشان تصلح حياتي وتخليني راجل بجد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى