منوعات

جوزي بنت عمي ج 1

بقلم زهره الربيع

أبويا أصر يجوزني بنت عمي رغم رفضي الشديد، وفي ليلة زفافنا اكتشفت إن مفيش أي دليل واضح يثبت إنها كانت عذراء، ومع إني كنت متأكد من تربيتها وأخلاقها، لكن طمعي في الهروب من الجوازة خلاني أشوف الموقف كأنه فرصة أخلص بيها من كل حاجة، وكمان أواجه أبويا وأكسر قراره قدام العيلة.

أبويا كان شايف إن الدنيا كلها عبارة عن حسابات ودفاتر. الشراكة بينه وبين عمي في البيت والأرض والشغل مكانتش كفاية بالنسبة له، كان عايز يوثق الشراكة دي بـ”النسب”.

مقالات ذات صلة

وعشان يحقق ده، قرر يضحي بيَّا.

اختار لي منار، بنت عمي، البنت اللي وقتها كانت لسه في أول خطواتها في الجامعة، بسيطة وهادية وبنت ريف على طبيعتها.

منار مكانتش وحشة، بالعكس، كانت محترمة وطيبة، بس مكانتش طموحي ولا الحياة اللي كنت بحلم بيها.

أنا كان نفسي في حياة تانية خالص.

عايز أسافر القاهرة، أعيش بحريتي، وأتجوز واحدة من زمايلي تكون قريبة من تفكيري وطموحاتي.

لما وقفت قدام أبويا وقلتله:

لا.

حسيت إنه اتفاجئ إن لسه في حد في البيت ده عنده رأي.

بالنسبة له كلامي كان مجرد عناد، ورأيي مالوش قيمة في ميزانه.

قالها لي صريحة ومن الآخر:

يا تتجوز منار وتاخد مكانك في كل حاجة، يا تطلع بره البيت ده، وما تعتبش العتبة دي تاني طول ما أنا عايش.

التهديد مكانش سهل.

الفلوس والشغل هما السند اللي كنت واقف عليه، ولولا فلوس أبويا مكانش هيبقى ليا وجود أصلًا.

وافقت بقلة حيلة.

بس من جوايا قلت لنفسي:

أنا هكسر كلامه بالطريقة.

هعيش معاها شهر ولا اتنين، أعمل مشكلة على أي سبب، وأنهي الجوازة، وأبقى عملت اللي عليا قدام أبويا، وفي نفس الوقت أهرب وأطلع على القاهرة.

وجِه يوم الجواز.

وجِهت الليلة اللي غيرت كل حاجة.

أنا شاب متعلم وقاري كويس، وعارف إن موضوع العذرية مش بيتحدد بعلامة واحدة، وإن الطب نفسه بيؤكد إن مفيش دليل قطعي من الشكل أو من عدم وجود علامة معينة.

وعارف كمان إن منار دي اتربت قدامي، وأخلاقها وتربيتها كلنا عارفينها.

لكن أوقات الطمع بيخلي الإنسان يشوف الحقيقة بطريقة مختلفة.

أول ما لقيت الوضع بالشكل ده، عقلي صورلي إن دي فرصة ذهبية.

قلت:

هي دي اللي هتخلصني من الجوازة دي للأبد!

لو شككت في سمعتها، مش بس هأنهي الجوازة، ده كمان هخرس أبويا ومحدش في العيلة هيقدر يلومني.

بدأت أعمل المشكلة.

رفعت صوتي عليها، واتهمتها ظلمًا.

هي كانت صغيرة ومش فاهمة ليه كل ده بيحصل.

بقت تبكي بشدة، وتحلفلي إنها ماعملتش حاجة غلط وإنها ماعرفتش غيري.

أنا كنت مصدقها من جوايا.

كنت عارف إنها محترمة ونظيفة السيرة.

لكن طمعي في حريتي وفي إنهاء الجوازة بسرعة عمى عيني.

بعتها برخيص عشان مصلحتي.

مسكت التليفون واتصلت بعمي في نص الليل:

تعالى خد بنتك.

الدنيا قامت وما قعدتش.

عمي جاب أبويا وجاء بسرعة.

حصل نقاش حاد بينهم، وعمي كان بيدافع عن بنته بكل قوته.

وأبويا نفسه وقف وقال:

لو أنت مش مصدق يا ابني، نروح لطبيب، والطب يوضح الحقيقة.

بس أنا كنت عارف إن لو الموضوع دخل في فحص متخصص، خطتي كلها هتنهار.

فقفلت الكلام وقلت:

أنا مش هلف معاكم على دكاترة عشان يقولوا لي كلام أنا مش مقتنع بيه!

لفيت ليها وقتها.

لقيتها منهارة على الأرض.

بصت لي بنظرة عمرها ما فارقت خيالي.

نظرة كانت بتقول كلام كتير، وأوضح كلمة فيها كانت:

افتكر اليوم ده كويس.

وأنهيت الجوازة في ساعتها.

عمي أخد بنته ومشي وهو شايل هم الدنيا كلها.

وأبويا قعد مكانه مكسور الخاطر، عينيه في الأرض، مش قادر يواجه أخوه ولا الناس.

وفي الصباحية، بدل ما أكون عريس، كنت مجهز شنطي.

قلت لهم إني مصدوم ومش قادر أتحمل كلام الناس، وطلعت على القاهرة.

سبتها هي تواجه نظرات الناس وكلامهم، وأنا مشيت بعيد كأني معنديش علاقة باللي حصل.

عدت السنة الأولى، والتانية.

وأنا عايش في القاهرة في عالم تاني خالص.

فسح، وسهر، وحياة كنت فاكر إنها الحرية.

ولا على بالي، ولا كأني ظلمت إنسانة.

وهي هناك في البلد، عايشة في ظروف صعبة جدًا، تحت نظرات الشك من القريب والبعيد.

لكن رغم كل ده، عرفت إنها مكانتش بتستسلم.

كانت بتقاوم.

وتروح جامعتها كل يوم عشان ما تخسرش مستقبلها.

وبعد سنتين من الحياة اللي اخترتها، اتعرفت على زميلتي في الشغل.

البنت اللي كنت بحلم بيها.

مثقفة، أنيقة، ومن المدينة.

اتصلت بأبويا وقلتله إني هتجوز.

أبويا وأمي جم القاهرة وحضروا الفرح.

وشوشهم كانت هادية ومكسورة.

مكانوش راضيين عن اللي حصل، لكن ماكانش عندهم قدرة يعارضوني بعد كل اللي حصل.

مرت خمس سنين كاملة على الليلة دي.

خمس سنين وأنا بعيد عن البلد.

عايش حياتي، ومطمن إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.

وبعد الخمس سنين قررت أرجع.

أخدت مراتي ورحت.

والحقيقة إني مكنتش عارف هبص إزاي في عين منار بعد اللي حصل.

لكن كان لازم أرجع.

مش هينفع أفضل هربان طول عمري.

دخلت البيت وأنا فاكر إني حققت كل اللي نفسي فيه.

لكن اللي كان مستنيني هناك كان صدمة عمرها ما جت على بالي.

أول ما خطيت عتبة البيت، لقيت هدوء غريب.

أبويا قاعد على الكنبة.

وبجنبه عمي.

أيوه، عمي اللي كنت فاكر إنه أنهى علاقته بيا للأبد.

كان قاعد بيبصلي بجمود.

لا فيه كراهية، ولا فيه لهفة.

كان في نظرته إحساس إن السنين علمته ما ينتظرش حاجة من حد.

مراتي كانت ماسكة في إيدي، وبتبص للبيت الريفي باستغراب.

وفجأة سمعت صوت خطوات نازلة من على السلم.

صوت واثق.

موزون.

له هيبة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى