
في غرفة الطوارئ المتهالكة، وبينما كنت أصارع الألم والأطباء يلتفون حولي، طلب الممرض هاتفاً أو وسيلة اتصال بأحد أقاربي. لم يكن لدي في قائمة العناوين سوى رقم واحد حفظته عن ظهر قلب ولم أملك الشجاعة يوماً لاتصاله: رقم شادية.
استجمعت ما تبقى لي من قوة، وقلت للممرض بصوت متهدج:
-
بنت عمي ج 1منذ 7 دقائق
-
بنت عمي ج 2منذ 7 دقائق
-
طليقتي ج 3منذ 15 دقيقة
-
طليقتي ج 2منذ 16 دقيقة
“اتصل بالرقم ده.. قولها حامد في المستشفى.. مش عايز منها حاجة، بس قولها يجي منها العفو قبل ما أواجه ربنا.”
مرت ساعتان وأنا قابع في تلك الغرفة، تحت أضواء الفلورسنت الخافتة، بين الحياة والموت. كنت أغمض عيني وأتخيل أنها لن تأتي، وأن كبرياءها سيمنعها من رؤية الرجل الذي خذلها.
وفجأة، فتح باب الغرفة.
سمعت صوت خطوات متزنة تتقدم نحوي. فتحت عيني بصعوبة، لأجد شادية تقف عند طرف السرير! لم تكن ترتدي ثيابها الفاخرة، بل كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة، ووجهها يحمل علامات التعب والإرهاق، وفي عينيها نظرة لم أستطع تفسيرها.. نظرة تجمع بين الحزن والأسى والشفقة.
اقتربت مني بخطوات هادئة، وقفت بجانب السرير، ونظرت إلى وجهي الشاحب وأنابيب المغذي المعلقة في يدي.
حاولت أن أعتدل في جلستي، لكنها وضعت يدها الدافئة على كتفي برفق وقالت بصوت خفيض:
“ارتدِ يا حامد.. متتعبش نفسك.”
انسكبت الدموع من عيني دون إرادة، وغطيت وجهي بيدي وأنا أشهق بالبكاء كطفل صغير:
“سامحيني يا شادية.. أنا آسف.. أنا غدرت بيكي وبعت النعمة، والدنيا أدبتني وجابتني تحت رجليكي تاني. أنا مش عايز فلوس، ولا عايز شقة، ولا عايز حاجة من الدنيا.. أنا بس كنت خايف وأنتِ زعلانة مني.”
جلست شادية على الكرسي المالي بجانب السرير، وظلت ساكتة لفترة طويلة، تنظر إلى السقف وتتنهد بعمق، ثم قالت بنبرة حنونة عاد بها الزمن سنتين إلى الخلف:
“أنا ما كرهتكش يا حامد.. أنا زعلت عليك. زعلت إنك استرخصت نفسك، وافتكرت إن القرشين والعربية هما اللي بيعملوا للراجل قيمة. أنا لما جردتك من كل حاجة، ما كنتش منك، أنا كنت برجعك للواقع عشان تفوق قبل ما تضيع تماماً.”
سألتها بصوت مرتجف:
“يعني.. أنتِ مش غاضبة عليا؟”
ردت وهي تنظر في عيني بثبات:
“أنا سامحتك لله.. والمسامحة دي حقي وحقك. بس المسامحة حاجة، والرجوع حاجة تانية خالص يا حامد. لما بيلتئم بيسيب علامة، والعلامة دي بتفكرنا دايماً بالوجع.”
أخرجت شادية من حقيبتها ملفاً أوراقياً صغيراً، ووضعته على الطاولة المجاورة للسرير، وقالت:
“ده عقد شقة صغيرة ومحل بضاعة في منطقة ثانية بعيدة عن هنا.. باسمك. مش عشان ترجعلي، ولا عشان دي صدقة.. ده عشان الأيام اللي عشتها معايا في بيت واحد وأنت صاين البيت، وعشان تبدأ بيهم حياتك صح المرة دي، بعيد عني وعن كل حاجة تفكرك بالماضي.”
نظرت إلى الورق بصدمة وقلت:
“أنا ما أستاهلش ده منك يا شادية.. أنتِ بتعملي معايا كده ليه بعد كل اللي عملته؟”
قامت من مجلسها، وعدلت عباءتها، وقالت وهي تنظر إليّ بابتسامة باهتة مليئة بالحكمة:
“بعمل كده عشان أنا شادية.. وعشان أثبتلك إن الكبير بيضل كبير حتى وهو بيفارق. اتعالج، وقف على رجلك، وابدأ حياتك من جديد من غير ما تبص وراك.”
استدارت ومشت نحو الباب بخطوات هادئة. وقفت عند العتبة، التفتت إليّ وقالت:
“وداعاً يا حامد.. ربنا يهديك ويصلح حالك.”
خرجت شادية وأغلقت الباب خلفها، ليبقى صوت غلق الباب المرة هذه خالياً من القسوة، بل كان بمثابة إعلان لنهاية فصل كامل من حياتي، وبداية طريق جديد لا أعلم أين سيأخذني.
بقيت مستلقياً على السرير، أنظر إلى العقد الموضوع أمامي وإلى الباب المغلق. خِبرات السنين، ووجع الخيانة، والندم، وحكمة شادية.. كل ذلك كان يدور في عقلي. أصبحت أمام افترق طرق جديد: هل أقبل هذا الفضل الأخير وأبدأ من جديد رغماً عن المرارة، أم أن أشباح الماضي ستلاحقني وتمنعني من بناء ما تبدّد؟
مرت الأيام في المستشفى بطيئة وثقيلة، لكنها كانت كفيلة بتطهير عقلي من كل أوهام الماضي. تعافى جسدي تدريجياً، وأول ما فعلته بعد خروجي هو الذهاب إلى مكان الشقة والمحل اللذين وهبتهما لي شادية. لم يكونا بقصر ولا بعمارات، بل شقة بسيطة ومحل صغير لبيع المواد الغذائية في حي هادئ على أطراف المدينة.
نظرت إلى المفاتيح في يدي، ولم أشعر هذه المرة بالغرور ولا بالنشوة، بل شعرت بأمانة ثقيلة تُوضع على كاهلي. كانت هذه فرصة أخيرة منحها لي القدر، ليس لأكون ثرياً، بل لأكون “رجلاً” حقيقياً يعتمد على عرق جبينه ويكفر عن أخطائه.
استلمت المحل وبدأت العمل فيه بكل جوارحي. كنت أستيقظ مع أذان الفجر، أفتح الأبواب، أفرغ الصناديق بنفسي، وأتعامل مع الزبائن بأدب وتواضع جم. لم أستعن بأي عامل، أردت أن أشعر بقيمة كل جنيه أدخله، وأن يذوب كبريائي القديم تحت وطأة التعب الشريف.
ومع مرور الأشهر، بدأ المحل يزدهر بفضل الله ثم بفضل إخلاصي في العمل. أعدت ترتيب حياتي؛ بعت الكشك القديم، وسددت كل الديون الصغيرة التي كانت عليّ، وأصبحت أمتلك دخلاً حلالاً يكفيني ويزيد، وحياة هادئة لا يطاردني فيها خوف ولا طمع.
في أحد أيام الخريف، وبينما كنت أقف أفرز بعض البضائع، جاءني رجل مسن من أهل الحي، يطلب مني أن أساعده في حمل بعض الأغراض لبيته المالي القريب. ذهبت معه برضا خاطر، وهناك أصر على استضافتي لكوب من الشاي. أثناء جلوسي، خرجت ابنته لتقدم الشاي؛ كانت فتاة بسيطة، متدينة، اسمها “رحمة”، تعمل معلمة في إحدى المدارس الابتدائية. لم تكن تحمل جمال سلمى الصارخ، ولا هيبة شادية الطاغية، لكن كان في وجهها ورقة أطفأت كل النيران التي كانت تغلي في صدري.
مع الوقت، وبعد أن تأكدت أنني تطهرت تماماً من ماضيّ وأصبحت إنساناً جديداً، تقدمت لخطبتها من والدها. حكيت للرجل كل شيء عن ماضيّ بمنتهى الصدق والأمانة؛ حكيت له كيف كنت، وكيف أخطأت، وكيف أعدت بناء نفسي من الصفر. نظر إليّ الشيخ الحكيم وقال: “يا بني، التائب من الذنب كمن لا ذنب له.. وأنا شايف قدامي راجل عصامي يصون بنتي.”
تزوجت من رحمة، وعشت معها حياة بسيطة ملؤها القناعة والود. لم أطلب منها شيئاً سوى أن نبني بيتنا على الصدق والمودة، ولم تطلب هي مني سوى الأمان والستر. وبعد عام واحد، رزقنا الله بطفلة صغيرة أسميتها “أمل”، لتكون بداية جديدة حقيقية لحياة خلقت من رحم الندم.
في يوم ميلاد طفلتي، أخذت ورقة وقلم، وكتبت رسالة قصيرة لم أضع عليها اسم المرسل، وبعثتها مع أحد المحضرين إلى عنوان فرن شادية. كتب فيها:
“إلى من علمّتني أن الرجولة كلمة، وأن الكبرياء لا يُشترى بالمال.. أبشركِ أن زرعكِ الأخير قد أثمر، وأن حامد أصبح اليوم رجلاً بحق، يرعى بيتاً وزوجة وطفلة من عرق جبينه. شكراً لأنكِ قسوتِ عليّ لتنقذيني من نفسي، وشكراً لأنكِ عفوتِ لتمنحيني فرصة للحيـاة. لن أنساكِ من دعائي ما حييت.”
جلسـت في مساء ذلك اليوم في صالة بيتي الصغير، أحمل طفلتي بين يدي وأستمع لضحكات زوجتي في المطبخ. نظرت من النافذة إلى السماء، واستشعرت حكمة القدر في كل خطوة مشيتها.
لقد خسرت المال والجاه والغرور، لكنني كسبت نفسي، وكسبت القناعة، وعرفت أن السعادة الحقيقية ليست في أن تملك كل شيء، بل في أن تقنع بما لديك، وأن تصون عهدك، وتعيش عزيزاً بعرق جبينك.. ورفعت المطبوعات و طويت الصفحة الأخيرة من كتاب الماضي إلى الأبد.





