روايات وقصص

حكايات نورهان العشري 2

جواد ضيق عينيه وبص للملف باستخفاف:

ـ ملف إيه دا إن شاء الله؟ قضايا من المكتب؟

مقالات ذات صلة

قلت له بابتسامة ثلجية:

ـ لا.. دي قضية جديدة خالص.. اسمها “سقوط القناع”. افتحه واقرا يا جواد.

تمدت إيده بخفة وافتتح الملف، بس مع أول ورقة، وشه بدأ يتغير.. ألوانه اتخطفت! البسمة اللي كانت على وش اختفت تماماً، وعينيه بقت بتتحرك بين السطور بسرعة ورعب مش طبيعي. كانت دي أوراق التحويلات الماليّة، والأسماء المستعارة، وصور اجتماعاته مع قرايب نورهان في كافيهات متطرفة، بالإضافة لتسجيل المكالمة اللي نورهان كلمتني فيها وشركتها في التحويلات!

عرق بارد بدأ ينزل على جبهته، ورفع عينيه ليا وهو مش مصدق.. صوته طلع مكسور ومرعوب:

ـ إيه.. إيه دا يا ولاء؟ إنتِ جبتِ الحاجات دي منين؟! إنتِ بتراقبيني؟!

قمت وقفت، ومشيت خطوات هادية حوالين الكرسي بتاعه، وحطيت إيدي على كتفه وضغطت عليه بخفة وقريب من أذنه قلت بصوت واطي ومخيف:

ـ أنا مراقبتكش يا جواد.. إنت اللي بعتلي نورهان عشان تكسر كرامتي وتلعب معايا حرب نفسية.. نسيت إن اللي تلعب مع محامية لازم تكون أوراقها نظيفة؟ إنت لعبت في منطقة غلط خالص!

جواد وقف فجأة، ورزع الملف على الترابيزة وصوت طالع بالعافية من الرعب:

ـ إنتِ عايزة إيه يا ولاء؟ بتهدديني بضياع مستقبلي وحبسي؟ إنتِ نسيتِ إنك مراتي وأم ولادي؟!

ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في البيت كله:

ـ مراتك؟ دلوقتي افتكرت إني مراتك وأم ولادك؟ لما كنت بتضربني وتهينني وتشوفني كرسي كنت ناسي؟ لما أمك قالتلي أحمدي ربنا إنه متجوزش عليكِ كنت ناسي؟ نورهان اللي بعتها لي تباركلي على الشقة، كانت فاكرة إنها هتهدني، بس هي بجهلها سلمتك ليا تسليم أهالي!

جواد مسك إيدي بلهفة ورعشة أول مرة أشوفها في حياتي، ووقع تقريبًا على ركبه وهو بيترجاني:

ـ ولاء.. أرجوكي.. الملف دا لو وصل للتفتيش أو النيابة العسكرية أنا هترفض وهتحبس.. أبويا هيطب ساكت وأمي هيجرالها حاجة.. أرجوكي يا ولاء بلاش دمار شامل! أنا أسف.. والله أسف على كل لحظة وجعتك فيها!

بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي بقرف، وشدت إيدي منه بقوة وقلت له وأنا ببص له من فوق لتحت:

ـ الأسف دا تقوله لنفسك ولأُّمك اللي ربتك على الكبر والافتراء.. الملف دا مش هيخرج من إيدي بشرط واحد.. وبكره الصبح هتعرف شرطي الأخير إيه، قدام عمي وأمك والعيلة كلها.. تحضر نفسك يا حضرة الظابط، عشان بكرة حفل تجريدك من كل كبرياءك!

سيبته واقف في الصالة بيموت في أفكاره ورعبه، ودخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح.. كانت دي ليلة حسيت فيها إن حق الـ 8 سنين بدأ يرجع بالمليم، وإن القلم اللي انضربته على وشي، بيرد له صاعين في قلبه ومستقبله!

الجزء الخامس والأخير

أشرقت شمس اليوم التالي لتعلن عن الجولة الأخيرة في معركة لم أطلب خوضها، لكنني فرضت شروطي عليها حتى النهاية. أرسلت رسالة قصيرة لعمي طالبة منه الحضور فوراً إلى منزل والدتي مع زوجته، وأخبرت جواد أن يلحق بنا.

اجتمعت العائلة في الصالون الذي شهد من قبل انكساري وإهانتي. كان الذهول سيد الموقف؛ عمي يجلس قلقاً، وحماتي تنظر إليّ بغل يحاول التخفي وراء كبرياء متهالك، بينما كان “جواد الراوي” يدخل القاعة بمنظر لم يعتده أحد منه من قبل. كان وجهه شاحباً، وعيناه غائرتين، وخطواته تفتقد ثقة الظابط المعهودة.

وقفتُ في منتصف الغرفة، وأخرجتُ الملف الأصفر المظلم وحططتُه على الطاولة أمام عمي.

نظر عمي إلى الملف باستغراب وقال:

ـ إيه دا يا ولاء؟ إحنا مش اتفقنا والموضوع اتلم والشقة والشبكة اتكتبوا؟

ابتسمتُ بهدوء ونظرتُ لحماتي التي كانت تتجهز لتفتعل مشكلة جديدة، وقلت بصوت واضح وثابت:

ـ الشقة والشبكة كانوا ثمن إهانتي وضربي يا عمي.. لكن الملف دا هو ثمن “القناع” اللي عاش بيه ابنك حضرة الظابط. الملف دا فيه أوراق ومستندات وشراكة مستترة وغسيل أموال مع عائلة خطيبته القديمة نورهان، تسوى وظيفته ورتبته ومستقبله، وتوديه ورا الشمس في النيابة العسكرية!

شهقت حماتي ووقفت صارخة:

ـ إنتِ بتتبلي على ابني يا مجنونة؟! ابني سيدك وسيد أهلك!

لكن جواد صرخ فيها بصوت مزق صمت الغرفة، وهو يمسك يدها بلوعة:

ـ بس يا بابا! بس يا ماما ارجوكي اسكتي! الكلام دا صح.. الملف دا لو أتحرك أنا هترفض وهتسجن!

ساد الصمت كالمقابر في الصالون. سقطت حماتي على الكرسي مذهولة، وتجمعت الدموع في عين عمي اللواء المتقاعد وهو ينظر لابنه بكسرة وندم لم أرهما فيه من قبل.

نظر إليّ عمي بنبرة توسل ترتجف:

ـ ولاء.. إحنا أهلك، وجواد ابن عمك.. بلاش تخربي بيتك وتهدي مستقبله، ابني غلط وأنا مستعد أعملك أي حاجة تطلبيها.

تنفسّتُ بعمق، ونظرتُ إلى جواد الذي كان ينظر إلى الأرض بعينين مكسورتين، ينتظر صدور الحكم من “الكرسي” الذي طالما استحقره.

قلت بصوت صارم لا يقبل الفصال:

ـ أنا مش هأذيك يا جواد في شغلك ولا هسلم الملف دا لحد.. مش عشانك، ولا عشان الحب اللي إنت قتلته بإيديك.. أنا هعمل دا عشان الولاد دول مش ذنبهم يعيشوا بأب مسجون أو مدمَّر مستقبله، وعشان خاطرك يا عمي. لكن شروطي إنهائيّة ولا رجعة فيها:

أولاً: طلاقي منك يكون طلاقاً بائناً لا رجعة فيه فوراً وبكل حقوقي الشرعية كاملة، مع التزامك بالنفقة والشقة المقيدة باسمي.

ثانياً: الملف دا هيفضل معايا حماية ليا ولأولادي.. لو فكرت إنت أو والدتك تقربوا مني أو تضايقوني بأي شكل، الملف هيتحرك فوراً للجهة المختصة.

ثالثاً: حماتي.. تصحي من وهم الألف واحدة اللي يتمنوا ابنك، وتعرفي إن بنت الأصول لما بتصون بيتها بتصونه بحب، ولما بتتساب كرامتها بتهد المعبد على اللي فيه!

جواد رفع رأسه، وبص لي بنظرة فيها انكسار وشوق وحسرة وندم، وقال بصوت خافق:

ـ إنتِ بجد عايزه تتطلقي يا ولاء؟ مش هتديني فرصة واحدة أصلح فيها كل دا؟ أنا والله عرفت قيمتك.. عرفت إنك النعمة اللي كنت عامي عيني عنها!

ابتسمت له ابتسامة هادئة خالية من أي غضب أو انتقام، وقلت له:

ـ الفرصة دي كانت زُمان يا جواد.. 8 سنين وأنا بترجاك تشوفني وتديني ابتسامة، 8 سنين وأنا بقبل الذل عشان بحبك. بس الحب اللي يبخس قدر صاحبه وبيجي على كرامته بيبقى سرطان لازم يستأصل. أنا النهارده مش حاقدة عليك.. أنا بس تعافيت منك.

في نفس اليوم، تم الطلاق رسمياً عند المأذون. خرجتُ من مكتبه مرفوعة الرأس، لا أحمل غلاً ولا حسرة، بل أحمل ذاتي التي أعدتُ اكتشافها من جديد.

مرت الأيام، وأصبحتُ واحدة من أنجح المحاميات في المكتب، كبر ولادي في بيئة صحية خالية من الإهانة والاستبداد. أما جواد، فما زال حتى اليوم يحاول التواصل، يطاردني بالنظرات في كل مناسبة تجمع العائلة، ويجري وراء ظلي علّه يجد “ولاء” القديمة، لكنه لا يجد سوى امرأة قوية، ردّت له الصاع صاعين، وأثبتت له أن الكرامة حين تسترد.. لا تقبل المساومة!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى