روايات وقصص

في ليلة فرحي

انجي الخطيب

.
كل ده كان جزء من خطة.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن الكاميرا دي مش كانت الحاجة الوحيدة اللي مستخبية في الفندق.
لأن قبل الفطار بساعات، هكتشف إن حد كان بيسجل حاجات أكتر بكتير من اللي حصل في فرحي…
وإن توقيعي أنا كان آخر قطعة ناقصة في الخطة كلها.
#انجي_الخطيب

وضغطت على أسناني وأنا سامعة خطواتهم بتقرب من الباب. سحبت نفسي بسرعة ورا الستايرة الطويلة اللي جنبه، وقلبي كان بيدق بصوت حاسة إنه مسموع في الأوضة كلها. دخل أحمد وأمه، والنور اتفتح. صوت جزمة الحاجة نوال كان وقوي، مفيش أي أو التعب اللي كانت بتمثله من ساعات.

مقالات ذات صلة

قالت بصوت واطي ومستعجل: «هات الكارت يا أحمد خلصنا، عشان نبقى ضامنين كل حاجة لما تضغط عليها الصبح.. تنازلها عن نصيبها في شقق أبوها هو اللي ، والتسجيل ده هو الكارت اللي تمضي وهي ساكتة من غير ما تفتح بقها.»
أحمد قرب من ، وسمعت صوت حركته وهو بيرفع اللوحة. ثواني صمت .. بعدها طلع منه : «يا نهار أسود! الكاميرا مش هنا يا أمي!»

شهقت أمه وقالت بذهول: «يعني إيه مش هنا؟ هي طارت؟! أومال راحت فين؟!»
وفي اللحظة دي، تليفون أحمد رن بصوت عالي خضهم هما الاتنين. فتح السبيكر وإيده . جه صوت راجل رزين وحاد: «الكاميرا اللي بتدور عليها مع مرتك يا أحمد.. بس اطمن، مش هي لوحدها اللي بتسجل. أنا مصوركم من لحظة ما دخلتم الفندق، ومعايا تسجيل صوت وصورة لكل كلمة عن  والورق اللي عايزين تجبروها تمضيه.»
أحمد اتجمد في مكانه، وأمه اتوترت وصرخت بصوت خافت: «انت مين يا جدع انت؟! وعايز إيه؟!»

رد الراجل ببرود: «أنا المحامي بتاع أبو مريم. أبوها الله يرحمه كان فيك وفي من أول يوم، وقبل ما  أتابعك وأراقب خطواتك خطوة بخطوة. ومريم دلوقتي هتقف من ، ولو حاولت تلمس منها شعرة، التسجيلات دي كلها هتكون على مكتب خلال خمس دقائق  في الابتزاز .»

خرجت من ورا الستايرة بثبات، وبصيت في عين أحمد وأنا ماسكة الكاميرا الصغيرة بين صوابعي. الملامح اللي كانت زالت، وحل مكانها قوة ما كنتش أعرف إنها جوايا. بصيت للوش المصدوم بتاعه وبتاع أمه، وقلت بصوت هادي : «ورقة طلاقي توصلني الصبح يا أحمد.. ولا تحب نكمل كلامنا مع المحامي وفي القسم؟»

أحمد اتلجم ولسانه ما نطقش كلمة، وأمه اتسندت على الحيطة وهي مش مصدقة إن اللعبة عليهم في لحظة. مسكت شنطتي وخرجت من الفندق وأنا الراس، وعرفت إن الحق عمره ما بيضيع، وإن الليلة اللي كانت مفروض ، كانت هي بداية حياتي الحقيقية.
خرجت من بوابة الفندق، وهوا الفجر الساقع في وشي كأنه بيصحيني من طويل. كانت رجلي  بالعافية، بس قلبي كان متحجر وثابت على موقفه. حسيت إن الهوا النضيف اللي بتنفسه بره القاعة أرحم مليون مرة من والرخس اللي كنت هعيش فيهم.

وفجأة، سمعت صوت خطوات سريعة بتجري ورايا، وصوت أحمد وهو بينادي بلهفة ورعب: «مريم! استني بس يا مريم.. اسمعيني وحياتك عندي!»

سحبت إيدي منه بجمود، وبصيت في عينه وقُلت بصلابة: «اللي يحب حد يا أحمد، ما يتعاملش معاه كأنه صيد ورخيصة، ولا يحطله كاميرات يبتزه بيها! بيتنا اتخرب من اللحظة اللي فكرت فيها تتآمر عليا.. من قبل ما ندخله أصلاً.»
ركبت العربية اللي كان باعتها الأستاذ مراد المحامي، وقفلت الباب في وشه.  المراية واقف ، وأمه نزلت وراه بتحاول تستوعب ، بس خلاص.. اللعبة انتهت.

خلال أسبوع واحد، وبفضل التسجيلات اللي كانت معايا ومع المحامي، وصلتني ورقة طلاقي رسمي لحد باب البيت، من غير ما أتنازل عن مليم واحد من حقي، ولا أحتاج أقف قدامهم في محاكم ولا أدخل في .
في اليوم ده، وقفت قدام المراية، مسحت بقايا مكياج الفرح، وابتسمت لنفسي بجد. الليلة اللي كنت فاكراها أسوأ ليلة في حياتي، كانت أكتر ليلة ربنا نجدني فيها وفتح عيني قبل ما أتغرس في ظلمات مكنتش هعرف أطلع منها. خرجت من التجربة دي أقوى، وعرفت إن القيمة مش في فرح كبير وفستان أبيض، القيمة الحقيقية إنك تكون شجاع كفاية عشان تمشي من أي مكان بيحاول .

في يوم، وأنا طالعة من مقر شركتي في التجمع، شفت خيال راجل واقف جنب عربيتي ومتردد يقرب. لما قربت أكتر، بوشه.. كان أحمد! بس مش أحمد العريس  بنفسه؛ كان دبلان، هدومه ، وفي عينيه وتوسل غريب.

أول ما شافني، قرب بسرعة وهو بيقول بنبرة مليانة ندامة وخوف: «مريم.. الحمد لله إني شفتك، بقالي أكتر من ساعتين مستنيكي هنا.»
وقفت بثبات، مسكت مفاتيح عربيتي في إيدي وقُلت بنبرة هادية ومش : «خير يا أحمد؟ فيه حاجة نسيناها من سنة ولا إيه؟

بصيت له بثبات. قلبي ما اتحركش فيه أي مشاعر، لا شماتة ولا شفقة، كل اللي حسيت بيه هو إدراك إن ربنا عادل وبيخلص الحسابات بالمليم وفي الوقت المناسب.
رديت عليه بصوت واثق : «ربنا أمك يا أحمد، بس طلبك للمسامحة ملوش مكان عندي. المسامحة بتكون للي بيغلط وهو مش يقصد، لكن أنت وأمك خططتم ودبرتم عشان تبتزوني في أكتر ليلة كنت مأمنالك فيها. اللي أنت فيه ده مش ذنبي.. ده حصاد اللي إيدك بنفسك.»

دمعة نزلت من عينه وقرب خطوة بقلة حيلة: «يعني خلاص يا مريم؟ مفيش أي فرصة أصلح اللي عملته؟ أنا ضعت بجد!»
فتحت باب عربيتي وركبت، وقبل ما أقفل الباب بصيت في عينيه وقُلت: «أنا حريتي بدأت من الليلة اللي خرجت فيها من جناح الفندق يا أحمد.. ودلوقتي دورك تتعلم تشرب من الكأس اللي مليته بإيدك.»

قفلت الباب وشغلت العربية ومشيت، وسبته في المراية واقف صاغر ، يتفرج على الست اللي كان فاكر إنه هيعرف ، وهي طايرة في حياتها وحرة من غير ما تبص وراها لحظة واحدة.
عديت الشارع وأنا باصة قدامي، حسيت إن آخر قيد كان مكتف قلبي اتفك تماماً. أحمد ما بقوش يمثلولي غير صفحة مقفولة في كتاب قديم، صفحة اتعلمت منها إني أكون السند لنفسي قبل أي حد.

بعد ست شهور، كنت واقفة في التراس بتاع مكتبي الجديد اللي فتحته على النيل.. نفس النيل اللي كان شاهد على ليلة فرحي والوجع اللي افتكرت إنه هينهي حياتي. المرة دي كنت واقفة وأنا ماسكة كوباية القهوة، باصة للمية اللي بتلمع تحت شمس الصبح، ومفيش جوايا غير هدوء وراحة بال ملهومش ثمن.
سمعت خبط خفيف على باب المكتب، ودخل الأستاذ مراد وهو مبتسم ومسك ورقة وقال: «مبروك يا مريم.. الشراكة الكبيرة اتوقعت رسمي، وشغلك بقى بيسمع في السوق كله. لو أبوكي الله يرحمه كان معانا النهاردة، كان هيبقى أفتخر وأسعد راجل في الدنيا بيكي.»

ابتسمت بامتنان ودمعة هادية على خدي، بس المرة دي كانت دمعة فخر. افتكرت مريم بتاعة زمان.. البنت اللي كانت خايفة ومتلخبطة ومصدومة في ليلة فرحها، وبصيت لمريم بتاعت النهاردة.. الست القوية اللي حمت نفسها ووقفت على حيلها وغيرت مجرى حياتها كلها.
قفلت الملف اللي في إيدي، وبصيت للسما وقلت من قلبي: «الحمد لله.. الصدمة كانت صحوة، والخيانة كانت بداية النجاة.» ودي كانت النهاية الحقيقية لقصتي، مش إني بس قفلت باب الماضي، لكن إني بنيت من حطامه مستقبل أرقى وأجمل مما كنت أحلم.تمت
حكايات انجى الخطيب

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى