
لم تكن القاعة مجرد مكان لتكريم نجاح أكاديمي، بل كانت شهادة ميلاد لامرأة أعادت تعريف حياتها بالكامل. في الصفوف الأولى، كان يجلس والدها وأمها، وعيونهما تفيض الفخر والاعتنان. كان الوالد ينظر إليها وكأنه يرى الشجرة الطيبة التي غرسها، وثبتت جذورها في الأرض رغم أعتى العواصف.
صعدت ندى إلى المنصة، استقرت أمام الميكروفون، ونظرت إلى الحضور الغفير من الشباب، والفتيات، والأهالي. لم تبدأ كلمتها بالنظريات الاقتصادية ولا بالأرقام الجافة، بل بدأت بحكاية.
-
فرحي بعد شهر ج 1منذ 7 ساعات
-
سلفتي ج 3منذ 7 ساعات
-
سلفتي ج 2منذ 7 ساعات
-
سلفتي ج 1منذ 7 ساعات
“قبل سنتين..” بدأت ندى بصوت ناعم، لكنه يحمل صدى واثقاً ترقّبت له القاعة بأكملها، “كان من المفترض أن أكون في مكان آخر تماماً. كان مفترضاً أن أكون زوجة تعيش خلف باب مغلق، ربما مكسورة، أو مطأطأة الرأس، أو متقبلة لاستباحة كرامتها لمجرد الخوف من كلام الناس، أو الخوف من لقب ‘مطلقة’. في تلك الليلة، حين أُغلق الباب بالمفتاح وسُلبت إرادتي، كان أمامي خياران: إما أن أستسلم لرهبة اللحظة وخوف المستقبل وأقبل بهوان البدايات، أو أن أرفع رأسي وأقول ‘لا’ مدوية، حتى لو كلفني ذلك فرحتي، وجهازي، وكلام المجتمع كله.”
ساد الصمت القاعة، أعين الفتيات الحاضرات بكلماتها وهي تواصل:
“الخوف هو الخدعة الأكبر التي أو أن ‘الباب المقفول’ يلغي حقكِ في الرفض، وأن الورقة الرسمية تمنحه سلطة امتلاك جسدكِ وروحكِ دون رضاكِ. لكن الحقيقة أن كرامة المرأة وسلامها النفسي هما الخط الأحمر الوحيد الذي لا يجوز المساومة عليه تحت أي مسمى؛ لا باسم الحب، ولا باسم عقد القران، ولا باسم خوف العائلات من .”
التفتت ندى بنظرها نحو والديها، وابتسمت ابتسامة امتنان دافئة: “أنا لم أقف هنا اليوم لأني كنت شجاعة بمفردي فحسب، بل لأنني وجدت أباً لم يفضّل كلام الناس على ابنتها، وعائلة فهمت أن شرف الفتاة في عفتها وكرامتها أمام الجميع، أدركت أن الله لم يبعدني عن ذلك البيت ليحرمني، بل ليحمي مستقبل كامل كان سيضيع.”
ضجت القاعة بالتصفيق . وفي تلك اللحظة بالذات، بين زحام التهاني والورود، لمحت ندى عند طرف القاعة شخصاً يراقبها بوقار وإعجاب شديد؛ كان ‘أحمد’، زميلها واستشاري التنمية الذي شاركها العمل على مشروع الجمعية خلال الأشهر الماضية، والذي كان ينتظر بنبل وصدق أن تنتهي هذه اللحظة ليتقدم رسمياً لوالدها، مظهراً كيف تكون الرجولة الحقيقية التي تحترم، وتصون، وتستأذن، وتنتظر الشريك بحب وإجلال من الباب الكبير.
ابتسمت ندى بثبات، وأغلقت دفتر كلمتها، ملخصة تجربتها كاملة في حكمة أصبحت دستوراً لحياتها ولكل فتاة تصغي إليها:
الحكمة:
> “الباب الذي يُغلق كرامتكِ، اغلقيه أنتِ للأبد وبلا ندم.. فالرجل الحقيقي هو من يحميكِ من خوفكِ لا من يستغله، والوقوف في مهب الريح وأنتِ مرفوعة الرأس، خيرٌ ألف مرة من العيش تحت سقفٍ يُسلب فيه حقكِ في القبول والرفض. لا تخافي من لقب ‘مطلقة’ أو كلام الناس، فكلامهم يموت بعد أسبوعين، أما النفس فتعيش معكِ طوال العمر.”


