
“أحمد” اتعصب ونبرة صوته عليت:
— ودخلتيهم أوضة “أمنية” ليه؟! أنا مش محذر ألف مرة الأوضة دي متتفتحش؟!
-
رجعت البيت بدري 2منذ 5 ساعات
-
حماتي زقتنيمنذ 5 ساعات
-
جوزي كان فاكر إني مستحيل أفهم ألمانيمنذ 9 ساعات
-
جوزي بنت عمي ج 1منذ 23 ساعة
— عشان الأوضة دي كانت البُعبُع بتعهم! — صباح زعقت بنبرة أمومة حقيقية خلت “أحمد” يتسمر — الأوضة اللي أنت قافلها بالمفتاح وبتقول عليها ذكريات مقدسّة، العيال كانوا فاكرين إنك حابس فيها سر موت أمهم! “مالك” قال لي إن الصبح اللي أمهم ماتت فيه، هم الاتنين كسّروا برطمان المربى على السجادة وكانت “أمنية” زعلانة منهم جداً وهي نازلة، وقالت لهم وهي بتزعق: “أنا ماشية ومش راجعة تاني عشان أنتم أشراء!”.
سكتت “صباح” وبلعت ريقها، ودمعة نزلت من عينها:
— أمهم نزلت جرت على شغلها وهي متضايقة، وبعدها بساعتين الحادثة حصلت ومجتش تاني. بقالهم 14 شهر، الطفلين دول عايشين بذنبيين يهدوا جبال.. الأول: إنهم فاكرين إن زعيمهم وشقاوتهم هي اللي موتت أمهم، والثاني: إنك أنت يا أحمد بتبص لهم ومبتحضنهمش، ففاكرين إنك عارف سرهم وبترفضهم وتكرههم عشان كده!
“أحمد” حس الأرض بتلف بيه. صور الـ 14 شهر اللي فاتوا عدت قدام عينه زي الشريط السريع. افتكر كل مرة كان “سليم” بييجي يمسك في رجله وهو راجع من الورشة، فكان بيبعده بشويش ويقوله “بابا تعبان ومحتاج يرتاح”. افتكر كل مرة “مالك” كان يبص له فيها بنظرة مكسورة قبل ما يترمي في حضن أي دادة، وهو كان فاكر إن دي مجرد “عصبية أطفال” ومحتاجة دكتور شاطر.
هو اللي هرب.. الفلوس، والورشة، وقطع الغيار، والصفقات اللي بالملايين كانت مجرد شماعة استخبى وراها عشان ميمسحش دموعهم ويواجه وجعه هو الشخصي.
“أحمد” نزل على ركبتيه قدام عياله لأول مرة من يوم الحادثة. الصالة كانت ساكتة تماماً، ومش باين فيها غير صوت نفسه العالي.
مد إيده يلمس إيد “مالك”، فالولد أخد خطوة لورا وخاف، واستخبى ضهر “صباح”.
القطعة دي من قلب “أحمد” اتكسرت ميت حتة. بص لـ “صباح” بصة رجاء مفيهاش أي حاجة من كبرياء صاحب المحلات والورش:
— كملي يا صباح… عملتي إيه جوة؟ وليه ناموا في حضنك؟
“صباح” بصلت له بهدوء وقالت:
— فتحت الأوضة يا أستاذ أحمد.. مسكت إيديهم ودخلتهم، وخليتهم يلمسوا الهدوم اللي متسابة على الكرسي، وريحة البرفان اللي في الملاية. قعدت على السرير وأخدتهم في حضني وقلت لهم: “أمكم راحت الجنة عشان ربنا بيحبها، ومش زعلانة منكم، والمربى اللي اتكسرت هي كانت جابت غيرها وهي راجعة بس الطريق كان بعيد”.
مسحت “صباح” دموعها وكملت:
— العيال بكيوا في حضني بكا عمري ما شفته في حياتي.. طلعوا كل العياط اللي كان محبوس في صدرهم بقاله سنة وزيادة، لحد ما جسمهم خف وناموا من التعب. هم مكنوش محتاجين جداول ولا دكاترة بفلوس.. كانوا محتاجين يحسوا إن الأوضة دي مش مقبرة، وإن أمهم مشيت وهي بتحبهم.
“أحمد” بص لـ “سليم” اللي كان لسة مدروخ في حضن صباح، وبعدين بص لـ “مالك” اللي كان باصص للأرض ودموعه بتنزل بسكوت.
“أحمد” زحف على ركبتيه لغاية ما بقى قصاد “مالك” بالظبط. مسك إيديه الصغيرة بكل حنين الدنيا، وعينه بتخر دموع:
— مالك… بص لي يا حبيبي.
“مالك” رفع عينه ببطء، وعينيه الصغيرة كانت مليانة خوف ورعب مستني العقاب.
— أمكم بتحبكم أكتر من أي حاجة في الدنيا… وأنا… أنا اللي كنت غبي وغشيم. أنا اللي آسف يا مالك.. أنا اللي قفلت الباب وسيبتكم لوحدكم في الضلمة.
“مالك” شفايفه بدأت تترعش، وفجأة رمى نفسه في حضن “أحمد” وصرخ بأعلى صوته، صرخة طلعت كل وجع الـ 14 شهر. “أحمد” ضم الولد لقلبه جامد، وبإيده التانية شد “سليم” من حضن “صباح” وضمهم هم الاتنين في حضنه، وقعد يبكي معاهم في نص الصالة، بكي زي ما مبكاش يوم الجنازة.
“صباح” وقفت على جنب، مسحت دموعها بطرف جلابيتها، وانسحبت بشويش ناحية المطبخ عشان تسيبهم في لحظتهم.
بعد نص ساعة، كان الهدوء ساد البيت، بس المرة دي كان هدوء سكينة مش هدوء خوف. التوأم كانوا ناموا في حضن “أحمد” على كنبة الصالة من كتر العياط. “أحمد” كان قاعد ساند رأسه على الكنبة، بيملّس على شعرهم ويهديهم، وعينه مش مفارقة الباب المفتوح بتاع أوضة “أمنية”.
“صباح” خرجت من المطبخ وهي شايلة كوباية شاي سخنة، حطتها على الطاولة جنبه بصوت واطي وقالت:
— الشاي يا أستاذ أحمد… أنا خلصت مسح المطبخ وجايز أستأذن عشان الوقت تأخر.
“أحمد” رفع رأسه وبص لـ “صباح”. في لحظة، حس إن الست البسيطة دي اللي جاية بجلابية مستعملة وشنطة هدوم مقطوعة، كانت سبباً في نجاة بيته وعياله من الخراب النفسي.
— تقعدي فين يا صباح؟ — أحمد قالها بصوت بحاح من كثرة العياط.
— هروح يا أستاذ.. أنا ساكنة في الأوضة اللي فوق السطوح في الشارع اللي وراكم، وآجي بكرة الصبح بدري أكمل شغل البيت.
“أحمد” هز رأسه بالرفض وقام بشويش عشان ميعيطش العيال، ووقف قصادها:
— شغل البيت إيه يا صباح؟ انتي من النهاردة مش شغالة هنا.
“صباح” وشها اتخطف وافتكرت إنه عشان فتحت المقفولة:
— والله يا أستاذ أنا مكنش قصدي أتدخل في اللي ماليش فيه.. أنا بس صعبوا عليا العيال.. أرجوك متقطعش عيشي!
“أحمد” بص لها بهدوء ونفى برأسه:
— انتي مش شغالة في البيت ده يا صباح.. انتي من النهاردة المسؤولة عن البيت ده وعن العيال دول. الورشة والفلوس وكل اللي حيلتي ميسووش لمسة أمان واحدة من اللي إديتيها لعيالي النهاردة. المرتب اللي كنتي بتاخديه هيتضاعف خمس مرات، والأوضة اللي جنب العيال هتتفتح وتتوضب عشان تقعدي فيها بكرامتك، ومفيش خروج من البيت ده.
“صباح” كانت مبهولة ومردتش، بس “أحمد” سكت لحظة وبعدين كمل بصوت واطي ونبرة جادة:
— بس في حاجة واحدة فاضلة يا صباح.. لازم تعرفيها قبل ما تقرري تقعدي معانا.
“صباح” استغربت وقالت:
— حاجة إيه يا أستاذ أحمد؟
“أحمد” تلفّت ناحية أوضة “أمنية” اللي بابها مكسور، وقرب من “صباح” وقال بصوت واطي جداً عشان العيال متسمعش:
— السر اللي العيال قالوهولك عن برطمان المربى… مش هو السبب الوحيد اللي خلي “أمنية” تنزل زعلانة الصبح ده.
“صباح” عقدت حواجبها:
— أومال إيه؟
“أحمد” حط إيده في جيبه وطلع مفتاح قديم ونحاسي، عين “صباح” وسعت أول ما شافته.
— ده مفتاح الدرج المقفول اللي جوة التسريحة في “أمنية”… الدرج اللي محدش فتجه من 14 شهر. “أمنية” الصبح ده، قبل ما تخرج وتتحط في الحادثة، سابتلي جواب جوة الدرج ده… جواب هي كتبته لما اكتشفت سر عن شغلي وعن ناس في المنطقة الشعبية هنا.. سر لو اتعرف، مش بس حياتي أنا اللي هتبقى في خطر… دي حياة كل واحد عايش في البيت ده!



