روايات وقصص

بعد كتب الكتابي ج 3

بقلم روماني مكرم

طاهر أخدني في حضنه وجسمه كله كان بيتهز من المجهود والغضب والقهر، حط رأسه على شعري وبسني بحرارة وهو بينهج: “أنتِ كويسة؟ النونو كويس يا رحمة؟ عملوا فيكي حاجة؟”

هزيت رأسي وأنا بمسح الدم من على وشه: “أنا كويسة.. إحنا كويسين والله، أنت جيت في الوقت المناسب.”

مقالات ذات صلة

بعد عشر دقايق، صوت سرينات الشرطة كان مالي الشارع كله، ورجال المباحث اقتحموا العمارة والشقة. الظابط دخل وشاف الدم والإزاز المكسور والرجالة المكتفين والحاج جابر اللي ملين أرضية الصالة ومش قادر يتحرك من كسر دراعه.

الظابط بص لطاهر وللحاج جابر وقال بحسم: “إيه اللي بيحصل هنا؟!”

طاهر بص للظابط بجمود ورفع إيده المشدودة: “دول اقتحموا بيتي وقطعوا الكهرباء واعتدوا عليا وعلى مراتي الحامل بالشروع في القتل والمطواة والأسلحة البيضاء يا باشا.”

الظابط أمر أمناء الشرطة بتمشيط المكان وأخذ الأسلحة وإلقاء القبض على الحاج جابر والشباب اللي معاه كلهم. الحاج جابر وهو بيتسحب على الأرض ومكسور، بص لطاهر بغل متداري وقال بصوت بحوح: “مش هنسيبك يا طاهر.. الشرف والعار مش بينتهوا بقضية ولا بسجن!”

طاهر بص له بمنتهى الاستحقار والبرود، وقرب منه ووطى صوته: “العار هو وجودك في الدنيا يا جابر.. والقانون هالمرة مش هيسيبك تطلع منها، والمرة الجاية اللي تفكر تقرب فيها من بيتي، مش هسيب فيك عرق ينبض.”

الشرطة أخدت المجموع كلها، والشقة رجعت سكتت تاني، بس المرة دي الهدوء كان مليان بإنهاك شديد وجروح جثمانية ونفسية محتاجة سنين عشان تلتئم.

الجيران ساعدونا ونضفوا الصالة، والدكتور جالي البيت وفحصني وأكد إن الحمل سليم والطفل بخير بفضل ربنا، وطاهر أخد غرز في وشه ودراعه بس كان واقف على رجليه زي الجبل.

في فجر اليوم التالي..

كنا قاعدين أنا وطاهر على كنب الصالة، النور كان راجع، والشمس بدأت تشرق وتبعت أشعتها الدافية من شباك البلكونة. طاهر كان ماسك إيدي ورأسه مائل على كتفي، وعينيه باصة للفراغ.

قربت منه وبست خده الجريح: “طاهر.. القضية المرة دي تلبس وخطف واقتحام، المحامي قال إنهم بياخدوا فيها مؤبد مش أقل من كدة.. الكابوس فعلاً انتهى.”

طاهر تنهد تنهيدة طالعة من قاع قلبه، وبص في عيني بنبرة مليانة حب وحزن وعزيمة: “انتهى من ناحيتهم يا رحمة.. بس حياتنا الحقيقية لسه هتبدأ. إحنا مش هنفضل مستنيين الضربات، ولا هنفضل خايفين من ظلال الماضي.”

ابتسمت له وسألته: “وهنعمل إيه؟”

مسك بطني الصغنونة بالحنان كله وقال: “بكرة الصبح هنبيع كل حاجة هنا، وهنسافر بره مصر خالص.. هنجيب لابننا مستقبل نظيف، ميهوش فيه جهل، ولا أصول مزيفة، ولا ناس فاكرة إن القتل والنخوة حاجة واحدة.”

كانت دي بداية القرار الأخير.. القرار اللي هيحدد مصيرنا للأبد.

مرت الأسابيع بسرعة، والقانون أخد مجراه بحسم؛ الحكم نزل على الحاج جابر والرجالة بالسجن المشدد في قضية الشروع في القتل واقتحام المسكن، وبكده اتقتلت أوهام العنف وانكسرت شوكة الجهل للكتير منهم للأبد.

لمينا أوراقنا وحاجاتنا، وبمساعدة الحاج صابر اللي وقف معانا للآخر وكفر عن خطأ العيلة، بعنا كل أملاكنا في البلد ونهينا أي صلة بالمكان. طاهر حجز لنا تذاكر السفر، وفي خضرة الصباح طارت بينا الطيارة لبلد جديد بعيد عن كل الضغوط والذكريات القاسية.

وبعد شهور قليلة، وفي مستشفى نضيف وهادي، شيلت بين إيديا أجمل هدية من ربنا.. ابننا “آدم”. طاهر مسكه بين إيديه والدموع في عينيه، وقال وهو بيبوس راسه: “أوعدك يا بني إنك هتكبر في بيت ميهوش غير الحب، والدين الصح، والاحترام.”

الحكمة

العادات والتقاليد الموروثة بغير علم ولا دين مجرد جهل مُغلف بكلمة “أصول”. النخوة والرجولة الحقيقية مش في البطش بالضعيف، ولا في تجريد المرأة من آدميتها وكتم صوتها، إنما الرجولة في حماية أهلك، والصمود في وجه الظلم ولو كان من أقرب الناس ليك. والجهل مهما طال ليله وعلت أصوات حمايته، النور والعدل والحق هم اللي بينتصروا في النهاية.

#الكاتب_رومانى_مكرم

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى